من قمة شنغهاي إلى القاهرة: شراكات جديدة مع الجنوب العالمي
بالنسبة إلى الصين، لا تمثّل مصر شريكاً استراتيجياً شاملاً فحسب، بل أيضاً نقطة ارتكاز مهمة تربط العالم العربي وأفريقيا والجنوب العالمي.
-
من قمة شنغهاي إلى تطلّعات الجنوب العالمي المشتركة.
خلال الفترة من 30 آب/أغسطس إلى 3 أيلول/سبتمبر، شارك الرئيس الصيني شي جين بينغ في قمة منظمة شنغهاي للتعاون لعام 2026 التي عُقدت في بيشكيك، وقام بزيارتين رسميتين إلى قرغيزستان ومصر.
وتحمل هذه الجولة ثلاثة مسارات دبلوماسية متوازية: أولها المشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون بمناسبة مرور 25 عاماً على تأسيس المنظمة؛ وثانيها الزيارة الرسمية إلى قرغيزستان، بما يدفع بالتعاون بين الصين وقرغيزستان في مختلف المجالات إلى آفاق جديدة؛ وثالثها الزيارة الرسمية إلى مصر، التي تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ومصر، كما أنها أول زيارة للرئيس شي جين بينغ إلى مصر منذ عشر سنوات.
ومن الساحة الدبلوماسية متعدّدة الأطراف إلى الزيارات الرسمية الثنائية، ينتقل التعاون بين الصين ودول الجنوب العالمي من التوافق في الرؤى إلى مزيد من الخطوات العملية، فيما تبرز مصر كإحدى الركائز المهمة في هذا المسار.
من قمة شنغهاي إلى تطلّعات الجنوب العالمي المشتركة
خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون، اجتمع قادة الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان وغيرها من الدول الأعضاء في بيشكيك. وعلى مدى 25 عاماً، تطوّرت المنظمة من آلية تركّز في بداياتها على الأمن الإقليمي إلى منصة متعدّدة الأطراف تشمل مجالات السياسة والأمن والاقتصاد والتجارة والتبادلات الإنسانية، فيما تتسع عضويتها ويزداد تأثيرها الدولي باستمرار.
وفي ظلّ تصاعد الأحادية والحمائية وتفاقم تداعيات الأزمات والنزاعات، تزداد حاجة دول الجنوب العالمي إلى منصات تعاون أكثر عدلاً وشمولاً. وتمتدّ منظمة شنغهاي للتعاون عبر آسيا وأوروبا وأفريقيا، وتتمسّك بمبادئ التشاور والتعاون وتقاسم المنافع، وتسعى إلى تعزيز تمثيل الدول النامية وصوتها، بما يتيح لكثير من الدول الصغيرة والمتوسطة مساحة أوسع للتعاون والتنمية.
كما تناولت القمة قضايا من بينها إنشاء بنك للتنمية، وتسوية المعاملات بالعملات المحلية، والاقتصاد الرقمي، والتعاون في مجال الطاقة. وهي قضايا تستجيب لاحتياجات مشتركة لدول الجنوب العالمي، من توسيع قنوات التمويل وخفض تكاليف التجارة، إلى اغتنام الفرص التي تتيحها الرقمنة والتحوّل في مجال الطاقة، وتعزيز صوت الدول النامية في صياغة القواعد الدولية.
ومن هذا المنظور، فإنّ ما تبحثه منظمة شنغهاي للتعاون لا يقتصر على التعاون بين الدول الأعضاء، بل يعكس أيضاً تطلّعات أوسع لدى دول الجنوب العالمي في مجالات التنمية والأمن والحوكمة.
ومع انتقال الجولة الدبلوماسية من بيشكيك إلى القاهرة، اكتسبت هذه التطلّعات بعداً عربياً وأفريقياً أكثر وضوحاً.
لماذا مصر؟
بعد المشاركة في قمة منظمة شنغهاي للتعاون والقيام بزيارة رسمية إلى قرغيزستان، توجّه الرئيس شي جين بينغ إلى مصر، في أول زيارة رسمية له إلى البلاد منذ عشر سنوات، وفي مناسبة تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وتُعدّ مصر دولة محورية في العالم العربي والقارة الأفريقية، كما تمثّل نقطة ارتكاز مهمة تربط آسيا بأفريقيا، وتصل العالم العربي بالقارة الأفريقية. ومن ثم، فإنّ اختيار مصر محطة مهمة في هذه الجولة يحمل دلالة تتجاوز إطار العلاقات الثنائية.
في عام 2014، اتفق رئيسا البلدين على الارتقاء بالعلاقات الصينية المصرية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة. وفي عام 2016، قام الرئيس شي جين بينغ بزيارة رسمية إلى مصر، تمّ خلالها التوصّل إلى سلسلة من النتائج المهمة. وفي عام 2024، أصبحت مصر أول دولة عربية تُدرج هدف بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك في بيان مشترك بشأن العلاقات الثنائية.
واليوم، تحافظ الصين على موقعها كأكبر شريك تجاري لمصر للعام الرابع عشر على التوالي، وبلغ حجم التجارة بين البلدين 20.793 مليار دولار أميركي في عام 2025، مسجّلاً مستوى قياسياً جديداً.
ولم يعد التعاون الصيني المصري اليوم يقتصر على تنفيذ مشروع تلو آخر، بل يمتد باستمرار إلى مزيد من المجالات المرتبطة بالصناعة والابتكار والتنمية. فقد استقطبت منطقة تيدا السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري بين الصين ومصر أكثر من 200 شركة، بإجمالي استثمارات تجاوز 4.7 مليارات دولار، ووفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة. كما أصبح البرج الأيقوني في منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة في مصر، بارتفاع 385.8 متراً، يُعرف لدى السكان المحليين باسم "الهرم الجديد". وأسهم القمر الاصطناعي المصري "مصر سات-2"، الذي ساعدت الصين في تطويره، في تمكين مصر من أن تصبح أول دولة أفريقية تمتلك قدرة متكاملة على تجميع الأقمار الاصطناعية ودمجها واختبارها.
والأهمّ من ذلك أنّ هذه المشاريع تشهد تحوّلاً من مجرّد تنفيذ مشاريع البنية التحتية إلى اندماج أعمق في سلاسل الصناعة والإمداد والابتكار. كما أنّ المواءمة المتعمّقة بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية مصر 2030 للتنمية المستدامة تعكس انتقال التعاون الثنائي من التعاون القائم على المشاريع إلى المواءمة بين استراتيجيات التنمية.
ومن "بناء المشاريع" إلى "بناء القدرات"، ومن التعاون الثنائي إلى المواءمة بين استراتيجيات التنمية، أصبح التعاون الصيني المصري نموذجاً مصغّراً للتعاون بين الصين ودول الجنوب العالمي من أجل التنمية المشتركة.
لكنّ أهمية مصر لا تقتصر على التعاون التنموي. فباعتبارها دولة محورية في المنطقة، تضطلع مصر بدور مهم في القضية الفلسطينية والقضايا الإقليمية. ومن شأن تعزيز التنسيق الاستراتيجي بين الصين ومصر أن يفتح أيضاً مساحة جديدة للتعاون من أجل دفع السلام والاستقرار في المنطقة.
النتائج المهمة للزيارة إلى مصر
في 2 أيلول/سبتمبر، أجرى الرئيس شي جين بينغ محادثات مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وأصدر الجانبان "البيان المشترك لجمهورية الصين الشعبية وجمهورية مصر العربية بشأن مواصلة تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة"، كما وقّعا عدداً من وثائق التعاون في مجالات الذكاء الاصطناعي والتجارة والاقتصاد وسلاسل الصناعة والإمداد. وشملت وثائق التعاون الموقّعة خلال الزيارة أكثر من 20 مجالاً، من بينها الاقتصاد الرقمي والعلوم والتكنولوجيا والتعليم والنقل.
واتفق الجانبان على تحديد اتجاهات جديدة لتطوير العلاقات الصينية المصرية. فقد اتفق الرئيسان على تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، ودفع بناء مجتمع صيني مصري ذي مستقبل مشترك، وتعزيز التنسيق بشأن قضايا الحوكمة العالمية، والدفاع عن المصالح المشتركة للدول النامية ودول الجنوب العالمي. كما اتفق الجانبان على مواصلة تعزيز التواصل رفيع المستوى والحوار الاستراتيجي، وتكثيف التنسيق في الأمم المتحدة ومجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة العشرين وغيرها من المنصات متعدّدة الأطراف.
وفي مجال التنمية، اتفق الجانبان على مواصلة المواءمة بين مبادرة الحزام والطريق ورؤية مصر 2030، ودفع مصر نحو أن تصبح مركزاً إقليمياً للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما سيعمل البلدان على توسيع التعاون في توطين صناعات السيارات الكهربائية وبناء السفن والطاقة المتجدّدة وتحلية مياه البحر، وتعزيز التعاون في مجالات الحوسبة السحابية ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني وتطبيقات الفضاء والاستشعار عن بُعد.
وهذا يعني أنّ التعاون الصيني المصري يتجه من مجالات البنية التحتية التقليدية إلى مجالات جديدة تشمل توطين الصناعة والابتكار التكنولوجي والاقتصاد الرقمي.
وفي الوقت نفسه، تبادل الجانبان وجهات النظر بشكل معمّق حول التطورات الراهنة في الشرق الأوسط والقضايا الدولية والإقليمية. وأكّد الرئيسان مجدّداً أنّ القضية الفلسطينية هي جوهر قضية الشرق الأوسط، ودعما التوصّل إلى حلّ عادل ودائم للقضية الفلسطينية على أساس حلّ الدولتين، ورفضا أيّ خطط لنقل الشعب الفلسطيني لأيّ سبب أو ذريعة. وفيما يتعلّق بالأمن الإقليمي، اتفق البلدان أيضاً على تعزيز التنسيق السياسي والأمني، والعمل المشترك من أجل السلام والاستقرار والتنمية في المنطقة.
ومن اللافت أنّ البيان المشترك شدّد بصورة خاصة على ضرورة "تعزيز صوت الجنوب العالمي"، ودعم مشاركة الدول النامية بصورة أكثر عدلاً وتوازناً في صنع القرارات السياسية والاقتصادية العالمية. واعتبر الجانبان أنّ الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين ومصر تمثّل نموذجاً لتعاون الدول النامية الكبرى على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة والتنمية المشتركة والتضامن بين دول الجنوب العالمي.
ومن العلاقات الثنائية إلى التعاون الصناعي، ومن الابتكار التكنولوجي إلى الأمن الإقليمي والحوكمة العالمية، تعكس التفاهمات التي تمّ التوصّل إليها خلال الزيارة اتساعاً وعمقاً متزايدين في التعاون الصيني المصري.
مع الوقوف على عتبة الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية، تكتسب العلاقات الصينية المصرية مضامين أكثر ثراءً. فمن بيشكيك إلى القاهرة، ومن قمة منظمة شنغهاي للتعاون إلى المحادثات الصينية المصرية، لم تربط هذه الجولة بين محطتين دبلوماسيتين فحسب، بل جسّدت أيضاً مساراً ينتقل من التعاون متعدّد الأطراف إلى التعاون الثنائي، ومن التوافق في الرؤى إلى العمل المشترك والنتائج العملية.
فبالنسبة إلى مصر، لا تقتصر الصين على كونها شريكاً تجارياً وتنموياً مهماً، بل هي أيضاً شريك مهم في دفع تطوير الصناعة والابتكار التكنولوجي وبناء القدرات؛ وبالنسبة إلى الصين، لا تمثّل مصر شريكاً استراتيجياً شاملاً فحسب، بل أيضاً نقطة ارتكاز مهمة تربط العالم العربي وأفريقيا والجنوب العالمي.