من ساحة صراع إلى ورقة جيوسياسية: كيف تغيّرت وظيفة اليمن في صراع الإقليم؟
البلد الذي كان يُنظر إليه طويلاً باعتباره الحلقة الأضعف في النظام العربي أصبح يمتلك، بسبب موقعه الجغرافي وقدرة القوى الموجودة فيه على التأثير في الملاحة والطاقة والتجارة، واحدة من أكثر الأوراق حساسية في الشرق الأوسط.
-
كيف تغيّرت وظيفة اليمن في صراع الإقليم؟
لم تعد الحرب في اليمن مجرد حرب على صنعاء، ولا مجرد مواجهة بين السعودية وإيران عبر وكلاء محليين. فالمشهد اليمني تغيّر بصورة عميقة خلال السنوات الأخيرة، إلى درجة أن السؤال لم يعد: من يسيطر على اليمن؟ بل أصبح: من يستطيع استخدام اليمن لإعادة رسم موازين القوة في الخليج والبحر الأحمر؟
سقوط المخا في يد أنصار الله، بالتزامن مع السيطرة على جزيرة ميون، لم يكن مجرد تحوّل ميداني جديد في حرب طويلة. المخا تقع على مسافة نحو 75 كيلومتراً من باب المندب، وبالتالي فإن أي تغيير في موازين القوى هناك يتجاوز حدود اليمن إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
المبعوث الأممي هانس غروندبرغ في الـ 10 من أيلول 2026 حذّر من أن اليمن يواجه أخطر احتمال للعودة إلى حرب واسعة النطاق منذ هدنة 2022، مع تصاعد القتال على الساحل الغربي.
الحرب التي بدأت من أجل السيطرة على العاصمة اليمنية أخذت، مع مرور الوقت، اتجاهاً مختلفاً: من صنعاء إلى تعز، ومن الحدود السعودية إلى الساحل، ومن المدن إلى الجزر والموانئ والممرات البحرية.
كلما ابتعد الصراع عن سؤال الدولة اليمنية، اقترب أكثر من سؤال الجغرافيا. وهذه هي النقطة التي تجعل اليمن اليوم مختلفاً عن اليمن الذي دخلته السعودية والإمارات عام 2015.
الحرب التي خرجت من صنعاء
عندما بدأت السعودية والإمارات تدخلهما العسكري في اليمن عام 2015، كان العنوان الرئيسي هو منع جماعة أنصار الله من تثبيت سيطرتها على الدولة اليمنية، وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً إلى صنعاء. وكان البعد الإيراني حاضراً بقوة في الحسابات الخليجية.
الحرب الطويلة غيّرت طبيعة الصراع، ولم يعد اليمن ساحة مواجهة بين طرفين واضحين. فظهرت قوى محلية متعددة، لكل منها مصالحها وحساباتها وشبكاتها الخارجية. وأصبح الجنوب قضية قائمة بذاتها، والساحل الغربي مسرحاً مستقلاً، والموانئ والجزر عناصر أساسية في معادلة القوة.
هذا الأمر أدى إلى ظهور فوارق بين الرؤيتين السعودية والإماراتية، السعودية تنظر إلى اليمن أولاً من زاوية الأمن الوطني والحدود البرية ومنع قيام قوة معادية على حدودها الجنوبية.
أما الإمارات فقد طورت، بصورة أكبر، رؤية ترتبط بالساحل والموانئ والجزر والممرات البحرية، وبناء علاقات قوية مع قوى محلية في الجنوب والساحل.
لم يكن ذلك يعني أن الرياض وأبوظبي انتقلتا مباشرة من التحالف إلى العداء. لكن التحالف الذي جمعهما في الحرب لم يلغِ اختلاف المصالح فيما يتعلق بشكل اليمن الذي ينبغي أن يخرج من الحرب.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الحرب اليمنية: "كلما اقترب الحلفاء من تحقيق مكاسب عسكرية، ظهرت بينهم أسئلة سياسية أكبر حول مستقبل تلك المكاسب".
لقد أصبحت المنافسة السعودية الإماراتية في اليمن أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة. ففي نهاية كانون الأول 2025، قصفت السعودية مواقع في المكلا، وقالت إن الأسلحة والمعدات المستهدفة وصلت من الإمارات إلى المجلس الانتقالي الجنوبي، في تطور عكس حجم التباين بين شريكي الحرب السابقين.
لذلك، فإن قراءة سقوط المخا باعتباره مجرد انتصار "حوثي" على قوات موالية للحكومة لا تكفي. المخا تكشف شيئاً أعمق، وهو أن الجبهة اليمنية لم تعد جبهة واحدة، وأن السيطرة على الأرض أصبحت مرتبطة بمنافسة على النفوذ والموقع والموارد والممرات البحرية.
حلفاء الحرب... وخصوم النفوذ
في بداية الحرب، كان من السهل وضع السعودية والإمارات في خندق واحد، وإيران في الخندق المقابل، لكن هذه الصورة تغيرت.
إيران ما زالت لاعباً أساسياً في المعادلة اليمنية، والدعم السياسي والعسكري والتكنولوجي الذي قدمته لأنصار الله منح طهران قدرة كبيرة على التأثير في أمن البحر الأحمر.
اختزال أنصار الله بأنهم مجرد أداة إيرانية يختزل بدوره المشهد اليمني؛ فالحركة تمتلك أجندتها المحلية وحساباتها الخاصة، وتتحرك ضمن صراع يمني معقد عمره سنوات.
في المقابل، لم تعد الرياض تواجه خصماً واحداً. إنها تواجه جماعة مسلحة تمتلك قدرة صاروخية وطائرات مسيرة وخبرة واسعة في الحرب غير المتكافئة، وتواجه في الوقت نفسه شبكة من القوى اليمنية المتنافسة، بينما أصبح النفوذ الإماراتي نفسه عاملاً لا يمكن تجاهله في الحسابات السعودية.
مدينة المخا ليست ميناءً يمنياً فقط، إنها جزء من شريط ساحلي شديد الحساسية يمتد باتجاه باب المندب. ومن يسيطر على الساحل لا يحتاج بالضرورة إلى السيطرة على كامل اليمن حتى يمتلك ورقة تأثير إقليمية.
في الجغرافيا السياسية، لا تُقاس القوة دائماً بعدد المدن التي تسيطر عليها الدولة، بل بالمواقع التي تستطيع من خلالها التأثير في الآخرين، ولهذا السبب أصبح الساحل الغربي أكثر أهمية من كثير من الجبهات الداخلية.
أنصار الله، من جهتها، تدرك هذه المعادلة جيداً. فانتقال الضغط العسكري إلى المخا وميون يعني الاقتراب من نقطة يمكن من خلالها تحويل القوة العسكرية المحلية إلى ورقة تفاوض دولية. وهنا ينتقل اليمن من كونه ملفاً خليجياً إلى كونه ملفاً دولياً.
عندما دخل باب المندب إلى المعادلة
ربما تكون هذه أهم نقطة في فهم التحول الحالي، فاليمن لا يقع فقط في جنوب شبه الجزيرة العربية. إنه يقف عند تقاطع الخليج والبحر الأحمر والقرن الأفريقي وقناة السويس.
باب المندب هو البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وأي اضطراب فيه ينعكس على حركة السفن بين آسيا وأوروبا.
تشير تقديرات نقلتها وكالة أسوشييتد برس إلى أن نحو 12% من التجارة العالمية تمر عبر هذا الممر الاستراتيجي. وهذا يعني أن الصراع اليمني يستطيع، حتى من دون السيطرة على العاصمة، أن يفرض كلفة على الاقتصاد العالمي.
هنا تكمن قوة الحرب غير المتكافئة، فقد لا يمتلك طرف ما أسطولاً بحرياً ضخماً، لكنه يستطيع امتلاك القدرة على تهديد سفن تجارية، أو تعطيل طريق ملاحي، أو رفع تكاليف التأمين، أو إجبار الشركات على تغيير مساراتها (من يملك القدرة على تعطيل الطريق لا يحتاج دائماً إلى امتلاك الطريق).
لقد شهد البحر الأحمر بالفعل تداعيات واسعة نتيجة هجمات أنصار الله على الملاحة، الأمر الذي دفع شركات شحن إلى تقليل استخدام الطريق واللجوء إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة.
التطور الأخير أكثر حساسية، لأن السيطرة على المخا وميون تعني أن الصراع بات أقرب جغرافياً إلى باب المندب. وقد أكدت الأمم المتحدة أن الهجوم الحوثي على الساحل الغربي ترافق مع تغيرات ميدانية سريعة، بينما أفادت تقارير بأن القوات المدعومة من السعودية ردت بضربات جوية.
إذا تحول باب المندب إلى جبهة مفتوحة، فإن مصر ستراقب حركة قناة السويس، والسعودية ستراقب أمن صادراتها وموانئها، ودول الخليج ستراقب حركة التجارة، والقوى الأوروبية ستنظر إلى أمن خطوط الإمداد، بينما ستجد الولايات المتحدة نفسها أمام سؤال صعب: إلى أي مدى تريد العودة إلى حرب يمنية مباشرة؟
بحسب رويترز، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس الأميركي دونالد ترامب دعماً عسكرياً ضد أنصار الله، لكن ترامب رفض تنفيذ ضربات أميركية مباشرة، مع عرض واشنطن تقديم معلومات استخبارية ومساعدة في تحديد الأهداف.
هذا التفصيل بالغ الأهمية، فالولايات المتحدة لم تنسحب من المعادلة، لكنها لا تبدو راغبة في أن تتحول مرة أخرى إلى الطرف الذي يخوض الحرب نيابة عن حلفائه.
وهذه ربما تكون إحدى أهم الرسائل التي حملتها التطورات الأخيرة: "الضمانة الأميركية للأمن الخليجي لم تعد تعني بالضرورة أن واشنطن ستقاتل في كل حرب تخوضها دول الخليج".
كما أن ذلك يضعنا أمام سؤال كبير حول حلف مكة والقيمة العملية له، فلماذا لم تطلب المملكة من باكستان أو تركيا التدخل!
السعودية أمام يمن جديد
أمام هذا المشهد، تجد السعودية نفسها أمام خيارات صعبة:
الخيار الأول هو التصعيد العسكري، سواء مباشرة أم عبر القوات المحلية الحليفة. وهذا الخيار قد يوقف بعض التقدم الميداني لأنصار الله، لكنه لا يحل المشكلة من جذورها، وقد يعيد إنتاج الحرب التي أثبتت السنوات الماضية صعوبة حسمها عسكرياً.
الخيار الثاني هو توسيع الاعتماد على الحلفاء الإقليميين. وهنا تظهر أهمية اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي وُقع في آب 2026، ونص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً على الدول الأخرى. وقد قُدّم الاتفاق باعتباره إطاراً دفاعياً، وليس تحالفاً موجهاً رسمياً ضد دولة بعينها.
الاختبار الحقيقي لهذا الاتفاق قد يكون اليمن. فباكستان، التي ترتبط بعلاقة دفاعية وثيقة مع السعودية، تجد نفسها في الوقت نفسه أمام ضرورة الحفاظ على قنوات التواصل مع إيران.
وقد أفادت رويترز بأن إسلام آباد تحاول لعب دور الوسيط، فيما نشرت قوات قرب الحدود السعودية اليمنية، وسط مخاوف من أن يؤدي التصعيد إلى جرّها إلى مواجهة مباشرة.
أما تركيا، فهي لا تنظر إلى اليمن باعتباره ملفاً منفصلاً عن إعادة تشكيل منظومة القوة في الشرق الأوسط.
لذلك فإن اتفاق مكة سيواجه اختباراً عملياً: هل هو اتفاق للدفاع عن الأراضي السعودية والتركية والباكستانية فقط، أم يمكن أن يتحول إلى إطار للتعامل مع تهديدات تتجاوز الحدود، مثل أمن البحر الأحمر وباب المندب؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد الكثير من مستقبل النظام الأمني في الخليج.
السعودية تملك خياراً ثالثاً أكثر تعقيداً: "التسوية السياسية". فالتفاوض مع أنصار الله قد يفتح الطريق أمام خفض التصعيد على الحدود، لكنه لن يحلّ تلقائياً قضية الجنوب، ولن ينهي المنافسة بين القوى اليمنية، ولن يحسم مستقبل الموانئ والجزر، ولن يضمن وحده أمن الملاحة في باب المندب.
هنا يعود اليمن إلى نقطة البداية ولكن بصورة مختلفة. فالحرب التي بدأت بهدف السيطرة على الدولة تحولت إلى صراع على النفوذ داخل دولة مجزأة، ثم تحولت إلى صراع على الجغرافيا، قبل أن تتحول الجغرافيا نفسها إلى ورقة في الصراع الدولي.
لم يعد السؤال من يربح اليمن، بل من يملك القدرة على استخدام موقع اليمن لإعادة توزيع القوة في الإقليم. وهذه هي الوظيفة الجديدة لليمن.
فالبلد الذي كان يُنظر إليه طويلاً باعتباره الحلقة الأضعف في النظام العربي أصبح يمتلك، بسبب موقعه الجغرافي وقدرة القوى الموجودة فيه على التأثير في الملاحة والطاقة والتجارة، واحدة من أكثر الأوراق حساسية في الشرق الأوسط.
من هنا، فإن السيطرة على المخا ليست مجرد خبر عسكري آخر في حرب طويلة. إنه مؤشر على انتقال الحرب اليمنية إلى مرحلة جديدة: "من الصراع على السلطة إلى الصراع على الجغرافيا، ومن الجغرافيا إلى صراع على طرق التجارة والطاقة، ومن ثم إلى صراع على شكل النظام الإقليمي نفسه".
في هذه المرحلة، قد يصبح اليمن أقل أهمية بوصفه دولة تبحث عن نهاية لحربها، وأكثر أهمية بوصفه "ورقة جيوسياسية تستطيع قوى الإقليم والعالم استخدامها في إعادة رسم حدود النفوذ من الخليج إلى البحر الأحمر".