من جنوب اليمن إلى أرض الصومال: أين تتموضع السعودية؟

النظام السعودي أمام اختبار حاسم: إما مواجهة فعلية للمشروع الإسرائيلي ومنعه من تحقيق مشروعه في القرن الأفريقي والبحر الأحمر أو الاستمرار بالتموضع ضمن الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية مع تغيير الأدوات والعناوين.

0:00
  • من جنوب اليمن إلى أرض الصومال: السعودية أمام اختبار عملي!
    من جنوب اليمن إلى أرض الصومال: السعودية أمام اختبار عملي!

شهد جنوب وشرق اليمن خلال الأسبوعين الماضيين تطوّرات عسكرية وسياسية متسارعة قلبت موازين الصراع بين القوى الإقليمية وأدواتها المحلية، فمع تدخّل سعودي مباشر عبر غارات جوية وبيانات سياسية، انكفأت الإمارات فجأة عن المشهد وأعلنت سحب ما تبقّى من قواتها وإنهاء تحالفها مع الرياض، ما أدّى إلى انهيار واضح في بنية المجلس الانتقالي الجنوبي عسكرياً وسياسياً.

لغز اختفاء الزُبيدي وحلّ الانتقالي

هذا الانهيار تجلّى بوضوح مع الاختفاء الغامض لرئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي وسط روايات متضاربة: من رفضه الصعود على متن طائرة متجهة إلى السعودية، إلى الحديث عن توجّهه على رأس وفد إلى الرياض كما نشرت قناة الحدث السعودية، إلى الحديث عن فراره واختفائه وصولاً إلى الحديث عن فراره على متن سفينة إلى إقليم أرض الصومال، ثم نقله إلى قاعدة إماراتية على متن طائرة شحن عسكرية. صمت أبو ظبي في مقابل هذه الروايات وتلك الغارات التي شنّتها المقاتلات السعودية على الضالع مسقط رأس عيدروس عمّقت الشكوك، وفتحت الباب أمام فرضيّات الاحتجاز القسري أو التصفية الجسدية في ظلّ سوابق سعودية مع معارضين سياسيين.

وإلى جانب اختفاء أو إخفاء عيدروس الزبيدي برزت عقدة صراع جديدة تمثّلت في الإعلان المفاجئ عن "حلّ المجلس الانتقالي" من داخل السعودية على لسان بعض القيادات المحسوبة على المجلس ممن استدعتهم الرياض، هذا الإعلان قوبل برفض قواعد الانتقالي في عدن وغيرها من المحافظات الجنوبية ووجّهت اتهامات مباشرة للرياض بإجبار تلك القيادات على إعلان حلّ المجلس تحت الإقامة الجبرية والتهديد. وهذا الرفض الشعبي والسياسي يوحي بأنّ المشهد لايزال هشاً وقابلاً للانفجار مجدّداً.

أزمة ثقة وإعادة تدوير: الإصلاح يخشى صعود رموز نظام صالح

لم يؤدِ تفوّق الأجندة السعودية على الأجندة الإماراتية إلى استقرار المشهد، بل فتح باباً جديداً لأزمة ثقة عميقة بين القوى اليمنية المتحالفة شكليّاً، فقد استدعت الرياض الأطراف المتناقضة إلى أراضيها في خطوة أقرب إلى الاستدعاء الأمني منها إلى الحوار السياسي، تمهيداً لمؤتمر جديد يشبه مؤتمر الرياض 2022 الذي أفضى إلى إزاحة هادي وتشكيل مجلس الثمانية مناصفة بين السعودية والإمارات. في غضون ذلك جرت إقالة محسن الداعري (وزير الدفاع في حكومة العليمي).

وفي هذا الإطار تتنامى مخاوف حزب الإصلاح من إعادة تمكين رموز محسوبة على نظام صالح، مع تصدّر العليمي وسلطان البركاني وعودة أسماء مثل طارق عفاش إلى الواجهة بعد انتقاله من العباءة الإماراتية إلى السعودية. هذه المخاوف تغذّيها مواقف معلنة لمسؤولين سعوديين أبرزهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ووزير الخارجية فيصل بن فرحان سبق أن تعهّدوا فيها بـ "سحق الإخوان المسلمين"  و"عدم التقارب مع الإسلاميين"، وتعزّزها مواقف ميدانية لطارق عفاش شملت إرسال مجاميع من مقاتلي ما يسمّى بـ "حرّاس الجمهورية" إلى حضرموت والمهرة للقتال جنباً إلى جنب مع مقاتلي الانتقالي الذين داسوا على العلم الوطني للجمهورية اليمنية وأعلنوا الانفصال، إلى جانب اتهام طارق وأخيه عمار عفاش بإنشاء أجهزة أمنية خارج إطار "الشرعية" ومن ذلك  "جهاز 400" الذي تأسس برعاية إماراتية. 

في خضمّ هذه التناقضات، تسعى الرياض لإعادة تشكيل الأدوات من خلال دفعها للعليمي بالإعلان عن تشكيل لجنة عسكرية بقيادة سعودية الأمر الذي يكشف دور السعودية ويسقط القناع عن عناوينها الفضفاضة التي تتقدّم من خلالها كوسيط وليس شريك وطرف في الصراع؟ أما لماذا وما هي الأهداف من إعلان لجنة عسكرية في هذا التوقيت؟ فإنّ لقاءت السفير الأميركي (المقيم في الرياض لدى حكومة المنفى) بعدد من الشخصيات اليمنية تكشف جانباً من الإجابة وهي أنّ واشنطن تهدف لإعادة إدارة الصراع وتوحيد جهود الأدوات ضدّ صنعاء، وهذا يضع الرياض في الخانة نفسها التي تتخندق فيها أبو ظبي وإن اختلفت عناوينهما وشعاراتهما؟ من هنا يبرز السؤال هل السعودية تقاتل ضدّ "إسرائيل" أم في خندقها، وهذا ما سنحاول مناقشته وتفكيكه في الجزء التالي من المقال ربطاً ببعض المعطيات الإقليمية.

من جنوب اليمن إلى أرض الصومال: السعودية أمام اختبار عملي!

وهنا يتقاطع المحلي بالإقليمي، خصوصاً بعد اعتراف كيان العدو الإسرائيلي بإقليم أرض الصومال في ذروة الصراع الإماراتي - السعودي في جنوب اليمن، هذا التزامن لم يكن عفوياً أو محض صدفة بل عزّز القناعات عن مشروع مشترك بين أبو ظبي و"تل أبيب" لفرض واقع جديد يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية عند المندب والبحرين الأحمر والعربي، ورغم اعتقاد البعض أنّ السعودية تحرّكت لإجهاض هذا المشروع بطرد الإمارات من اليمن وإسقاط أدواتها وتالياً بتشجيع جمهورية الصومال الفدرالية على إلغاء كلّ اتفاقياتها مع دولة الإمارات، لكنّ خطوات الرياض في اليمن والصومال ما زالت توحي بأنّ السعودية لا تواجه المشروع الإسرائيلي، وإنما تنافس الإمارات على كسب رضا واشنطن و"تل أبيب". ذلك أنّ الرياض لم تبدِ أيّ ردّ رسمي على دعوة رسمية من وزير الدفاع الصومالي للنظام السعودي للتدخّل عسكرياً ضدّ الإقليم الانفصالي في أرض الصومال، وهذه الدعوة تضع السعودية أمام اختبار عملي لادّعاءاتها حول "حماية الشرعية والأمن القومي العربي" إبان عدوانها على اليمن، فهل تستجيب لشرعيّة الصومال وتواجه التهديد الإسرائيلي للأمن القومي العربي من القرن الأفريقي وتحديداً من أرض الصومال؟

في الخلاصة، فإنّ النظام السعودي أمام اختبار حاسم: إما مواجهة فعليّة للمشروع الإسرائيلي ومنعه من تحقيق مشروعه في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، أو الاستمرار بالتموضع ضمن الاستراتيجية الأميركية – الإسرائيلية مع تغيير الأدوات والعناوين.

إنّ الإجابة عن السؤال المركزي هل تقاتل السعودية ضدّ "إسرائيل" أم في خندقها؟ باتت مسألة وقت وخطوات عمليّة ستجيب عنها وتكشفها تطوّرات المرحلة المقبلة، وغداً سيتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود وسيتضح لنا جميعاً ما إذا كانت السعودية تقاتل ضدّ "إسرائيل" أم تقاتل في خندقها؟  لن نستبق الأمور بل سننتظر وإنّ غداً لناظره قريب.