من ترامب إلى هاكابي: عالم جديد يتشكل
إذا لم تلتقط الدول العربية والإسلامية هذه اللحظة، وإذا لم يتم التعاطي من قبل المعنيين بمسؤولية تاريخية، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة من الغموض وعدم اليقين.
-
الغرب وجد نفسه بعد نحو ثلاثة عقود ونصف عقد أمام توازنات جديدة.
شكّلت تصريحات السفير الأميركي لدى "إسرائيل"، مايك هاكابي، بشأن ما سمّاه "الحق التوراتي" لـ "إسرائيل" في السيطرة على الشرق الأوسط من النيل إلى الفرات صدمة واسعة في دول المنطقة، فقد اعتُبر كلامه بمزلة ضوء أخضر أميركي لمضيّ "إسرائيل" قدمًا في مشروع "إسرائيل الكبرى"، الأمر الذي دفع غالبية الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، إلى إصدار بيانات تنديد طالبت فيها بتوضيحات رسمية من وزارة الخارجية الأميركية.
واللافت أن الدول التي أصدرت هذه البيانات، والتي شطبها السفير نظريًا من خريطة الشرق الأوسط، هي نفسها الدول العربية التي لطالما تحدثت عن تحالف استراتيجي عميق مع واشنطن، ووقّعت معها اتفاقيات شراكة أمنية وعسكرية واقتصادية، إلا أن كلمات هاكابي الـواضحة والمباشرة كانت كفيلة بتحويل المعاهدات والاتفاقيات الموقعة مع الولايات المتحدة إلى مجرد أوهام.
وسبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن قدّم نموذجًا مشابهًا عندما أعلن الاعتراف بضمّ القدس والجولان إلى إسرائيل، خلافًا للقرارات الدولية وحقائق الجغرافيا والتاريخ. هذا الأداء ينبئ بتشكّل عالم جديد، وعلاقات دولية مختلفة، ومراكز ثقل ناشئة.
عالم يسوده القلق والمزاجية والتطرف في السياسات الأميركية، وتتهدده مخاطر كبرى مصدرها الولايات المتحدة تحديدًا، وهي مخاطر لا تستهدف خصوم واشنطن فحسب، بل تطال دول العالم والتكتلات الإقليمية والدولية كافة، بما فيها منظومة الأمم المتحدة التي قادت النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية.
ويمكن للمتابع أن يلمس هذا القلق العالمي في ردود فعل حلفاء واشنطن أكثر من خصومها، الذين لم يثقوا أصلًا بالإدارات الأميركية المتعاقبة. أما الذين ارتضوا الخضوع للولايات المتحدة ظنًا منهم أن تلك العلاقة كفيلة بحمايتهم من الاستهداف، فقد باتوا اليوم يعيشون حالة انعدام ثقة شاملة تجاه واشنطن، لا سيما بعد الإجراءات الصادمة التي اتُّخذت في عهد ترامب، سواء على مستوى الرسوم الجمركية أو في ما يتصل بتصريحات تتحدث عن الاستيلاء على أراضٍ، كما في حديثه عن غرينلاند وكندا.
يُضاف إلى ذلك ما تضمّنته استراتيجية الأمن القومي الجديدة من التزام أقل تجاه الحلفاء التقليديين، وهو ما ظهر بوضوح في الملف الأوكراني، وأثار قلق دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وصولًا إلى تايوان.
وقد أحدثت هذه المعطيات تحولًا عميقًا في تفكير العديد من الدول الحليفة لواشنطن. ويمكن رصد مؤشرات عدة على ذلك، أبرزها تصاعد لهجة الرئيس الفرنسي ودعوته أوروبا إلى سلوك مسار جديد قائم على الاعتماد على الذات، فضلًا عن أداء لندن وكندا وسعيهما إلى فتح آفاق جديدة مع الصين، إضافة إلى رفض العديد من الدول، ولا سيما الأوروبية، الانضمام إلى "مجلس السلام" الأميركي الخاص بغزة.
أما على المستوى الاستراتيجي، فيبدو أن الغرب عمومًا، الذي اعتقد أنه ثبّت هيمنته الدولية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي عام 1989، وجد نفسه بعد نحو ثلاثة عقود ونصف عقد أمام توازنات جديدة وتحولات في الأحجام الاقتصادية والعسكرية، ولا سيما مع بروز الصين كقوة اقتصادية وعسكرية عملاقة، وصعود قوى واعدة من حيث القدرات مثل الهند وروسيا.
وفي هذا السياق، يرى الدبلوماسي السنغافوري السابق كيشور مابوباني، في إحدى حلقات بودكاست "ديب ديش"، أن "العقول الغربية لا تستطيع فهم حقيقة أن عصر هيمنة الغرب على تاريخ العالم قد انتهى".
ويستند مابوباني في رأيه إلى التحولات في موازين الكتلة الاقتصادية، موضحًا أنه في عام 2000 كان الناتج القومي الإجمالي لدول الاتحاد الأوروبي مجتمعة أكبر بثماني مرات من الناتج القومي الإجمالي للصين. أما اليوم، فقد أصبح الحجم متقاربًا إلى حدّ كبير. وبحلول عام 2050، سيبلغ حجم اقتصاد الاتحاد الأوروبي نحو نصف حجم الاقتصاد الصيني. أما الهند، فبعدما كان الاقتصاد البريطاني أكبر من اقتصادها بثلاث مرات ونصف مرة، أصبح الاقتصاد الهندي اليوم أكبر من نظيره البريطاني، ومن المتوقع أن يتفوق عليه بأربعة أضعاف بحلول عام 2050.
أما في ما يخص الولايات المتحدة، فقد بلغت حصتها من التصنيع العالمي عام 2000 نحو 30%، مقابل 5% فقط للصين. أما اليوم، فقد أصبحت الصين تمتلك نحو 30% من القدرة التصنيعية العالمية، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 45% بحلول عام 2030.
هذا التحول في مركز الثقل الاقتصادي العالمي من الغرب إلى الشرق قوبل في البداية بنوع من الإنكار الغربي، إلى أن جاء دونالد ترامب في ولايته الثانية، فدفع الدول الغربية المتوجسة من أدائه وتقلباته واستراتيجياته الجديدة إلى إعادة التفكير في كيفية التعامل مع هذه التحولات، وإلى إعادة قراءة المشهد الدولي بطريقة مختلفة تتيح لها إعادة تشكيل علاقاتها الدولية، بما يخلق توازنًا في مواجهة النزعة الأميركية المتزايدة نحو التسلط والهيمنة، دون مراعاة للحلفاء التاريخيين.
وفي الندوة ذاتها، يفسّر الدبلوماسي السنغافوري السابق كيشور مابوباني عبارة وردت في خطاب مارك كارني في منتدى المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس)، إذ قال إن "هناك شرخًا". ويرى مابوباني أن سبب هذا الشرخ يعود إلى تخلي إدارة ترامب عن العديد من قواعد وممارسات النظام الدولي القائم.
ويشير إلى معطيات النمو الاقتصادي، موضحًا أنه منذ اتخاذ ترامب إجراءات مختلفة وُصفت بأنها مزعزعة للاستقرار، أُبرمت بشكل مفاجئ اتفاقيات تجارية لم يكن من الممكن إنجازها خلال بضعة أشهر في الظروف العادية، من بينها اتفاقيات بين الاتحاد الأوروبي من جهة، وكل من الهند وإندونيسيا وتكتل "ميركوسور" من جهة أخرى.
ويضيف: "إذا أرادت الولايات المتحدة الانسحاب من النظام العالمي، فلن تنضم أي دولة أخرى إليها". وعند سؤاله عمّا إذا كان يعزو الفضل إلى ترامب في ذلك، يجيب: "بالتأكيد، إن الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي والهند ما كانت لتتم لولا الرئيس دونالد ترامب".
وبالعودة إلى تصريحات السفير الأميركي في "تل أبيب" حول "حق إسرائيل من النيل إلى الفرات"، فإن ردّ الفعل لا ينبغي أن يقتصر على بيانات الشجب والاستنكار، بل يجب أن يشكّل دافعًا جديدًا لدول المنطقة للتحرك العملي.
من الضروري أن تقود هذه التصريحات إلى بحث جدي في استراتيجية الأمن القومي العربي والإسلامي، لا سيما أن ما يطرحه بنيامين نتنياهو، وما أشار إليه سفير واشنطن في إسرائيل، يحمل أبعادًا تمسّ التهديد الوجودي للدول العربية والإسلامية. ويمكن الانطلاق من إدراك ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا: إن الهيمنة الغربية ليست مستقبل النظام الدولي، بل باتت جزءًا من ماضيه، ما يستدعي إعادة رسم التحالفات الاستراتيجية استنادًا إلى التحولات والمعطيات الجديدة.
ثانيًا: إن الولايات المتحدة لم تعد ترتقي إلى مستوى الشريك الذي يمكن الوثوق به، ولا تصلح وسيطًا محايدًا، بل تمثل – في الحد الأدنى – طرفًا منحازًا، ما يفرض مواجهتها عبر بناء القدرات الذاتية وتعزيز التحالفات الإقليمية القوية.
ثالثًا: إن السلام مع إسرائيل، لم يعد مجديًا، إذ إن سياساتها التوسعية تجعل من "استراتيجية السلام" مظلة تسمح بمزيد من التمدد من دون تحقيق مكاسب حقيقية لدول المنطقة.
إن هذه الحقائق تفرض تحركًا سريعًا، فالمرحلة الراهنة شديدة الخطورة، وتسارع الأحداث كبير، والمخاطر مرتفعة، فيما الفرص محدودة.
وعليه، فإن الدول العربية والإسلامية مدعوة إلى الرد العملي على تصريحات السفير الأميركي من خلال خمس خطوات رئيسية:
أولًا: العمل العاجل على وقف النزيف الداخلي المتمثل في الانقسامات والصراعات والاقتتال داخل الدول العربية والإسلامية، ولا سيما في ساحات اليمن والسودان وليبيا.
ثانيًا: توحيد الجهود الإقليمية في التعامل مع القضية الفلسطينية، ورفض أي تراجع عن الحقوق الفلسطينية، واعتبارها قضية أمن قومي لكل دولة عربية وإسلامية، خصوصًا في دول مثل مصر والسعودية والعراق وتركيا.
ثالثًا: اتخاذ موقف جاد ومؤثر لمنع أي حرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإغلاق أجواء الدول العربية والإسلامية أمام الطائرات الأميركية والإسرائيلية، وعدم تحويلها إلى منصات تسهّل أي عمل عسكري.
رابعًا: تحقيق توازن في العلاقات بين الغرب والشرق، وبناء تحالفات استراتيجية اقتصادية وعسكرية مع الصين وروسيا.
خامسًا: وقف التضييق على حركات التحرر والمقاومة، وإفهام الولايات المتحدة وإسرائيل أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر الفرض والإملاء، بل من خلال إنصاف الشعوب ومنحها حقوقها المشروعة.
إن هذه الخطوات، بعد تصريحات السفير الأميركي، أصبحت أكثر من ضرورية. وإذا لم تلتقط الدول العربية والإسلامية هذه اللحظة، وإذا لم يتم التعاطي من قبل المعنيين بمسؤولية تاريخية، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة من الغموض وعدم اليقين. وفي مثل هذه الظروف، فإن الدول المترددة ستجد نفسها خارج معادلات العالم الجديد الذي يتشكل.