من بوش وشامير إلى ترامب ونتنياهو: الانتخابات في قلب العلاقة الاستثنائية
العلاقة الأميركية - الإسرائيلية تظهر تاريخاً طويلاً من التأثير المتبادل في الاستحقاقات السياسية، فيما يعكس دعم ترامب العلني لنتنياهو انتقال هذا التدخل إلى مستوى أكثر وضوحاً، وسط تحولات داخلية متسارعة في البلدين.
-
من بوش وشامير إلى ترامب ونتنياهو: الانتخابات في قلب العلاقة الاستثنائية
أثارت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي تضمنت دعماً سافراً لبنيامين نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، الجدل القديم المتجدد حول طبيعة العلاقة الأميركية - الإسرائيلية، وحدود التدخل المتبادل في الشؤون الداخلية، ولا سيما في الاستحقاقات الانتخابية لدى الطرفين.
فكما هو معلوم، تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل استثنائية بكل ما للكلمة من معنى، وقد اتخذت منحى تصاعدياً منذ عام 1967. ففي الدراسات التاريخية للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية، تشكّل حرب حزيران 1967 وما أعقبها من تحولات إقليمية محطة مفصلية في تعميق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، قبل أن تزداد هذه الشراكة رسوخاً بعد حرب تشرين الأول 1973.
وقد تجلّت استثنائية هذه العلاقة في مجالات عديدة، أبرزها الموقف الأميركي من الصراع العربي - الإسرائيلي، حيث لعبت واشنطن، على مدى عقود، دور المحامي عن إسرائيل، وهي حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح، بعدما وثّقتها دراسات وكتب عديدة من خلال عرض وقائع ومحطات خلال مسار المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية.
وقد ذهب الدبلوماسي الأميركي الأسبق آرون ديفيد ميلر، الذي تناول هذه المسألة بالتفصيل في كتابه "الأرض الأكثر وعداً: البحث الأميركي المراوغ عن سلام عربي - إسرائيلي"، إلى حد الحديث عما أسماه "دروب التدليل واللين للصديقة الاستراتيجية إسرائيل".
إلا أن الشؤون الداخلية، ولا سيما الاستحقاقات الانتخابية في كلا البلدين، ظلّت محكومة بضوابط وأعراف تقوم على تجنّب التدخل السافر في انتخابات الطرف الآخر.
فقد أدرك قادة إسرائيل، على وجه الخصوص، أن مصلحتهم تقتضي الحفاظ على علاقة متوازنة مع الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، وتجنّب الاصطفاف إلى جانب أحدهما في مواجهة الآخر. وهو توازن أداره اللوبي اليهودي في واشنطن بكفاءة على مدى عقود.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن النفوذ الواسع لهذا اللوبي، الذي تعالت أصوات أميركية تحذّر من تأثيره في دفع صنّاع القرار نحو خيارات لا تنسجم بالضرورة مع المصالح الأميركية، يندرج في إطار النظام السياسي الأميركي نفسه، الذي يتيح عمل جماعات الضغط وينظّمه قانونياً، ولا يعتبر، وفق الأدبيات الأميركية، تدخلاً إسرائيلياً في الانتخابات.
في المقابل، اتّسم التدخل الأميركي في الانتخابات الإسرائيلية، إلى حد كبير، بطابع "ناعم"، حتى في المحطات التي شهدت خروج العلاقة عن مسارها المعتاد، كما حصل عام 1991، عندما دخل الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في مواجهة حادة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير، على خلفية الاستيطان وضمانات القروض الأميركية لإسرائيل، البالغة عشرة مليارات دولار.
وقد أورد الكاتب الأميركي جيه جيه غولدبرغ، في كتابه "القوة اليهودية"، تفاصيل هذه المواجهة.
ففي خضم الأزمة، طلب شامير من المنظمات اليهودية الأميركية تعبئة نحو ألف ناشط للتوجه إلى مكاتب أعضاء الكونغرس، بهدف الضغط على النواب والشيوخ للموافقة على ضمانات القروض، خلافاً لرغبة الرئيس الأميركي.
وكان الهدف السياسي من هذه الخطوة إظهار قدرة الحكومة الإسرائيلية على التأثير في قرارات الكونغرس الأميركي، حتى عندما تتعارض مطالبها مع سياسة البيت الأبيض.
وبلغت الأزمة ذروتها في 12 أيلول 1991، عندما عقد جورج بوش الأب مؤتمراً صحافياً تحدّث فيه عن الضغوط التي يتعرّض لها في مواجهة حملة منظّمة يديرها شامير لدفع الكونغرس إلى إقرار ضمانات القروض التي عارضتها إدارته، في ظل استمرار سياسة الاستيطان الإسرائيلية.
واللافت أن إسحاق شامير خسر الانتخابات الإسرائيلية أمام إسحاق رابين في حزيران 1992، بعدما تحولت أزمة العلاقات مع واشنطن إلى إحدى قضايا المنافسة الانتخابية، وسط اتهامات من محيط شامير بأن الإدارة الأميركية كانت تسعى إلى مساعدة رابين على الوصول إلى السلطة.
لكن المفارقة أن جورج بوش الأب خسر بدوره الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني من العام نفسه أمام بيل كلينتون. وقد ربط جيه جيه غولدبرغ، في كتابه "القوة اليهودية"، بين المواجهة التي خاضها بوش مع جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل وإضعاف موقعه الانتخابي.
وهكذا شكّل عام 1992 محطة بارزة في تاريخ العلاقة بين البلدين، بعدما أصبحت الانتخابات لدى كل طرف ساحة لتجاذبات سياسية ارتبطت بالطرف الآخر.
وبعد سنوات قليلة، وتحديداً في الانتخابات الإسرائيلية عام 1996، عمل الرئيس الأميركي بيل كلينتون على تعزيز موقع شمعون بيريز في مواجهة بنيامين نتنياهو. وقد وضعت تقارير إعلامية عقد قمة شرم الشيخ والزيارة الرئاسية الأميركية إلى إسرائيل في سياق تقديم دعم سياسي لبيريز.
كما تناول الدبلوماسي الأميركي الأسبق آرون ديفيد ميلر هذه الوقائع في مقال نشرته صحيفة "لوس أنجلوس تايمز"، معتبراً أنها شكّلت محاولة للتأثير في المشهد الانتخابي الإسرائيلي.
واللافت أيضاً أن نتنياهو نفسه انتقد آنذاك توظيف بيريز علاقته بواشنطن في حملته الانتخابية، وفق ما أوردته صحيفة "واشنطن بوست" في تقرير نشرته في أيار 1996.
أما بعد هجمات 11 أيلول 2001، فقد دخلت العلاقة الأميركية - الإسرائيلية مرحلة جديدة، إذ منح التقارب بين إدارة جورج بوش الابن والمحافظين الجدد زخماً إضافياً للشراكة بين البلدين، إلى حد أن تل أبيب صارت تعتبر واشنطن جزءاً مما تصفه بحربها ضد الإرهاب. وبرز في هذه المرحلة بُعد شخصي لافت في العلاقة، تمثّل في قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون على التأثير لدى الرئيس الأميركي جورج بوش الابن.
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية عن برنت سكوكروفت، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في أكثر من إدارة أميركية، قوله إن "بوش الابن مسحور بشارون، الذي يلفّه حول إصبعه الأصغر". وأضاف، وفق ما نقلته الصحيفة، أنه كلما ردّت إسرائيل بعملية عسكرية واسعة على هجوم فلسطيني، كان بوش يتصل بشارون، فيقول له الأخير إن إسرائيل جزء من الحرب على الإرهاب، فيجيبه بوش: "نعم".
ولم يغب الحديث عن التأثير الشخصي لرئيس وزراء إسرائيلي في رئيس أميركي مع انتهاء عهد بوش الابن، بل عاد إلى الواجهة بقوة مع دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو. فقد تكاثرت التقارير التي تناولت دور نتنياهو في دفع الإدارة الأميركية نحو الحرب على إيران، ومدى قدرته على التأثير في حسابات ترامب وقراراته.
وفي هذا السياق، جاء كتاب "تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترامب"، الصادر في حزيران 2026 للصحافيين في "نيويورك تايمز" ماغي هابرمان وجوناثان سوان، ليقدّم، استناداً إلى مقابلات ومعلومات عن اجتماعات داخل البيت الأبيض، رواية عن حجم التأثير الذي مارسه نتنياهو في النقاشات المتعلقة بقرار أميركي مصيري، وعن دوره في إقناع ترامب بخيار الحرب ضد إيران.
هذه الأحداث لا يمكن فصلها عن المسار الذي انتهجه نتنياهو منذ عام 2012، عندما تجاوز، بصورة علنية، أحد أبرز الضوابط التي حكمت تاريخياً العلاقة الإسرائيلية بواشنطن، والمتمثل في الحرص على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وتجنّب التدخل المباشر في المنافسة الانتخابية الأميركية.
ففي الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2012، دخل نتنياهو المشهد الانتخابي بصورة غير مسبوقة في وضوحها، داعماً للمرشح الجمهوري ميت رومني ضد باراك أوباما. واستكمل نتنياهو هذا المسار في آذار 2015، عندما ألقى خطاباً أمام الكونغرس الأميركي لمعارضة الاتفاق النووي المرتقب مع إيران، من دون التنسيق المعتاد مع البيت الأبيض.
هذا الخطاب جاء قبل نحو أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية، وأثار اعتراضات واسعة في أوساط الحزب الديمقراطي، فيما امتنع أوباما عن لقاء نتنياهو خلال زيارته إلى واشنطن، تفادياً لظهور الإدارة الأميركية بمظهر المتدخل في الانتخابات الإسرائيلية.
وفي المقابل، تصاعد الحديث عن مساعٍ أميركية لإسقاط نتنياهو في تلك الانتخابات، وتوجهت الاتهامات خصوصاً إلى منظمة "OneVoice"، التي قيل إنها استفادت من دعم أميركي في أنشطة استُخدمت لاحقاً ضمن حملة انتخابية مناهضة لنتنياهو.
وقد شكّلت لجنة فرعية في مجلس الشيوخ الأميركي، بمشاركة من الحزبين، تحقيقاً في هذه القضية، وأصدرت عام 2016 تقريراً خلص إلى أن منظمة "OneVoice" تلقّت بالفعل نحو 349 ألف دولار من وزارة الخارجية الأميركية لدعم أنشطة مرتبطة بجهود السلام.
وأظهر التقرير أن البنية التنظيمية وقواعد البيانات وشبكة الناشطين التي تطورت بفضل هذا التمويل استُخدمت لاحقاً لدعم حملة "V15" المناهضة لنتنياهو. إلا أن التحقيق لم يجد دليلاً على إنفاق أموال المنحة الأميركية مباشرة للتأثير في انتخابات عام 2015، ولم يثبت ارتكاب إدارة أوباما مخالفة في هذا الإطار. ومع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تراجعت بصورة متزايدة التحفظات التقليدية التي كانت تحكم إعلان المواقف الأميركية من المنافسة الانتخابية الإسرائيلية. وبعد مرحلة امتنع فيها ترامب عن تقديم تأييد انتخابي صريح لنتنياهو، عاد في 18 تشرين الأول الجاري ليعلن موقفاً مباشراً دعماً له، في خطوة تعكس مستوى جديداً من العلنية في التدخل الأميركي في المشهد السياسي الإسرائيلي.
ويأتي هذا التطور في لحظة تشهد فيها العلاقة بين البلدين تحولات لافتة. فإلى جانب التغير الكبير في اتجاهات قطاعات من الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل، وتصاعد التيارات الداعمة للقضية الفلسطينية في الولايات المتحدة والغرب، ارتفعت أصوات أميركية تحذّر من تأثير جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في توجيه السياسة الأميركية نحو خيارات قد تتعارض مع المصالح الوطنية للولايات المتحدة.
كما برز، في سياق الحملات المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس، جدل متزايد حول الدور الانتخابي للجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية "أيباك"، بعدما بات دعمها لبعض المرشحين موضع انتقاد سياسي، بل ومصدر حرج وعبء انتخابيين في بعض الدوائر.
وفي ظل هذا التراكم من المؤشرات والتحولات، تتكاثر الأسئلة حول كيفية تلقّي الناخب الإسرائيلي جرعة الدعم السياسي التي قدّمها ترامب لنتنياهو، ومدى تأثيرها في مواقفه وخياراته، خاصة أن هذه المحطة قد تشكّل اختباراً جديداً لطبيعة العلاقة الاستثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وللقدرة على الحفاظ على قواعدها التقليدية في ظل التغيرات التي طرأت على المشهد السياسي الداخلي في كلا البلدين.