من الكعكة إلى الخوارزمية: مبارك للكتل السياسية تقاسم مستقبل العراق
من أين ستأتي الوزارة الجديدة بالمادة الخام التي يشتغل عليها الذكاء الاصطناعي، أعني البيانات الدقيقة الموثوقة، في بلد ما زال إحصاؤه السكاني موضع خلاف سياسي؟
-
العراق لا تنقصه وزارة جديدة!
هل رأيت يوماً رجلاً يُعلق ثريا من البلور الفاخر في بيت لم يرمم سقفه بعد، ولم تسدّ شقوق جدرانه، وما زال أهله يستقون الماء من مصدر بعيد، ويتلمّسون طريقهم في العتمة كلما انقطع التيار!
إنّ الناظر إلى مثل هذا المشهد لا يظنّ بصاحب الدار عاشقاً للجمال ولا مُتطلعاً إلى الرفعة، بل يُدرك أنّه يُريد للضيف أنْ يرى البريق قبل أنْ يرى الشقوق، وأنْ يشغله بالمتلألئ عن المتصدّع؛ وهذا بالضبط ما يجري عندنا هذه الأيام، حين تمخض جبل الأزمات المركّبة التي يعيشها العراق ليولد فأراً بشّر الشعب العراقي باستحداث مناصب جديدة ترضية لتحاصص الكتل السياسية والتصويت عليها نيابياً، وفي مقدمتها وزارة "الذكاء الاصطناعي سابقاً" التي سرعان ما ركبت صهوة الترند لتُجبر المُتحاصصين على تغيير المسمى إلى "وزارة الاقتصاد الرقمي والحوكمة"، وبغض النظر عن المُسمى والتخصص الذي لا يعني للكتل بحسب التجربة سوى تقاسم الكعكة في زمن هندسة التجويع.
على مستوى الصورة الكبرى، يعيش العالم منذ سنوات ثورة تقنية، يَصح أنْ تسمى عنوان عصر الذكاء الرقمي، دخلته البشرية مسرعة كما دخلت من قبل عصر الصناعة وقبله عصر التنوير، ففي الوقت الذي تتسابق فيه الأمم إلى مقاعدها الأمامية في هذا العصر، يمضي العراق في الاتجاه المعاكس إلى عصر غياب الكهرباء والمصانع والتنمية؛ وعملته الوطنية تسعُل وتتلوى من زكام سيطرة الدولار والفشل والفساد الذي أصابها على أيدي بعض من الساسة والمسؤولين الذين جمعوا الأخضر واليابس، ثم يطالبون الناس بشدّ الأحزمة على البطون، ويعرضون عليهم الكرامة بديلاً من الازدهار، والمعارك الوهمية بديلاً من التنمية.
تلك التنمية التي تتزاحم عليها ثورات الدول الصاعدة، كسنغافورة التي ترصد للذكاء الاصطناعي مبالغ ضخمة ضمن رؤية بعيدة المدى، والإمارات التي وضعت هذا القطاع في صلب خطتها الاقتصادية التي تتوقع التقديرات أنْ يُضيف إلى ناتجها المحلي قرابة 98 مليار دولار بحلول عام 2030. ونحن يا سيدي القارئ أنفقنا خلال عقدين من الزمن ما تُقدره بعض الأرقام مئات المليارات من الدولارات، ثم نظرنا إلى حصيلتها فوجدناها (راحة لزعماء كتل وسكينة لأصحاب نفوذ)، ورفعنا شعاراً غير معلن مفاده أنّه ليس في الإمكان أحسن مما كان، وأبدلنا صوت أهل العِلم والاختصاص بصخب "الفاشينستات والبلوغرية"، حتى كدنا نلتحق ببوركينا فاسو في قائمة الدول الفقيرة، على أمل أن ننتصر في الطريق على العدو بالشعارات والهتافات.
المفارقة في توقيت الصناعة والتوظيف؛ فنحن معاشر الكُتاب، ومثلنا العراقيون كلهم دُهشنا ونحن نقرأ نبأ ولادة وزارة جديدة، في وقت ما زلنا نعيش بدولة لم تنجح منذ عام 2003 في تأمين عام واحد متصل من الكهرباء، وتعجز عن إيصال ماء صالح للشرب إلى ملايين مواطنيها، وتستورد الطماطم والبصل من وراء الحدود، وتنتظر منحة مالية من رئيس الوزراء لتشتري أدوية لمستشفيات أنهكها الإهمال! وتُحصي في مدارسها ما يقارب مئتي مدرسة طينية بحسب بيانات وزارة التربية نفسها.
وللسؤال عن السبب جواب لا يحتاج إلى كثير من الذكاء السياسي، لا الاصطناعي ولا الطبيعي، وهو المحاصصة؛ فبدلاً من أنْ تُقلّص الوزارات ترشيداً للإنفاق وتخفيفاً للترهل، رأت القوى السياسية أنّ 23 وزارة لا تكفي لتقاسم الكعكة العراقية، ولا بأس أن تبلغ الثلاثين ما دام المواطن هو الذي يدفع ثمن الكعكة والوليمة.
أما على مستوى المعايير وقياس الأثر، فتقاس معالم التقدم في الأمم بجودة تعليمها وازدهار صناعتها ووفرة زراعتها واحترامها للثقافة والفنون والمبدعين والمتخصصين، في استراتيجية تُفضي في النهاية إلى حياة كريمة للإنسان؛ أما الطرق في بلادنا فمرسومة بدقة لتفضي جميعها إلى مصالح الأحزاب.
وقد يتوهم بعضهم أنني أقف ضد التقدم أو أضيق بالتقنية، ومعاذ الله أن أكون كذلك، فأنا أُحذر قبل أيّ شيء من الضحك على المواطن البسيط، ومن إلباس الخيبة والفشل في إدارة الدولة ثوب الإنجاز، ومن أنْ تُستبدل أولويات الشعب الذي أنهكه الانتظار بمفردات رنانة لا يملك مفاتيحها.
وفي سياق السيرة العملية للوزير الذي باركه الترند قبل الثقة النيابية، يتعين أن نتحرى الإنصاف فلا نحاكم شخصاً بما لا نملك عليه دليلاً، لكن الوقائع المُعلنة تقول إنّه استوزر من قبل وزارات الصناعة، الإسكان، البلديات، وهيئة التصنيع العسكري، وخرج من كلّ واحد منها من دون أن يشعر المواطن العراقي بتغيير ملموس في حياته؛ فلا الصناعة نهضت، ولا الإسكان تعمر، وما زلنا نستجدي السلاح من هذا الطرف وذاك، ومحافظاتنا تشكو الإهمال كما كانت من قبل، ومن الظلم أن نُحمّل الرجل وحده وزر منظومة كاملة، فالمشكلة ليست في اسم بعينه، بل في آلية تدوير المقاعد بين الوجوه نفسها بحسب الاستحقاق الحزبي لا بحسب الكفاية، وهي آلية لو وضعت على رأسها أعظم حقيبة علمية في العالم لأنتجت ما أنتجته الحقائب التي سبقتها.
ثمة سؤال مؤسساتي لا ينبغي أنْ يغيب عن النقاش العام، وهو: ما الذي ستضيفه وزارة جديدة إلى كيانات قائمة بالفعل؟ فقد أعلنت الحكومة السابقة خلال العامين الماضيين مجموعة من الأطر الرسمية في هذا الميدان، منها لجنة عليا للذكاء الاصطناعي ترأسها رئيس الوزراء بنفسه، واستراتيجية وطنية للذكاء الاصطناعي وتكامل البيانات الضخمة، ومكتب في رئاسة الوزراء يُعنى بالشؤون العلمية والأكاديمية والذكاء الاصطناعي، ومركز للتحول الرقمي والأتمتة في وزارة التعليم العالي، ومقترحات لإدخال مفاهيم هذه التقنية في المناهج الدراسية، فضلاً عن انضمام العراق إلى منظمة التعاون الرقمي؛ وهذه الأطر كلها تحتاج إلى من يحسم تداخل صلاحياتها، لا إلى كيان يُضاف فوقها وتتزاحم معها وزارات الاتصالات والتعليم العالي والتخطيط، ثم يتحول إلى ساحة جديدة لتنازع الاختصاص بدل أنْ يكون جسراً إلى الكفاية.
ولا أنكر هنا أنّ الفكرة في ذاتها ليست سيئة على الإطلاق، فقد طرح مراكز بحثية عراقية من قبل مقترحات بإنشاء وزارة أو هيئة مستقلة للذكاء الاصطناعي، تتولى ما يتصل بالأتمتة ورقمنة العمل وحماية أمن البلد المعلوماتي والكاتب في ركب هؤلاء المنادين في سطور لعدّة مقالات موجودة على موقع الميادين نت، وهو طرح له وجاهته؛ لكنني أُنبه إلى أنّ الخيار الثاني من المقترح، أي الهيئة المستقلة، هو الأقرب إلى منطق التقنية التي تحتاج إلى استقرار مهني طويل لا يتبدل بتبدل الحكومات ولا تهزه رياح التوافقات، بينما وزارة الدولة بطبيعتها السياسية عرضة لأن تتحول إلى حصة تقسم مع بقية الحصص، فيتغير وزيرها كلما تغير ميزان القوى، وتتغير معه خطتها وملاكاتها وأولوياتها.
وعلى مستوى الشروط الموضوعية، لا بد من الذكر أنّ الذكاء الاصطناعي ليس عصا سحرية تهوي على الإدارة فتصلحها، بل هو منظومة تستهلك كهرباء مستقرة وشبكات اتصال قوية وبيانات نظيفة ومؤتمتة وملاكات مدربة وتشريعات تحمي الخصوصية وتحاسب على سوء الاستخدام. وإذا نظرنا إلى حالنا، لوجدنا شبكة كهربائية تتعثر كل صيف، وإنترنت بطيئاً ومكلفاً قياساً بجيراننا، ودوائر ما زالت تدير معاملاتها بالأضابير الورقية والأختام، وبيئة تشريعية ما زالت على حدّ علمي بعيدة عن ملامسة احتياجات الشعب فيما يخص حماية البيانات الشخصية للمواطنين.
فمن أين ستأتي الوزارة الجديدة بالمادة الخام التي يشتغل عليها الذكاء الاصطناعي، أعني البيانات الدقيقة الموثوقة، في بلد ما زال إحصاؤه السكاني موضع خلاف سياسي، وسجلاته موزعة بين جهات لا تثق ببعضها؟
ولا يفوت القارئ الحصيف أن يتأمل الخطر الأعمق، وهو أنّ الخوارزمية لا تُنزه من يدربها ولا تطهر من يتحكم في بياناتها؛ فإذا وقعت منظومة الأتمتة بيد جهة تتعامل مع المناقصات بمنطق الحصص، فسوف تؤتمت المحاصصة نفسها ويصبح الفساد أسرع وأدقّ وأكثر قابلية للتبرير بلغة الأرقام، وإذا استخدمت تقنيات التحليل والتعرف في خدمة الرقابة على المواطنين لا في خدمة الرقابة على المسؤولين؛ انقلبت من أداة تمكين إلى أداة وصاية.
وفي المقابل؛ فإنّ هذه التقنية نفسها حين تجد بيئة نزيهة ومنظمة قادرة على أنْ تكشف تضخّم العقود واستغلال المال العام وهدر المياه وسرقة الطاقة، وتختصر على المواطن طوابير المراجعات وتسهّل عليه معاملاته؛ ولهذا فإنني أرى أنّ المعركة ليست مع التقنية بل مع البيئة التي ستعمل فيها.
وفي ما يخص الدول النموذجية في هذا المجال، فلا أريد أن أخاطبها بلغة الشكوى بل بلغة الشراكة المحسوبة؛ فبعض تلك الدول أثبتت أن الاستثمار في هذا القطاع ينجح حين يقترن بالاستقرار المؤسساتي والبنية التحتية والاستراتيجية الواضحة، لكنّها في الوقت نفسه تذكرنا أنّ الدول المحيطة بنا بمجملها ما زالت مُستهلكة للنماذج والأنظمة أكثر منها منتجة لها، وأنّ اللغة العربية بما تحمله من ثراء ما زالت تعاني ضعفاً في حضورها داخل النماذج الذكية، وهل للعراق ما يقدمه إنْ أحسن التقدير في هذا المضمار؟ فهو بلد شاب تغلب على سكانه نسبة الأعمار الفتية، وفيه جامعات ومعاهد وتراث معرفي عريق يعود إلى "بيت الحكمة"، ومن العدل أنْ تنفتح عليه المبادرات الإقليمية للتدريب وبناء قواعد البيانات الضخمة وتبادل الخبرات، بشرط ألا يتحول إلى سوق جديدة تستورد أنظمة جاهزة، ولا إلى حقل تجارب لأطراف تبحث عن بيانات مجانية.
وأما الرياديون الدوليون في هذا المجال، فمن المفيد لهم أن يروا في التجربة العراقية مثالاً على أن الحوكمة سابقة للتقنية لا لاحقة بها، وأنّ أي دعم دولي لا يقترن بشروط الشفافية والمساءلة سيذهب في الغالب إلى جيوب من يُجيدون الاستفادة من الغموض وبالمحصلة ستُفتح باب جديدة لـ(الفساد).
على مستوى الميدان، فإن الحلبة الحقيقية التي سيواجه فيها الفشل الإداري أي وزارة جديدة هي "الموظف" أو "المواطن" نفسه؛ فهو الذي سيقيس النجاح بالزمن الذي يستغرقه استخراج وثيقة، وبانقطاع الكهرباء أثناء الدوام الرسمي، وبقدرة ابنه الخريج على إيجاد عمل، وبإحساسه أن مناقصة ما لم تذهب إلى قريب نافذ، ولن يقنعه بيان صحافي ولا مؤتمر ولا شريط افتتاح.
ومن هنا أرى أنّ الاختبار الأمثل لجدية الدولة يبدأ بتطبيقات صغيرة قابلة للقياس، كرصد الفاقد من شبكات المياه، وكشف التجاوزات على الكهرباء، ومراقبة العقود والمناقصات إلكترونياً، وتنظيم السجلات الصحية، وتبسيط الخدمات الحكومية الأكثر طلباً؛ تنجز وتنشر نتائجها للجمهور، ثم يُبنى عليها بحسب ما تحققه، لا أن تعلن الوزارة أولاً، ثم يبحث لها عن عمل.
ولو كان لا بدّ من إنشاء جهة وطنية خاصة بهذا الملف، وهو ما لا أجزم بنفيه، فإنني أحذّر من أن تُولد عاجزة ما لم تحط بجملة ضمانات:
أولها: قانون صريح يحدد اختصاصاتها ويفصلها عن تداخل الجهات الأخرى.
ثانيها: اختيار موظفيها بالمفاضلة العلنية على أساس الخبرة والإنجاز لا بالتوافق السياسي.
ثالثها: رقابة برلمانية وإعلامية دورية مع تقرير سنوي معلن بمؤشرات أداء واضحة.
رابعها: نصّ قاطع يمنع استخدام هذه التقنيات في التضييق على الحريات أو التجسس على الناس.
خامسها: دمج أو إلغاء جهة قائمة مقابل كل جهة تستحدث، حتى لا يتحول الإصلاح إلى توسيع جديد للجهاز الإداري المثقل أصلاً.
ومن غير ذلك لن تكون الوزارة سوى كرسي إضافي في مجلس الوزراء، ومنصب جديد في سوق التوافقات والتحاصص، وعنوان جذّاب يلتقطه الإعلام لأسبوع ثم يطويه النسيان.
ولا أخفي أنني أكتب هذا وفي القلب أمل بأن تُخطئ توقعاتي، وأنْ تفاجئنا الحكومة بأن تتصرف على غير المألوف، فتختار القدرة على الإنجاز وتقدم المصلحة العامة على المحاصصة، وتبدأ ببناء الأساس قبل أنْ تُعلق الثريا؛ فالدولة التي تُدرك أنّ حاجة مواطنيها إلى الماء والكهرباء والتعليم والدواء والعيش الكريم ليست نقيضاً للتحول الرقمي، بل شرطه الأول؛ قادرة على أنْ تجمع بين الحاضر والمستقبل في خطة واحدة متدرجة من دون أنْ تخدع أحداً، ومن دون أنْ تُضحي بأحد.
وفي خاتمة الكلمات المفتاحية بالفضاء الخوارزمي أقول: إنّ العراق لا تنقصه وزارة جديدة بقدر ما ينقصه أنْ تستعيد وزاراته القائمة معنى "الاستيزار"، وأنّ الذكاء الاصطناعي والرقمنة والحوكمة مهما بلغت قدراتها لا تُعوض غياب الإرادة، ولا يُصلح ما أفسدته المحاصصة ولا يعمل في بيئة تضيق بالشفافية؛ وأنّ المواطن الذي ينتظر منذ عقدين من يُضيء بيته وينقذ مدرسة أولاده من الطين لن يصفّق لوزارة تحمل اسماً لامعاً ما دام لا يرى أثرها على مائدته وفي مدرسته ومستشفاه.
ولأصحاب الكعكة الخوارزمية أقول: إنّ الأسماء لا تغني عن المسميات، وإن التقنيات تحمل مصير أهلها بقدر ما يحمل أهلها مصيرها نحو البيانات الضخمة، ولئن أردتم للمستقبل أنْ يدخل هذه البلد فابدأوا بإصلاح ما بأنفسكم وكتلكم والمؤسسات من خلاف، قبل أن تجعلوا فشلكم في النجاح مادةً تُضحك الذكاء الاصطناعي فيقتل نفسه بفيروس ذكائكم.