من الحصار إلى الحرب: كيف تخرق سياسات ترامب ضدّ فنزويلا القانون الدولي؟

ما يحاول أن يقوم به الأميركيون في فنزويلا هو تشديد الخناق على الاقتصاد الفنزويلي وتحريض الشعب على حكومته، تمهيداً لإسقاط نظام مادورو وهو عودة إلى تغيير الأنظمة بالقوة.

0:00
  • إعلان ترامب فرض
    إعلان ترامب فرض "حصارٍ كامل وشامل" على فنزويلا يشكّل تصعيداً حاسماً.

تصاعدَ التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا مع تهديدات متكرّرة من الرئيس دونالد ترامب باستخدام القوة العسكرية، بالتزامن مع تشديد الضغوط الاقتصادية وفرض حصار على صادرات النفط. وكان ترامب قال، إنّ على فنزويلا إعادة "النفط والأراضي وغيرها من الأصول التي سرقوها منا سابقاً" إلى الولايات المتحدة. 

وفي تحليل للقضايا القانونية العالقة والحصار، يمكن أن نفنّد التطوّرات بحسب القانون الدولي كما يلي:

فرض الحصار

إنّ إعلان ترامب فرض "حصارٍ كامل وشامل" على فنزويلا يشكّل تصعيداً حاسماً من الإكراه الاقتصادي إلى الحرب. يبرّر ترامب فرض الحصار على فنزويلا بأنه إجراء لحماية الأمن القومي الأميركي، عبر مكافحة تهريب المخدرات وتمويل ما يصفه بـ "الإرهاب"، ومنع استخدام عائدات النفط في أنشطة إجرامية.

مع العلم، أنه وبموجب قرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة رقم 3314 (1974) فإنّ "حصار موانئ أو سواحل دولة ما بواسطة القوات المسلحة لدولة أخرى" يُعدّ عملاً من أعمال العدوان.

في موضوع "النفط والأصول" التي يقول ترامب إنها مسروقة من الأميركيين

خلال عهد الرئيس الراحل هوغو تشافيز، ثمّ في عهد خلفه نيكولاس مادورو، قامت فنزويلا بتأميم قطاع النفط وتعزيز سيطرة الدولة على الموارد الطبيعية. وفي هذا السياق، أقدمت الحكومة الفنزويلية على مصادرة أو إعادة هيكلة استثمارات شركات نفطية كبرى، من بينها شركتا ExxonMobil وConocoPhillips الأميركيتان.

هذه الإجراءات دفعت الشركات المتضرّرة إلى اللجوء إلى التحكيم الدولي، ولا سيما عبر المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID)، حيث صدرت بالفعل أحكام تُلزم فنزويلا بدفع تعويضات بمليارات الدولارات لصالح تلك الشركات، اعتبرتها فنزويلا غير منصفة، وأنها تجاوزت مبدأ التعويض العادل، وأدّت لاحقاً إلى انسحابها من اتفاقية واشنطن (آلية التسويات).

وبالرغم من ذلك، دفعت فنزويلا جزءاً من التعويضات التي حُكم بها لصالح شركات النفط لكنها لم تسدّد كامل المبالغ، بسبب العقوبات الأميركية والأزمة الاقتصادية التي تسبّبت بها، والخلاف على قيمة التعويض، وقيام الشركات بالحجز على أصول وشحنات نفط فنزويلية كوسيلة تنفيذ قانوني.

يستند ترامب إلى هذه الرواية لتبرير مصادرة شحنات نفط فنزويلية أو "الاحتفاظ بالنفط" باعتباره وسيلة لسداد ما يراه ديوناً مستحقّة على فنزويلا. قانونياً، يعتمد ادّعاء إدارة ترامب بأنها "تحتفظ" بالنفط لتسوية أحكام تحكيم غير مدفوعة على مبدأ التدابير المضادّة.

لكن، بخصوص التدابير المضادّة، فقد نصّت مسوّدة موادّ لجنة القانون الدولي بشأن مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً" (2001)، وتحديداً المادة 50 على حظر صريح لمبدأ استخدام القوة أو التهديد بها كجزء من التدابير المضادة. وهذا يعني أنّ التدابير التي اتخذتها إدارة ترامب تعتبر خرقاً للقانون الدولي الحديث، إذ إنّ القضية تتعلّق بنزاع استثماري دولي يُحلّ عادة عبر التحكيم والتعويضات، لا باستخدام القوة أو الإجراءات العسكرية أو الحصار.

أما المادة 110 من اتفاقية قانون البحار، فتتيح للسفن الحربية صعود السفن الأجنبية إذا وُجد اشتباه بالقرصنة أو بانعدام الجنسية، لكنها لا تمنح الحقّ في مصادرة الحمولة بغرض سداد الديون.

تصنيف حكومة فنزويلا كـ "منظّمة إرهابية أجنبية"

يصنّف ترامب الحكومة الفنزويلية كمنظّمة "إرهابية"، ويقول إنّ حكومة مادورو متورّطة في تهريب المخدرات وغسل الأموال ودعم جماعات إجرامية، وإنّ الدولة نفسها تحوّلت إلى "كارتل". 

يحمل هذا التصنيف أثراً قانونياً كبيراً في نطاق الولايات المتحدة فقط؛ إذ يفعّل منظومة القوانين الأميركية الداخلية لمكافحة الإرهاب، ويمنح الإدارة صلاحيات واسعة لتجميد الأصول، ومصادرتها، وتجريم أيّ تعامل مالي معها، وتشديد العقوبات لكنها تظلّ أداة غير معترف بها دولياً ولا تمنح شرعيّة قانونية دولية للحصار أو لأيّ عمل عسكري ضدّ فنزويلا.

من منظور القانون الدولي، إنّ تصنيف حكومة فنزويلا كـ "منظّمة إرهابية أجنبية" لا يستند إلى أيّ أساس قانوني، ولا توجد معاهدة أو قاعدة عرفيّة حتى، تتيح لدولة ما مصادرة الأصول السيادية لدولة أخرى لمجرّد تصنيفها أحادياً كـ "إرهابية"، مع العلم أنّ هذا التصنيف "يخرق مبدأ المساواة في السيادة" الذي ينصّ عليه ميثاق الأمم المتحدة.

ولا يجيز القانون الدولي لدولة ما أن تُصنّف دولةً ذات سيادة أو حكومتها كتنظيم إرهابي، ولا يترتّب على مثل هذا التصنيف إسقاط السيادة أو الحصانة القانونية للدولة المعنية، ولا يبرّر استخدام القوة أو فرض حصار من دون تفويض من مجلس الأمن أو توافر "حالة دفاع عن النفس ضدّ هجوم مسلّح وشيك". 

موضوع الدفاع عن النفس ضدّ هجوم وشيك / إرهابي

من ضمن استخدام "الإرهاب" كذريعة قد يحاول ترامب استخدام قوانين الإرهاب لتبرير تدخّلات عسكرية ضدّ فنزويلا.

في القانون الدولي، تُعدّ قضية كارولاين "المعيار الذهبي" لتحديد متى يجوز للدولة استخدام القوة بصورة استباقية (أي قبل أن تتعرّض لهجوم). أرست تلك القضية مبدأً مفاده أنّ الدفاع عن النفس ليس تفويضاً مفتوحاً، بل مخرجاً ضيّقاً يُلجأ إليه فقط في حالات الطوارئ القصوى.

يعود تحديد شروط "شرعيّة الاستباق" في القانون الدولي إلى حادثة كارولاين عام 1837، حين قامت قوات بريطانية بالتوغّل داخل الأراضي الأميركية وتدمير سفينة كانت تُستخدم لدعم متمرّدين كنديين، مبرّرة ذلك بالدفاع عن النفس. ردّ وزير الخارجية الأميركي آنذاك، دانيال ويبستر، بصيغة أصبحت مرجعاً قانونياً دولياً، مؤكّداً أنّ شرعيّة الضربة الاستباقية لا تقوم إلّا إذا كان "التهديد فورياً وطاغياً، ولا يترك أيّ بدائل سلميّة أو وقتاً للتفكير، وبشرط التناسب في الردّ". ومنذ ذلك الحين، شكّلت هذه الصيغة الأساس الذي يقيّد استخدام القوة قبل وقوع الهجوم في القانون الدولي.

إنّ ما يقوم به الرئيس ترامب لا يمكن أن يعتبر دفاعاً استباقياً (وهو جائز قانوناً بشروط صارمة)، بل هو حرب وقائية تشبه حرب الرئيس جورج بوش على العراق (وهي محظورة بموجب ميثاق الأمم المتحدة).

في النتيجة، يبدو أنّ ما يحاول أن يقوم به الأميركيون في فنزويلا، هو تشديد الخناق على الاقتصاد الفنزويلي وتحريض الشعب على حكومته، تمهيداً لإسقاط نظام مادورو، وهو عودة إلى تغيير الأنظمة بالقوة التي كان كلّ من دونالد ترامب وجو بايدن قد اعترفا بأنها سياسة أميركية خاطئة.