مشروع التهجير: وقاحة بلا حدود
الغزيون يعيشون على ركام بيوتهم ويصرّحون لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أنهم يفضّلون الموت أفراداً أو جماعات على التخلي عن أرضهم وركام بيوتهم.
-
تنفّذ قطعان المستوطنين المسلحة خطة تهجير منظمة واسعة النطاق في الضفة الغربية.
لم يمضِ طويل وقت على تعيين مستشار الأمن القومي الصهيوني شموئيل بن عزرا في منصبه حتى عقد اجتماعاً لبحث تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة. فهو كما يقول أهل الشام"ما صاروا في القصر إلا من امبارح العصر".
أما قادة أجهزته الأمنية الشاباك والموساد فأوضحا لجناب المستشار أنه لا توجد دول توافق على استقبال سكان القطاع.
هذا العزرا ذو الأصل المغربي الذي جاء خلفاً لتساحي هنغبي يرى في المواطن الفلسطيني أباً عن جدّ وصاحب الأرض منذ مئات وآلاف السنين، شيئاً زائداً عن حاجة الكيان لا بدّ من التخلّص منه بأيّ شكل من الأشكال. هذا عن قطاع غزة، والوضع ليس مختلفاً في الضفة الغربية.
إذ تنفّذ قطعان المستوطنين المسلحة خطة تهجير منظّمة واسعة النطاق في الضفة الغربية، مدعومة بغطاء عسكري مباشر وحماية من "جيش" الاحتلال وحكومته، حيث تحوّلت الانتهاكات من اعتداءات فردية إلى نهج ممأسس يسجّل ما بين 500 إلى 600 اعتداء شهرياً.
وتستهدف هذه الاعتدءات المتصاعدة المواطنين الفلسطينيين في أراضيهم، ومزارعهم، ومنازلهم، ومركباتهم، ومراعيهم ومياههم وأعلي الجبال والوديان وتركيب عشرات البوابات في مداخل القرى المستهدفة. ويجري هذا كلّه بمشاركة فعلية من "جيش" الاحتلال الذي يساهم في إطلاق النار والاعتقالات لتوفير بيئة طاردة للفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل.
ويسابق المستوطنون الزمن عبر المصادرة الواسعة للأراضي وتوسيع البؤر الاستيطانية لفرض واقع جديد على الأرض، وسط تحذيرات ومؤشرات قوية على أنّ الأيام المقبلة قد تشهد تصعيداً أكبر وأشدّ خطورة لفرض السيطرة الكاملة على أراضي الضفة الغربية.
وتتسع رقعة الاعتداءات لتصل إلى اقتحام "الجيش" والمستوطنين عشرات المواقع في اللحظة ذاتها.
بغضّ النظر عن المواقف الرسمية لمنظمة التحرير والدول العربية الرافضة لفكرة الهجرة طوعية كانت أم قسرية، فإنّ الأصل هو تمسّك أهل الأرض بأرضهم لو على رماد ودمار بيوتهم.
فقد تساوت أعداد المغادرين لقطاع غزة في فترة قريبة جداً بأعداد القادمين إليها، علماً أنّ المغادرين لا يغادرون من أجل الهجرة بقدر ما يغادرون ومعهم مرافقوهم من أجل تلقّي العلاج في الخارج، ذلك لاستحالة العلاج في قطاع غزة نظراً للدمار الذي طال المشافي والمؤسسات الصحية في قطاع غزة منذ بدء الحرب الأخيرة وحتى اللحظة الراهنة. إذ لم يتوقّف إطلاق النار رغم الاتفاق الموقّع. ويستنزف قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار بمعدل عشرة شهداء يومياً وعشرات الجرحى، ناهيك عن حالة الجوع والعطش التي يعيشها القطاع.
وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية، فإنّ قطاع غزة يمرّ بمرحلة حرجة ويعيش "مجاعة صامتة" من جرّاء التراجع الحادّ والخطير في تدفّق المساعدات الإنسانية، حيث لم تتجاوز نسبة الالتزام بإدخال البضائع والمساعدات حاجز الـ 30% من الاحتياج الفعلي، مما يهدّد بانهيار المنظومة الإنسانية بالكامل.
وأكّدت المصادر أنّ ما دخل القطاع منذ بداية عام 2026 حتى نهاية حزيران/مايو بلغ 14,242 شاحنة فقط، مقارنة بنحو 45 ألف شاحنة كان من المفترض دخولها لتلبية الاحتياجات الأساسية، في حين تفاقمت الأزمة خلال الأيام الخمسة الأولى من شهر حزيران/يونيو الجاري بدخول 26 شاحنة فقط، مع توقّف كامل للإمدادات خلال أيام عيد الأضحى. هذا وتتجلّى مؤشرات المجاعة بوضوح في القطاع من خلال طوابير الخبز والمياه الطويلة، وتوقّف العديد من التكايا والمطابخ المجتمعية عن العمل، مما دفع وزارة التنمية الاجتماعية لمطالبة المجتمع الدولي بتدخّل عاجل وسريع لضمان تدفّق المساعدات وإنقاذ غزة من الانهيار الإنساني الوشيك.
ورغم كلّ ذلك ترينا الشاشات الصغيرة والكبيرة وكلّ وسائل الإعلام غزيين يعيشون على ركام بيوتهم ويصرّحون لوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أنهم يفضّلون الموت أفراداً أو جماعات على التخلّي عن أرضهم وركام بيوتهم..
وترينا أيضاً المواجهات اليومية مع المستوطنين وجنود الاحتلال القائمين على حماية المستوطنين وأمنهم في قرى الضفة الغربية ومدنها ومخيماتها وتجمّعاتها السكانية المختلفة وكيف يعتدي المستوطنون على أصحاب الأرض الحقيقيين لتطردهم من أرضهم بالقوة وبوحشية وتقيم في أماكنهم كرفانات كنواة لمستوطنات.
ويأتي المستوطنون بأبقارهم وأغنامهم وملابسهم، بنادقهم وعصيهم، بسوالفهم وشعورهم الطويلة بغية أن يصبحوا هم البدائل لأهل الأرض ويزرعوها. ولا يسلم من حقدهم فلسطينيو الداخل المحتل عام 1948. فها هو بن غفير اليوم يتبجّح بكلّ الحقد الذي يحمله مصرّحاً وبكلّ وقاحة: خلال السنة الأخيرة هدمنا 7500 بيت في النقب وحده.
الأرض ترفضهم وليس أهلها فقط.
فالفلسطيني الذي جرّب الترحيل وعذاباته مرة ومرتين وثلاثاً وأكثر من ذلك على مدار ثمانية وسبعين عاماً وتركه الجميع لمواجهة أقداره وحيداً، لن تمرّ عليه خطط الترحيل والتهجير، أقبل أحد استقباله أم لم يقبل.. صراع تتوارثه الأجيال، وطفل الأمس قائد اليوم وطفل اليوم قائد الغد.
تلك حقيقة لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يتجاهلها طال الزمان أم قصر.