مساعي "إسرائيل" للتطبيع مع السعودية من بوابة الحرب في اليمن

القيادة السياسية الاسرائيلية الحالية لن تتمكّن من إحداث اختراق في مسار التطبيع مع السعودية في ضوء طبيعتها اليمينية الفاشية المتطرّفة، كما أنّ المملكة لن تتخلى عن سمعتها الدينية وثقلها السياسي العربي والإسلامي.

0:00
  • العلاقات الإسرائيلية السعودية واتفاقيات
    العلاقات الإسرائيلية السعودية واتفاقيات "أبراهام".

من الناحية الرسمية لا يوجد تطبيع للعلاقات بين السعودية و"إسرائيل"؛ فالسعودية لا تعترف بالأخيرة ولا توجد سفارات ولقاءات علنية، كما أنّ المملكة ملتزمة رسمياً بـالمبادرة العربية عام 2002 التي طرحها الملك عبد الله بن عبد العزيز، والتي تشترط التطبيع الكامل من كلّ الدول العربية مقابل انسحاب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة عام 67 وقيام دولة فلسطينية وعاصمتها شرقي القدس.

العلاقات الإسرائيلية السعودية واتفاقيات "أبراهام" 

كشفت العديد من المصادر والتقارير وجود علاقات واتصالات غير مباشرة بين الجانبين السعودي والإسرائيلي منذ سبعينيات القرن الماضي، تركّزت في البعدين الأمني والاستخباراتي، خاصة حول إيران، بيد أنّ العلاقات توسّعت منذ العام 2015 حتى عام 2023 ،تخلّلها سماح السعودية للطيران الإسرائيلي بأن يمرّ بأجوائها، وزيارات متبادلة لرجال أعمال، ولقاءات لمسؤولين سابقين.

وأشارت تقارير عن عقد لقاء بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مدينة نيوم عام 2020، وهو العام الذي شهد توقيع الإمارات والبحرين اتفاقيات "أبراهام"، وتجنّبت القيادة السعودية الانخراط في مسار التطبيع العلني بداعي وزنها الديني في العالم الإسلامي، وسعت لجني ثمن معقول يمكن تسويقه كي يوفّر لها الشرعية الداخلية والخارجية، قبل المضي في اتفاقيات التطبيع.

قبيل السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023 كادت أن تنضج صفقة التطبيع التي عكفت على إنجازها الإدارة الأميركية السابقة بقيادة جوزيف بايدن، وبدأت تتبلور مطالب السعودية والتي شملت عقد اتفاقية دفاع مشترك مع أميركا، والسماح ببرنامج نووي مدني سعودي مع تخصيب على أرضها، وشراء أسلحة متطوّرة، والبدء بمسار سياسي يفضي لقيام دولة فلسطينية، وبذلك تمّ استبعاد بند قيام دولة فلسطينية كشرط للتطبيع الكامل.

وعلى الرغم من التنازل السعودي عن ربط التطبيع بانسحاب "إسرائيل" من الأراضي المحتلة عام 67، تمسّكت الأخيرة بعدم الالتزام بمسار سياسي يؤدّي لقيام دولة فلسطينية، بيد أنّ واشنطن طرحت عدداً من المقترحات لتقليص الفجوات بين الجانبين، وكانت قاب قوسين أو أدنى من التوصّل إلى تفاهمات، بحسب تقارير مختلفة استندت إلى معلومات مصدرها مسؤولون في إدارة بايدن، بيد أنّ معركة طوفان الأقصى وحرب الإبادة الإسرائيلية على غزة جمّدت المسار .

التطبيع والصراع في اليمن والخليج

الصراع المتجدّد بين السعودية وأنصار الله في اليمن، وانعكاسات المعارك على ملفي أمن البحر الأحمر وباب المندب، لا تنحصر على منطقة الخليج وحسب، بل إنّ تأثيرها يمتد إلى بقية دول العالم، وتحظى التطورات باهتمام إسرائيلي، في ضوء المواجهة مع إيران والتصعيد في مضيق هرمز ، والتهديدات على منشآت ومسارات الطاقة. 

وعلى الرغم من أنّ التهديدين الأمني والاقتصادي على "إسرائيل" المرتبطين بحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب قائمان، والخشية من تعاظم النفوذ اليمني (أنصار الله) والإيراني، بيد أنّ "إسرائيل" ترى في الأزمة فرصة لتحويل "تقاطع المصالح " في مواجهة إيران وأنصار الله إلى مسار قد يدفع نحو التطبيع مع السعودية.

وكشف استطلاع للرأي العامّ الإسرائيلي نشرته صحيفة "معاريف" بتاريخ 18 أيلول/سبتمبر 2026 تأييد 54% من الإسرائيليين تقديم مساعدة إلى السعودية في مواجهتها مع اليمن، وربط 38% منهم هذه المساعدة بالتوصّل إلى اتفاق تطبيع بين البلدين، كما أيّد 16% تقديمها من دون مقابل سياسي فوري.

وتشير نتائج الاستطلاع أنّ الشارع الإسرائيلي مهتم برفع مستوى العلاقات مع السعودية وتوقيع اتفاقية تطبيع معها، وتقديم مساعدات عسكرية لها في الصراع في الخليج، بما يعتبر مصلحة إسرائيلية، مع ملاحظة أنّ استطلاعات رأي سابقة عكست رفض الغالبية الإسرائيلية ربط التطبيع بقيام دولة فلسطينية.

على الجانب الأميركي، ترى إدارة الرئيس دونالد ترامب أنّ الضغوط التي تتعرّض لها السعودية في منطقة الخليج عموماً وفي الصراع في اليمن على وجه الخصوص، فرصة لدفع القيادة السعودية نحو التوصّل إلى اتفاق مع "إسرائيل" بشروط تخدم واشنطن و"تل أبيب"، في ضوء الرفض الأميركي للتدخّل المباشر في الصراع في اليمن، الأمر الذي يرفع مستوى الضغط الاقتصادي والأمني على الرياض، ولا سيما بعد التحوّل الذي طرأ على أهمية باب المندب بالنسبة إلى السعودية.

فقد أشارت تقارير بأنّ نحو 92% من صادرات النفط البحرية السعودية في حزيران/يونيو 2026 مرّت عبر ينبع، بعد ارتفاع حجم الصادرات من هذا المسار من نحو 763 ألف برميل يومياً قبل الأزمة إلى نحو 3.8 ملايين برميل يومياً؛ فبسبب تراجع قدرة السعودية على الاعتماد على مضيق هرمز زادت أهمية البحر الأحمر، الأمر الذي زاد من مستوى المخاوف السعودية من سيطرة أنصار الله على مضيق باب المندب، ما يعتبر تهديداً مباشراً لأحد أهم مسارات تصدير النفط السعودي، الأمر الذي دفع القيادة السعودية للبحث عن خيارات تعزّز قدراتها العسكرية وتحسّن قوة الردع لديها، على غرار إبرام اتفاقية الدفاع المشترك مع تركيا وباكستان.

حسم ملف التطبيع بعد الانتخابات الإسرائيلية

تقرأ "إسرائيل" الخطوات السعودية ومساعيها نحو تنويع ركائزها الأمنية من خلال تعزيز العلاقة مع الولايات المتحدة وتوسيع التعاون مع باكستان وتركيا وأطر أمنية إقليمية أخرى، منها "إسرائيل"، وتسعى الأخيرة لاقتناص الفرص عبر ربط تعاونها العسكري بمسار التطبيع، كما تدعم واشنطن المسعى الإسرائيلي وتضغط على القيادة السعودية للمضي في هذا الاتجاه، في ضوء رغبة ترامب في استكمال المسار الدبلوماسي الذي بدأه إبان ولايته الأولى وتوسيع اتفاقيات التطبيع من جهة، وتحييد الإدارة الأميركية عن التدخّل العسكري المباشر في الصراع في اليمن الذي لا ترغب فيه، من جهة أخرى، كما ترى القيادتان الأميركية والإسرائيلية أنّ المملكة تسعى للحصول على مساعدات عسكرية وتعاون أمني بشكل عملي ومستمر وليس مواقف سياسية نظرية فقط.

الأمر الذي لم ينجح تحالف مكة في تحقيقه حتى تاريخه، وتقدّر "إسرائيل" أنّ مصالحها المشتركة مع السعودية في الصراع في اليمن والبحر الأحمر ورغبة الطرفين في منع أنصار الله في السيطرة على باب المندب،يعزّز التعاون العسكري مع السعودية، ما يشكّل فرصة لفتح ملف التطبيع معها، وقد تنتظر القيادة السعودية نتائج الانتخابات الإسرائيلية، على أمل أن يؤدّي تغيير حكومة نتنياهو المحتمل إلى حرج أقلّ وتفاهم أكبر بالمقارنة مع الحكومة الحالية، وفي المقابل قد يسعى الطرف الإيراني لمدّ جسور للتفاهم والحوار مع السعودية كي لا ترتهن كلياً للمصالح الأميركية والإسرائيلية والتفاهم بين الطرفين الإيراني والسعودي على حلّ المشكلات في منطقة الخليج، ولا سيما في مسارات الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر على قاعدة تحييد التدخّلات الخارجية الأجنبية وحلّ الخلاف البيني من دول المنطقة.

إنّ القيادة السياسية الإسرائيلية الحالية لن تتمكّن من إحداث اختراق في مسار التطبيع مع السعودية في ضوء طبيعتها اليمينية الفاشية المتطرّفة، كما أنّ المملكة لن تتخلى عن سمعتها الدينية وثقلها السياسي العربي والإسلامي والإقليمي بتعزيز العلاقة السياسية العلنية مع حكومة نتنياهو، ولن تقبل أية شروط إسرائيلية بربط التطبيع بالمساعدات العسكرية للسعودية، لكنّ الأخيرة ستقبل التعاون العسكري والأمني مع حكومة نتنياهو من دون شروط سياسية، وستلجأ إلى إرسال إشارات للإدارة الأميركية على غرار فتح قنوات دبلوماسية مع إيران كي تخفّف واشنطن من ضغوطها في ملف التطبيع مع "إسرائيل ".

كما أنّ الأخيرة تدرك أنّ لها مصلحة في تقديم مساعدات أمنية واستخباراتية حتى من دون اشتراط التطبيع على الأقل في المرحلة الحالية، وستسعى "إسرائيل " للبناء على التعاون العسكري والأمني بما قد يساهم لاحقاً في بناء شراكة أوسع مع الرياض، وعلى المقلب الآخر ستُبقي إيران الأبواب مفتوحة أمام إمكانية عقد تفاهمات مع السعودية لمعالجة مشكلات المنطقة من دون الارتهان للتدخّلات الخارجية، على قواعد الشراكة والتعاون والمصالح المشتركة.