مجلس السلام العالمي.. إطار جديد لإدارة المصالح الأميركية!

يبدو أن إنشاء "مجلس السلام العالمي" لا يعكس تحولاً نحو نظام دولي أكثر عدالة، بل يمثل حلقة جديدة في مسار إعادة تشكيل أدوات الشرعية الدولية بما يتلاءم مع مصالح القوى المهيمنة.

0:00
  •  لماذا لا يصار إلى إصلاح مجلس الأمن بدلاً من الالتفاف عليه؟
    لماذا لا يُصار إلى إصلاح مجلس الأمن بدلاً من الالتفاف عليه؟

لم يكن الدور الذي لعبته الولايات المتحدة داخل منظومة الأمم المتحدة منذ تأسيسها دوراً حيادياً أو محكوماً حصراً بقواعد القانون الدولي، بل اتسم، في محطات عديدة، باستخدام الأدوات المؤسسية للأمم المتحدة بما يخدم أولويات السياسة الأميركية ومصالحها الاستراتيجية.

وقد تجلّى ذلك بوضوح في تعطيل متكرر لعمل مجلس الأمن، ولا سيما في القضايا ذات الصلة بالصراع العربي–الإسرائيلي، حيث استُخدم حق النقض بصورة منهجية للحؤول دون تنفيذ قرارات دولية قائمة أو تمرير قرارات جديدة من شأنها فرض التزامات قانونية على "إسرائيل".

إلى جانب هذا التعطيل، شهدت العقود التي تلت تأسيس المنظمة الأممية سلسلة من التدخلات العسكرية الأميركية التي جرت خارج إطار التفويض الواضح من مجلس الأمن، أو استندت إلى تفسيرات فضفاضة لمبدأ "الدفاع عن النفس" أو "التدخل الإنساني". هذه الممارسات أسهمت تدريجياً في إضعاف مكانة المجلس، وتحويله من هيئة يفترض أن تكون مرجعية عليا في حفظ السلم والأمن الدوليين إلى ساحة صراع بين القوى الكبرى، أو أداة انتقائية تفعل حين تتوافق نتائجها مع مصالح دول بعينها.

في هذا السياق، تأتي الخطوات التي اتخذتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه المنظمة الأممية لتفتح مرحلة جديدة من العلاقة المتوترة بين الولايات المتحدة والنظام الدولي متعدد الأطراف.

فمن الانسحاب من بعض الوكالات والمنظمات التابعة للأمم المتحدة، إلى التشكيك العلني بجدوى المؤسسة الأممية، وصولاً إلى طرح فكرة إنشاء ما سمي ـ"مجلس السلام العالمي"، يبدو أن السياسة الأميركية لم تعد تكتفي بإضعاف المنظومة القائمة، بل تسعى إلى تجاوزها واستبدالها بأطر بديلة أكثر انسجاماً مع ميزان القوى القائم.

سبق طرح فكرة المجلس شن "إسرائيل" حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، وهي حرب كشفت مرة أخرى محدودية قدرة الأمم المتحدة، ولا سيما مجلس الأمن، على فرض وقف فوري للعمليات العسكرية أو حماية المدنيين، في ظل الانقسام الدولي الحاد واستخدام الولايات المتحدة حق النقض لمنع أي قرارات ملزمة.

في بداياتها، بدت فكرة المجلس استجابة لرغبة إسرائيلية واضحة في إيجاد هيئة انتقالية تتولى إدارة قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، على أن تكون هذه الهيئة منفصلة عن حركة "حماس" وعن السلطة الوطنية الفلسطينية على حد سواء.

غير أن الفكرة سرعان ما تطورت، وبدا أن الإدارة الأميركية رأت فيها فرصة أوسع من مجرد معالجة وضع غزة. فوفق التصورات التي روّج لها لاحقاً، لم يعد المجلس المقترح معنياً فقط بإدارة مرحلة انتقالية في القطاع، بل أوكلت إليه، نظرياً، مهام أوسع تتعلق بـ "إرساء السلام" وتحقيق الأمن والاستقرار في مناطق أخرى من العالم، وفق تعريفات فضفاضة لهذه المفاهيم، وبآليات لم تُعرض للنقاش الجدي داخل الأطر الأممية القائمة.

تكمن خطورة هذا التوجه في بعدين أساسيين. البعد الأول يتمثل في محاولة تكريس المجلس الجديد كبديل عملي، أو على الأقل كمنافس، لمجلس الأمن الدولي. ورغم ما يعانيه مجلس الأمن من اختلالات بنيوية واضحة، وحاجته الملحّة إلى إصلاحات جذرية تجعله أكثر تمثيلاً وفعالية، فإنه يبقى الإطار الدولي الوحيد الذي يستند إلى شرعية قانونية معترف بها، ويعكس - ولو جزئياً - توازنات دولية تحد من انفراد قوة واحدة بتقرير مصير القضايا الدولية الكبرى.

فآلية التصويت داخل مجلس الأمن، ووجود قوى كبرى ذات مصالح متعارضة مثل الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة أخرى، تفرض قدراً من التوازن، وتحد من قدرة أي طرف على تمرير مشروعاته من دون مقاومة. كما أن تداول عضوية الدول العشر غير الدائمة يتيح، نظرياً، إيصال صوت الدول الصغيرة والنامية، ويمنحها مساحة، وإن كانت محدودة، لعرض قضاياها ومصالحها أمام المجتمع الدولي.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لا يُصار إلى إصلاح مجلس الأمن بدلاً من الالتفاف عليه؟ الجواب يكمن في طبيعة المصالح الغربية، وعلى رأسها المصالح الأميركية. فإصلاح المجلس على نحو جوهري، سواء عبر توسيع عضوية الدول الدائمة لتشمل قوى صاعدة كالهند أو البرازيل، أم عبر تقييد استخدام حق النقض، من شأنه أن يقلص هامش الهيمنة الذي تتمتع به القوى الغربية داخل المجلس. ولهذا السبب، قوبلت معظم مقترحات الإصلاح، على مدى عقود، بالرفض أو التعطيل أو الإهمال، من دون الدخول في نقاش جدي حولها.

أما البعد الثاني لخطورة المجلس المقترح، فيتعلق بآلية عمله المتوقعة. فالمؤشرات الأولية توحي بوجود هيمنة أميركية شبه مطلقة على قراراته وتوجهاته، سواء من خلال التمويل، أم من خلال تحديد جدول الأعمال، أم عبر النفوذ السياسي المباشر. وفي هذه الحالة، لن يكون المجلس أكثر من مؤسسة أميركية بغطاء دولي شكلي، بغض النظر عن مشاركة قوى كبرى أخرى فيه من عدمها. والتجربة التاريخية تشير إلى أن مثل هذه الأطر سرعان ما تفقد مصداقيتها مع أول اختبار عملي، حين تتعارض قراراتها المعلنة مع المصالح الأميركية المباشرة.

في هذا الإطار، يبرز تساؤل جوهري حول قدرة هذا المجلس، إن أُنشئ، على معارضة تدخلات أميركية مستقبلية، أو حتى انتقادها. كما يُثار الشك حول مدى استعداد الدول المشاركة فيه لمواجهة أي توجهات تخالف الشرعية الدولية، خاصة إذا كانت هذه الدول قد انضمت تحت ضغط سياسي أو اقتصادي، أو بدافع الخشية من العزلة الدولية.

أما فيما يخص قطاع غزة، فإن تأسيس مثل هذا المجلس لا يبدو استجابة لحاجة إنسانية أو قانونية ملحّة بقدر ما يعكس محاولة لإدارة نتائج فشل عسكري وسياسي واضح. فعلى الرغم من حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقطاع، لم تتمكن "إسرائيل"، على مدار عامين من العمليات العسكرية، من تحقيق أهدافها المعلنة، سواء بالقضاء على فصائل المقاومة أم بفرض سيطرة كاملة على القطاع. ومن هنا برزت فكرة المجلس كآلية تتيح فرض شكل من أشكال الانتداب الأميركي المقنّع، تحت غطاء دولي، مع إظهار ذلك بوصفه مساراً لإعادة الإعمار وتمكين السكان المحليين.

عملياً، كان يُفترض أن تُدار مرحلة ما بعد الحرب وفقاً لمبادئ القانون الدولي، بما يضمن حق الفلسطينيين في إدارة شؤونهم بأنفسهم، وأن ينحصر دور المجتمع الدولي في تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والفني، وردع أي اعتداءات مستقبلية. غير أن سجل المجتمع الدولي خلال سنوات الحرب لا يوحي باستعداد حقيقي للانحياز إلى هذه المبادئ، خاصة في ظل الصمت الطويل، أو الاكتفاء بمواقف لفظية، إزاء ما جرى في القطاع.

في ضوء ذلك، يبدو أن إنشاء "مجلس السلام العالمي" لا يعكس تحولاً نحو نظام دولي أكثر عدالة، بل يمثل حلقة جديدة في مسار إعادة تشكيل أدوات الشرعية الدولية بما يتلاءم مع مصالح القوى المهيمنة، وهو مسار لا يتوقع أن يسهم في تحقيق سلام مستدام، سواء في غزة أم في غيرها من مناطق النزاع.