ما بعد الحلم الكردي في سوريا: تحوّلات مصيرية وأسئلة مشرقيّة (1-3)

هل انتهت القضية الكردية في سوريا؟ وما خيارات الكرد فيها؟ وهل هي قضية الكرد أم قضية هذا المشرق برمّته؟

0:00
  • هل انتهت القضية الكردية في سوريا؟
    هل انتهت القضية الكردية في سوريا؟

ما كان لأحد من السوريين أن يتخيل إمكانية انهيار "قوات سوريا الديمقراطية" خلال 48 ساعة، إثر عبور قوات الجيش العربي السوري إلى الضفة الغربية من نهر الفرات، بعد تجربة من الحكم الذاتي دامت لما يقارب الاثني عشر عاماً.

جاء هذا الانهيار في أصعب وأخطر مرحلة من تاريخ سوريا - بلاد الشام - إذ تحوّلت هذه التجربة إلى رقم صعب في الصراع بمستوياته الثلاثة (المحلي، والإقليمي، والدولي)، وخصوصاً بعد تصريح مظلوم عبدي في بداية العام الجاري بأن عام 2026 سيشهد كونفدرالية كردية جامعة في الدول الأربع.

الأمر الذي يطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بكرد سوريا، وأبعد من ذلك: هل انتهت القضية الكردية في سوريا؟ وما  خيارات الكرد فيها؟ وهل هي قضية الكرد أم قضية هذا المشرق برمّته؟

مع نهايات القرن التاسع عشر، بدأت ملامح تشكُّل تيارات قومية دعوية في الدولة العثمانية بشقّيها: القومي التركي في القسم التركي من الدولة، والقومي العربي في قسم بلاد الشام، بشكل متزامن مع بعضهما البعض ومع الدعوات القومية الفارسية في إيران. جاء هذا الزخم الكبير ليُثير جملة من الأسئلة حول خلفيات هذه الدعوات في دول لم تخرج بعد من إطار "دولة الغلبة" إلى فضاءات الدولة القومية الحديثة بمعناها الغربي. فيما لم يشهد الكرد هذا الزخم القومي ذاته، رغم ظهور عدد محدود من الدعاة للدولة القومية الكردية بدءاً بأحمد خاني، مروراً بكل من عبيد الله النهري، ومقداد مدحت بدرخان، وجَلَدَت بدرخان. بل كانوا أكثر ميلاً إلى الهوية الثقافية الإسلامية الجامعة من الدعوة إلى الدولة القومية.

كان لتأثير الدعوات القومية ذات الطابع العنصري المتعالي دور كبير في تحفيز الدعوة إلى القضية القومية الكردية، وخصوصاً بعد تحطيم بريطانيا وفرنسا للدولة العثمانية، وصناعة دول جديدة بحدود غير قابلة للفصل بين شعوب المنطقة المتداخلة ديموغرافياً. وكانت النتيجة حرمان الكرد من دولة على غرار كل من سوريا وتركيا والعراق، رغم توزعهم بروابط مشتركة بين هذه الدول الثلاث ومع إيران.

كما كان للسياسات القومية العنصرية المتعالية، التي اتّبعتها الدول الأربع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، دور أساسي في تشكُّل تيار قومي كردي نزع من  القوس المشترك نفسه لهذه السياسات، كردّ فعل عليها وفي خصومة معها. ما يلقي الضوء على سبب استمرار الطابع الأيديولوجي القومي للكرد في المنطقة عموماً، على الرغم من تراجع تلك السياسات القومية في الدول الثلاث، بالإضافة إلى إيران التي شقَّت طريقاً مغايراً للبعد القومي في نهاية سبعينيات القرن الماضي.

لا يختلف كرد سوريا عن أشقائهم في الدول الثلاث في تأثُّرهم بالدعوة القومية الكردية، وإن تأخرت عنهم بالظهور إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي كأحد تداعيات تشكيل حلف بغداد، وضرورة استثمار كرد سوريا لمواجهة هذا الحلف باستثارة كرد دول الحلف (تركيا والعراق وإيران)، مع التأكيد على دور الاتحاد السوفياتي سابقاً في دعم الحركات الكردية، بما في ذلك دعمه لعبد الله أوجلان و"حزب العمال الكردستاني" الذي تبنى آنذاك الماركسية اللينينية كمحتوى لإطار قومي أيديولوجي، ثم تحوّل في ما بعد إلى مفهوم "الأمة الديمقراطية" كحلّ مُقترح للقضية القومية الكردية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واعتقال أوجلان في كينيا ووضعه في سجن إمرالي.

كان لاتفاق أضنة بين تركيا وسوريا عام 1998 دور أساسي في تحجيم نشاط "حزب العمال الكردستاني" في سوريا، بعد أن تلقَّى دعماً سوفياتياً وسورياً منذ بدء تشكُّله في تركيا عام 1978. فكان اللجوء إلى النشاط غير العلني وتأسيس "حزب الاتحاد الديمقراطي"، وهو الوجه السوري لـ"حزب العمال الكردستاني". وجد هذا الحزب في انفجار الصراع المحلي والإقليمي والدولي في سوريا بعد عام 2011 فرصةً لتحقيق حل لقضيته القومية، عبر فرض أمر واقع في مناطق وجوده في شمال سوريا، وإنشاء "الإدارة الذاتية" كجزء من نظرية "الأمة الديمقراطية"، والعمل على تسويق هذا المشروع كحلّ سياسي وحيد لسوريا، مع التركيز على تكرار التجربة في منطقتَي الساحل السوري وجبل العرب، بما يوحي بتشكيل تحالف للأقليات في وجه مخاطر "المنطقة الوسطى".

أضاف دخول الولايات المتحدة إلى الحرب السورية بعنوان مكافحة الإرهاب قوة دفع مباشرة للتوسع العسكري الكردي، خصوصاً بعد سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" على مناطق واسعة ووصوله إلى قلب مدينة عين العرب ("كوباني")، معقل "وحدات حماية الشعب". أدى ذلك إلى تشكُّل إطار لتحالف بين الولايات المتحدة والقوى العسكرية الكردية، انبثقت على إثره "قوات سوريا الديمقراطية". ما رفع من أسهم القادة الجدد للكرد، وجعلهم يشعرون بفائض قوة نتيجة محاولات الأطراف الإقليمية والدولية للتواصل مع قيادات جبل قنديل، القادة الحقيقيين لتنظيم "حزب العمال الكردستاني" في سوريا.

أنتج فائض القوة هذا سياسات جديدة متسرعة على أرض تجربة الإدارة الذاتية، رسمت صورة غير مريحة لقوى الداخل السوري. فتم حظر استخدام العلم السوري الرسمي، ورفع علم مستمد رمزياً وأيديولوجياً من المنظومة الفكرية للحزب، وإطلاق اسم "كردستان الغربية" ("روج آفا") على منطقة شمال سوريا، ووضع مناهج تربوية خاصة باللغة الكردية وفرضها على المدارس الحكومية (عدا تلك في المربعات الأمنية)، والسيطرة على مصادر الطاقة وبيعها بأسعار منخفضة للداخل السوري، بالإضافة إلى السيطرة على المعابر الحدودية مع بقية المناطق السورية، والتي أصبحت أشبه بمعابر بين دول من حيث إدارتها وتنظيمها.

ومن جملة ذلك، تم إنشاء حكومة متكاملة بعنوان "مديريات"، فأصبح هناك وزراء للخارجية والداخلية وغيرها. تم نسج علاقات سياسية وأمنية مع غالبية الدول الغربية، بما في ذلك "إسرائيل" التي لم تتوضح العلاقة معها إلا في مراحل متأخرة، في إطار الرهان عليها لحماية المشروع السياسي من منطلق تلاقي المصالح، وخصوصاً بعد أن طرحت "إسرائيل" فكرة إنشاء "ممر داوود" الذي يتيح الربط بينها وبين مناطق المشروع السياسي الكردي والوصول إلى الحدود مع تركيا، التي رأت في هذا المشروع تهديداً واضحاً لأمنها القومي.

مع انهيار نظام الأسد لأسباب بنيوية ذاتية متقاطعة مع تشابكات إقليمية ودولية جديدة، تغير الوضع السياسي للمشروع السياسي الكردي في سوريا.

فقد أتاح توافق دولي جديد انهيار النظام السابق خلال عشرة أيام بكل سلاسة، ومجيء نظام سياسي جديد متناقض مع سابقه. أدى ذلك إلى خروج إيران وحزب الله من سوريا، ما غيَّر التموضع الجيوسياسي لسوريا برؤية مختلفة، لها أولوياتها ومستحقاتها وأثمانها، وهو الأمر الذي لم تقرأه القوى السياسية الكردية ولا قيادات "حزب العمال الكردستاني" بعمق كافٍ.

في الجزء الثاني، سأتناول ما الذي دفع بالولايات المتحدة إلى التخلي عن القوى السياسية الكردية، وقبول "إسرائيل" بالرؤية الأميركية الجديدة لسوريا، وتأثيرات انهيار المشروع السياسي للكرد في سوريا.