مآلات الاعتداءات الأميركية الصهيونية على إيران والدور المتوقع لجي دي فانس

ظهرت في الإدارة الأميركية ووسائل الإعلام المقربة منها مجموعة من التصريحات التي تشير بوضوح إلى وجود خطة أميركية بديلة في حال فشلت في الاحتفاظ بهيمنتها على مضيق هرمز ودول الخليج الفارسي.

  •  الخطة الأمريكية البديلة ودور جي دي فانس.
    الخطة الأمريكية البديلة ودور جي دي فانس.

يقول المثل الصيني "رأس نمر وذيل أفعى" والمثل يشير إلى البداية عندما تكون قوية ومثيرة، لكن النهاية ضعيفة ومخيّبة للآمال. ربما كان هذا المثل هو المعبّر الحقيقي عن الحالة الأميركوصهيونية، والتي تبدّلت سريعاً من الحماس لإسقاط النظام الإسلامي في إيران، إلى السعي لمجرد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، الأمر الذي سمح لمسؤول باكستاني بالسخرية من الأميركيين علناً.

لست بحاجة إلى الحديث عن الأسباب التي دفعت الإدارة الأميركية إلى خوض مثل هذه المغامرة، فقد أصبح الكثير منها معروفاً بالفعل، لكننا نحتاج إلى معرفة مآلاتها ونتائجها في حال فشل الأميركيون في فتح مضيق هرمز، أو قاموا بعقد صفقة فردية مع الإيرانيين بهدف التخلي عن الوجود في الشرق العربي مع الاحتفاظ بالقليل من المكتسبات.

ماذا لو فشلت أميركا في فتح مضيق هرمز؟

الواقع أن هذا الاحتمال القوي يعدّ كارثة بالنسبة إلى الأميركيين، لكنهم كما يبدو قد قرروا بالفعل التعامل معه كأمر واقع، بالرغم من استمرار تشبثهم باحتمالات النجاح في فتح المضيق الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط و25% من إمدادات الغاز الطبيعي وثلث الأسمدة الزراعية، وثلث تجارة الهيليوم.

إن النتيجة المباشرة لهذا الاحتمال هو خروج القواعد الأميركية من الخليج الفارسي، ما سيمثل ضربة قاسية للهيمنة المالية الأميركية على العالم، وسيادة الدولار كعملة عالمية، مع اشتراط إيران بأن تكون عملة التعامل والمرور عبر مضيق هرمز هي اليوان الصيني.

لكن الأمر لا يتوقف عند هذه المشكلة فقط، فخسارة السيطرة على الخليج الفارسي، تهدد التحركات الأميركية في بحر العرب وخليج عدن والبحر الأحمر، وكلها في مرمى الصواريخ الإيرانية واليمنية، أي أن الولايات المتحدة ستفقد كذلك السيطرة على مضيق باب المندب، وفي هذه الحالة لن يكون هناك أي قيمة لرقابتها على مضيق ملقا (إندونيسيا) والذي سيصبح مرتهناً للإرادة الإيرانية والصينية، فالمضيقان (باب المندب وملقا) يرتبطان بمسارات التجارة التي تمر بمضيق هرمز. ومعنى فقدان السيطرة على هذه المضائق هو فقدان الولايات المتحدة هيمنتها على سلاسل التوريد وممرات التجارة العالمية، وهذا هو الشرط الأول الذي تحتاجه القوة العظمى.

إن تداعيات هذه النتائج تعني ضعف الموقف الأميركي في مواجهة الصعود الصيني المتسارع، فسيطرة أميركا على سلاسل التوريد التي تمر عبر مضيق هرمز كانت ورقة قوة في مواجهة الصين، والتي بدورها تحتاج للطاقة والهيليوم وهما ضروريان للصناعة وخصوصاً صناعة أشباه الموصلات والصناعات العسكرية والطبية وخوادم الذكاء الاصطناعي.

وإذا كان من الممكن استبدال الطاقة القادمة من الخليج الفارسي ببدائل من مناطق أخرى، فإن الهيليوم (الهام جداً بالنسبة إلى الصناعة الحديثة لا سيما أشباه الموصلات والصناعات العسكرية والإنترنت) الذي تنتجه قطر لا يمكن استبداله بسهولة، فقطر تنتج 35% تقريباً من الإنتاج العالمي، ولا ينافسها في هذا المستوى من الإنتاج سوى الولايات المتحدة التي تنتج ما يفوق 40% من الإنتاج العالمي من الهيليوم وإن كان معظمه يستهلك في الاحتياجات الداخلية. ولا يوجد بديل لقطر في هذا الإنتاج سوى الجزائر التي تنتج 12% من الإنتاج العالمي. بالنسبة إلى إيران فهي تمتلك احتياطيات هائلة من الهيليوم لكنها غير مستغلة حتى الآن، وتحتاج إلى وقت من 5-10 سنوات كي تتمكن من بناء مصانع فصل الهيليوم، ومحطات تسييل وتصدير، وبنية لوجستية.

لقد كان ترامب يأمل في الاستحواذ على الورقة الإيرانية قبل اجتماعه بالرئيس الصيني والذي كان مقرراً في آذار/مارس، وهذه الورقة كانت ستمكنه من الضغط على الصين لتقديم تنازلات، نظراً لنجاح أميركا المفترض في السيطرة على سوق الطاقة بامتلاك الورقتين الفنزويلية والإيرانية، بالإضافة إلى سيطرتها على الهيليوم القادم من الخليج الفارسي. لكن المقاومة الإيرانية التي انتقلت من الدفاع إلى الهجوم سريعاً أجبرت الرئيس الأميركي على تأجيل هذا الاجتماع إلى منتصف أيار/ مايو، خاصة بعد السيطرة الإيرانية على حركة مرور السفن عبر المضيق، والضربات المكثفة التي تلقتها المصالح والقواعد العسكرية الأميركية في المنطقة.

يمكننا الآن أن نفهم حجم الخسائر الأميركية في حال اضطرت للتخلي عن هيمنتها على الخليج الفارسي، فدول الخليج العربية هي التي أسست لهيمنة الدولار الأميركي عبر ربطه بالبترول، كما قامت بدور مهم في دعم الاقتصاد الأميركي عبر صناديق الثروة السيادية، والاستثمار في سندات الخزانة الأميركية، والاستثمار في وول ستريت، وشراء السلاح الأميركي. وبمعنى مبسط، كان العالم يشتري النفط بالدولار، ودول الخليج التي تحصل على الدولارات تعيد استثمارها في أميركا، والأخيرة تموّل عجزها وحروبها بهذه الأموال.

ومع التطور التكنولوجي الهائل الذي شهده عقد التسعينيات من القرن الماضي في صناعة أشباه الموصلات وظهور الانترنت ثم بروز أهمية الذكاء الاصطناعي، طمحت الولايات المتحدة في تحويل دول الخليج إلى مخازن عالمية للبيانات وتأمين تدفق السيولة الحوسبية والذكاء الاصطناعي اللازم لتشغيل اقتصادات المستقبل.

وقد قامت الشركات الأميركية ببناء مراكز بيانات ضخمة في الخليج لأسباب لعل أهمها: 1- موقعها بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. 2- امتلاكها طاقة رخيصة. 3- تتمتع باستقرار نسبي وتمتلك سيولة مالية ضخمة. أي أن هذه الدول الخليجية تحولت إلى عقدة بيانات + عقدة مالية + عقدة طاقة. وكان هذا التحوّل مهم جداً للهيمنة الأميركية الرقمية والمالية.

لقد أدرك الإيرانيون مدى أهمية الهيمنة الأميركية على منطقة الخليج الفارسي وتدفقات التجارة عبر مضيق هرمز، وربما لذلك يرى البعض منهم أن هذه الحرب هي الفرصة التي سنحت لإيران كي تنظف محيطها من الوجود الأميركي، وعلى عكس المتوقع فإن الضربات الإيرانية لم تكتف بمجرد قصف الصواريخ والطائرات المسيرة، وإنما أخطر ما قامت به إيران في مواجهة العدوان الأميركوصهيوني هو الضربات التي وجهت للسيادة المالية والاقتصادية والرقمية الأميركية التي تعتمد على الخليج. فبعد مرور 19 يوماً من بدء العدوان، أطلق رئيس مجلس الشورى الإسلامي، محمد باقر قاليباف تهديداً واضحاً بأن المموّلين لواشنطن أهداف قادمة لإيران، وهو تهديد مباشر لمستثمرين دوليين، يعتبر أن امتلاك سندات الخزانة الأميركية بمنزلة دخول في قائمة الأهداف العسكرية.

   يعتمد النظام المالي الأميركي على ثلاث ركائز أساسية: 

1-  سندات الخزانة الأميركية، وتمثل أكبر سوق دين في العالم. 

2-  الدولار وهو عملة التجارة العالمية. 

3-  شبكات الدفع العالمية مثل SWIFT.

   هذا النظام لم يعد بنوكاً فقط وإنما يعتمد على مراكز بيانات، حوسبة سحابية، ذكاء اصطناعي، شبكات دفع رقمية وبورصات إلكترونية. ومن هنا ندرك خطورة ما قاله قاليباف والذي في الواقع يهدد نظاماً مالياً عالمياً تأسس عبر عقود، ويسعى لرفع تكلفة الحرب وجعلها غير قابلة للتمويل. 

   تقليدياً، عندما تشتعل الحروب تهرب الأموال إلى الدولار وسندات الخزانة، لكن مع ارتفاع الديون الأميركية بدرجة كبيرة والسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، بدأ المستثمرون في طلب فوائد أعلى الأمر الذي أدى إلى ارتفاع العوائد، وهنا النقطة التي راهن عليها الإيرانيون، فقد بلغت عوائد السندات لأجل 10 سنوات 4.37% (الأعلى منذ يوليو 2025)، ومع حاجة البنتاغون لاقتراض 200 مليار دولار إضافية لتمويل الحرب، فإن أي إحجام دولي عن الشراء سيؤدي إلى ارتفاع العوائد إلى مستويات تجعل الحرب غير قابلة للتمويل بالفعل.

لكن الضربة الأكثر قسوة، كانت استهداف إيران ل3 مراكز بيانات تابعة لشركة "أمازون" في الخليج، كما استهدفت بنية تحتية لشركة أوراكل في الإمارات، وإدراج الجيش وحرس الثورة الإيرانيان لعمالقة التكنولوجيا (غوغل، مايكروسوفت، إنفيديا) في قائمة الأهداف، كإثبات على جدية تعطيل التدفقات المالية والرقمية. وهذه الضربة تعني القضاء بصورة فعلية على الاتفاقيات التجارية التي أقامتها الولايات المتحدة مع كل من الهند وتايوان بالإضافة إلى مبادرة باكس سيلكا وغيرها من التحالفات التي تمت سابقاً، والتي هدفت في جوهرها إلى إعادة تركيز الصناعة في الولايات المتحدة والتأسيس لجدار تكنولوجي في مواجهة الصين والسعي لتهميشها حتى تخضع في النهاية للابتزاز الأميركي.

الخطة الأميركية البديلة ودور جي دي فانس

في الآونة الأخيرة، ظهرت في الإدارة الأميركية ووسائل الإعلام المقربة منها مجموعة من التصريحات والمواقف المتناغمة والمتقاربة زمنياً، التي تشير بوضوح إلى وجود خطة أميركية بديلة في حال فشلت في الاحتفاظ بهيمنتها على مضيق هرمز ودول الخليج الفارسي.

في 5 آذار/مارس الماضي، وخلال مؤتمر الأميركيتين لمكافحة الكارتلات الذي عقد في مقر القيادة الأميركية الجنوبية في فلوريدا، تحدث وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث حول مشروع أميركا الشمالية الكبرى. وهي منطقة تمتد من غرينلاند إلى خليج المكسيك وقناة بنما والدول المحيطة بها. وبمعنى آخر، ترغب أميركا في التأسيس لمجال حيوي أمني يضم غرينلاند، كندا، المكسيك، دول أميركا الوسطى، قناة بنما، دول الكاريبي، وخليج المكسيك.

في 25 آذار/مارس الماضي، تحدثت تقارير إعلامية بعضها مقرب من ترامب عن رفض المسؤولين الإيرانيين التفاوض مع كل من كوشنر وويتكوف، وتفضيلهم التفاوض مع نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وأشارت تلك التقارير إلى أن هذا التفضيل للتفاوض مع نائب الرئيس الأميركي يأتي لكونه من بين الرافضين للحرب منذ البداية، بالإضافة إلى أنه مرشح محتمل للرئاسة في 2028 ومن مصلحته نجاح هذه المفاوضات.

وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الإيرانية نقلت عن المسؤولين الإيرانيين نفيهم لوجود مفاوضات من الأساس، إلا أن هذه التسريبات الإعلامية الأميركية ربما تشير إلى محاولة للخروج من كارثة هذه الحرب وما أدت إليه من استنزاف كبير للقدرات الأميركية من دون تحقيق أي من أهدافها.

التصريح الثالث صدر بتاريخ 31 آذار/مارس بواسطة وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في البنتاغون والذي قال فيه بما يمكن إجماله أن مسؤولية تأمين مضيق هرمز  يجب أن لا تقع على البحرية الأميركية وحدها، والدول التي تعتمد على نفط الخليج يجب أن تشارك في حمايته وتأمينه، وأن أميركا لن تتحمل هذا العبء وحدها. أي أن العقيدة الاستراتيجية الأميركية والتي نشأت منذ حرب الخليج الثانية سنة 1991 المعتمدة على حماية أميركا للخليج مقابل استقرار النفط والدولار قد انتهت، وبدأت عقيدة جديدة تعتمد على مبدأ قيام الدول بحماية نفسها ومصالحها ويمكن لأميركا أن تساعد فقط.

لكن في 1 نيسان/ أبريل الجاري، وفي خطاب وجّهة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشعب الأميركي بخصوص الاعتداءات على إيران، قام بتتويج كل هذه المواقف عبر تصريحاته في هذا الخطاب الذي أكد فيه أن أميركا لا تحتاج نفط الخليج إذ يمكن تعويضه من أماكن أخرى مثل فنزويلا، ومطالباً الشعب الأميركي بعدم القلق من ارتفاع أسعار البنزين. ثم كرر ما قاله وزير حربه مرة أخرى بخصوص مضيق هرمز، مطالباً الدول التي تستفيد من نفط الخليج (أوروبا – آسيا) أن تقوم بحماية المضيق بنفسها، ولا تلق بأعباء هذه المهمة على كاهل أميركا وحدها. كما هاجم حلفاء واشنطن كبريطانيا وفرنسا لرفضهم المشاركة في الحرب. وبالتأكيد لم ينس توجيه تهديداته لإيران بإعادتها إلى العصر الحجري عبر ضرب البنية التحتية للطاقة، ضرب المنشآت المدنية، واحتمال السيطرة على جزيرة خارك (مركز تصدير النفط الإيراني).

من خلال هذه التصريحات والمواقف المتقاربة زمنياً، يمكننا قراءة الخطة الأميركية الجديدة، ففي تصريح وزير الحرب الأميركي بخصوص مشروع أميركا الشمالية الكبرى، وبالرغم من أن الاجتماع الذي شهد هذا التصريح هو أمني بالأساس ويتعلق بمكافحة كارتلات المخدرات والهجرة غير الشرعية، فإن للتصريح الأميركي أبعاداً أخرى، لعل أهمها أن الولايات المتحدة تريد تأسيس ما يشبه القلعة في منطقة نفوذها القريبة والأساسية ضد النفوذين الروسي والصيني المتقدمين. حيث ستستفيد من غرينلاند الموقع الجغرافي والمعادن الحيوية، من كندا ستحصل على المعادن والغاز الطبيعي والمياه، ومن البحر الكاريبي ستحصل على قواعد بحرية، وستحصل من المكسيك على موارد هامة كالمعادن النادرة والفضة والليثيوم والنحاس والذهب، بالإضافة إلى العمالة الرخيصة أي أنها يمكن أن تكون مكملاً صناعياً لأميركا. 

وبديهي أن نجاح الأميركيين في تمرير هذا المشروع سوف يدفعهم سريعاً لمحاولة مد نفوذهم إلى أميركا الجنوبية كذلك، ولن تكون المرة الأولى التي يروجون فيها لمثل هذه المشروعات، ففي تسعينيات القرن ال19 وبدايات القرن ال20 برزت القومية الأميركية التي روّجت لها الولايات المتحدة في مواجهة النفوذ الأوروبي، وعبر هذه الأيديولوجية بررت أميركا تدخلاتها العسكرية في الأميركيتين حيث سيطرت على بورتريكو وكوبا كما دعمت بنما في الاستقلال عن كولومبيا، وتدخلت في نيكاراغوا وهندوراس. إلا أن الصيغة القديمة لم تعد كافية بالنسبة إلى الأميركيين الذين بدأوا في الترويج لما يعرف بمبدأ دونرو نسبة إلى دونالد ترامب، والذي يسعى لفرض هذه المنظومة على الدول في الأميركيتين ليس بدبلوماسية الدولار أو الثقافة أو حتى بتدبير الانقلابات العسكرية على الأنظمة غير المرغوب فيها كما حدث سابقاً، وإنما بالقوة العسكرية، وليس فقط لحماية نصف العالم الغربي من النفوذين الصيني والروسي، وإنما لتثبيت هيمنة أميركية مباشرة.

أما في ما يتعلق بمصالحها خارج هذا المجال، فإن أميركا ستحاول دعم ممثلين لها في المناطق التي تراها مهمة بالنسبة إليها، فمن الواضح أن الأميركيين يدعمون النزعة العسكرية المتصاعدة في اليابان، والنزعة القومية الهندوسية في الهند كقوى كبرى في مواجهة الصين، كما يدعمون بولندا عسكرياً في مواجهة روسيا في شرق أوروبا، وهذا ما سيشمل المنطقة العربية، حيث يدعم الأميركيون تركيا في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة العربية ووسط آسيا، وكذلك في مواجهة النفوذ الروسي في القوقاز. ولتركيا (تحت حكم إردوغان) جاذبية خاصة لدى ترامب عبّر عنها أكثر من مرة، فهي دولة غالبية سكانها من السنة، وتحمل وجهاً علمانياً، كما أن لها دوراً واضحاً في سوريا بعد سقوط نظام حزب البعث، ويمكنها هنا أن تقوم بحماية وضع الكيان الصهيوني عبر ضبط الأوضاع السورية، ومحاولة التدخل في لبنان لمنع المقاومة الإسلامية من مهاجمة الكيان الصهيوني، وتمتلك بعض النفوذ أيضاً في العراق يسمح لها بمحاولة التأثير على الحكومة لعرقلة حركة المقاومة العراقية.

ماذا عن الدور المتوقع لنائب الرئيس الأميركي جي دي فانس؟ إن إبراز اسم جي دي فانس كمفاوض مع إيران، قد يعد محاولة لتجاوز المرحلة الصدامية الترامبية بهدف حماية هذا المشروع، ومن المفيد هنا معرفة أن فانس متحوّل إلى الكاثوليكية، وينتمي إلى مجموعة القوميين الجدد، ويحظى بدعم الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون (المؤيد السابق لترامب والمعارض له حالياً)، وهناك علاقة وثيقة بين الرجلين لعل من مظاهرها أن نجل كارلسون هو مدير مكتب جي دي فانس. وهو معروف، على الأقل إعلامياً، بمعارضته لهذه الحرب وربما كان لهذا السبب يبتعد عن أجوائها.

يرتبط هذا المشروع (العودة إلى تأمين المجال الحيوي المباشر لأميركا) برؤية فانس والقوميين الجدد الذين أدركوا أن أميركا لم تعد قادرة على لعب دور القوة العظمى، وبالتالي فتكليفه بملف التفاوض مع إيران يدخل في إطار الترويج لهذا المشروع، لكن من ناحية أخرى، وباعتبار كونه مرشحاً محتملاً للرئاسة في عام 2028، فإن إنهاء الحرب مع إيران سيمثل دعماً له في هذه الانتخابات، ويضع حاجزاً بينه وبين الممارسات الترامبية التي أثارت استياء الجماهير الأميركية ومن بينها جماهير اليمين الأميركي ذاته.

ثمة جانب آخر يجب الانتباه له، فانتماء  فانس الكاثوليكي يجعل حظوظه أكبر في تنفيذ هذا المشروع الذي سيشمل شعوباً كاثوليكية في غالبيتها، كما سيجعله الأقرب للحصول على الأصوات الكاثوليكية في أميركا والتي تمثل 25% وتعد الأصوات المرجحة في الانتخابات، خاصة أن الكنيسة الكاثوليكية موحّدة، مقابل التشظي الكبير للكنائس البروتستانتية المتنوعة، وبالتالي يمكننا القول إن الكاثوليكية أكبر كتلة دينية موحدة في أميركا وإن لم تمثل غالبية السكان[1]. 

لا أتحدث هنا عن تأثير الدين والطائفة في الرؤية الأميركية الجديدة، وإنما عن منظومة حكم جديدة ترغب في تحطيم ما تعدّه آثاراً سلبية للعولمة أدّت إلى تفكك المجتمع وإضعاف الصناعة الأميركية، وتتوقع أن تجد في الأرضية الكاثوليكية المحافظة على العلاقات العائلية والهوية القومية والمنظومات الأخلاقية التقليدية استجابة أكبر، أو رافعة قوية لدعم هذه المنظومة، والترويج للقومية الأميركية (وإن كانت بصيغة جديدة) التي تجمع سكان الأميركيتين.

ما الذي يجب على جي دي فانس مفاوضة إيران حوله؟ بعيداً عن التناولات الإعلامية التي تقترب من التخمين، فإن تبني الأميركيين المعلن للمشروع السابق يعني أن فانس يسعى للوصول إلى اتفاق مع الإيرانيين حول نقطتين أساسيتين: الأولى، ضمان أمن وبقاء الكيان الصهيوني. الثانية، ضمان تدفق النفط والطاقة للحلفاء المدعومين من قبل واشنطن كالهند واليابان.

من المؤكد أن الإدارة الأميركية تراقب ما يحدث في بحر الصين الجنوبي وشرق أوروبا أثناء انشغالها واستنزافها في الخليج الفارسي، فقد بدأت الصين بالفعل في ردم وتوسيع شعاب انتيلوب، المتنازع عليها مع الفلبين، لتحويلها إلى أكبر موقع عسكري لها بالبحر. كما نفذت دوريات بحرية وجوية وخفر سواحل حول سكاربورو المتنازع عليها مع الفلبين كذلك. هذه الدوريات الصينية توسعت تدريجياً وأصبحت أقرب إلى سواحل الفلبين، وليس فقط حول الشعاب. وإذا أضفنا إلى هذه الإجراءات سيطرة الصين على جزء كبير من جزر سبراتلي وكل جزر باراسيل (أرخبيلات جزر تقع في بحر الصين الجنوبي) فإن هذا يعني أن الصين تفرض هيمنة عسكرية على بحرها الجنوبي، وحركة المرور عبر مضيقَي تايوان وملقا، كما تقوم بتطويق كل من الفلبين وتايوان. 

أما على الجانب الآخر في شرق أوروبا، فقد نجحت روسيا مؤخراً في التوسع بالأراضي الأوكرانية التي أصبحت معزولة عن بحر آزوف، والذي بدوره صار بحيرة روسية داخلية، وفي حال نجح الروس في مواصلة طريقهم فقد يتمكنون من عزل أوكرانيا عن البحر الأسود كذلك، خاصة أن المناطق المطلة على البحر الأسود تتحدث غالبية سكانها بالروسية، ما سيوجه ضربة إلى مبادرة البحار الثلاثة التي ترعاها بولندا بدعم أميركي وبريطاني في مواجهة روسيا.

إن طرح هذا المشروع الأميركي الجديد بإعادة التمترس في نصف الكرة الأرضية الغربي، مع هذه المستجدات يشير إلى نهاية القواعد التي وضعت عقب حرب الخليج الثانية 1991. فالأميركيون اقتنعوا فعلاً بالتنازل عن كونهم القوة العظمى، وإن كانوا يحاولون الحفاظ على مكانتهم في مجالهم الحيوي المباشر والبقاء كقوة مؤثرة في العالم الجديد الذي سيتحوّل إلى عالم متعدد الأقطاب، وسيكون على الولايات المتحدة دعم عدد من الدول الحليفة للسيطرة على التطور الصناعي والتكنولوجي والعسكري للأقطاب المنافسة. وهذا ما سيحاول جي دي فانس الحصول عليه من المسؤولين الإيرانيين من ناحية أمن الكيان الصهيوني، وضرورة استمرار تدفق النفط بالنسبة إلى الحلفاء.

يقول نابليون: "لا تقاطع عدوك أبداً وهو يرتكب خطأً"، ويبدو أن كلاً من الصين وروسيا قد استفادتا من هذه الحكمة إلى حد كبير. فمنذ تنفيذ المقاومة الفلسطينية لعملية "طوفان الأقصى" البطولية، والقوتان تتابعان بدقة كيف تتدحرج كرة الثلج لهذا النظام الأميركي إلى أسفل وبسرعة كاشفة عن مدى هشاشته، بحيث لم يعد هناك مجال للتعامل مع هذا الواقع عبر الأساليب الدبلوماسية والضغوط الاقتصادية التقليدية، ما أجبر الأميركيين والصهاينة على تجاوز الحدود المعروفة واللجوء إلى أساليب الحسم العسكري من دون تجمّل، وإسقاط السردية الصهيونية التقليدية في الاعتداءات على غزة، ثم السردية الأميركية في الاعتداءات على إيران. والقاعدة تقول: عندما ينهك الاقتصاد تسقط السردية وينتهي الدعم الجماهيري ويكون على القوة العظمى التراجع لعلّها تتمكن من لملمة قواها.

[1] من الضروري ملاحظة أن بابا الفاتيكان الحالي لاوون الرابع يحمل الجنسيتين الأميركية والبيروفية ولدى نائب الرئيس الأميركي فانس علاقة مباشرة به وقد التقاه عقب القداس الافتتاحي لتنصيبه.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.