لماذا يخشى نتنياهو الاتفاق الأميركي- الإيراني؟

القلق الإسرائيلي من أن نجاح إيران في الإفراج عن أموالها المجمّدة، و تأجيل قضية اليورانيوم إلى المرحلة التالية، سيؤسس لأفضلية تفاوضية لإيران في المراحل التالية للمفاوضات، قد تمكّنها من انتزاع مزيد من النقاط لصالحها. 

  • المزاج الإسرائيلي العام بعد غياب الحسم السريع سيكون قد سئم الحرب.
    المزاج الإسرائيلي العام بعد غياب الحسم السريع سيكون قد سئم الحرب.

بعد نحو 40 تصريحاً للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن قرب التوصل لاتفاق مع إيران، أعلن عن توقيع مذكرة التفاهم بين الطرفين يوم الجمعة القادم في سويسرا، بيد أن الخطوط العامة للمذكرة ستحتاج إلى مسار تفاوضٍ طويلٍ نسبياً، وغير مضمون النتائج، الأمر الذي سيبقي حالة الصراع قائمة، والمساحة الرمادية بين الحرب وتوقفها هي الحالة التي ستبدو عليها الأوضاع في المرحلة المقبلة.

تعقيباً على تطور المفاوضات الأميركية- الإيرانية، عكست تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتفهمه للمصالح الأميركية في عقد الاتفاق مع إيران، بشرط ألا تكون "إسرائيل" ضحيته، الخشية الإسرائيلية من الاتفاق الإيراني- الأميركي الذي يتجاوز تحقيق الأهداف الإسرائيلية الرئيسية، وخروج الأخيرة من الحرب خالية الوفاض، إلا من "إنجازات" تكتيكية تقابلها خسارة استراتيجية.

الحقيقة التي توصلت إليها مختلف الأطراف، أن العودة إلى الحرب بشكلها المكثف، تعني أن الجميع لديه ما يخسره أكثر مما يكسبه، وأن التوصل لاتفاق "هش" يبقي احتمال العودة إلى المواجهة المتقطعة أهون الشرور، ما دام تحت السيطرة، ويمنع انفجار حرب شاملة، بيد أن الطرف الإسرائيلي، الوحيد الراغب في تفجير الموقف، ولن يسلم بسهولة، ويقبل بتمرير الاتفاق؛ لأن قواعد الاشتباك التي نجحت إيران في فرضها بعد المواجهة الأخيرة، أدت إلى تراجع الردع الإسرائيلي لصالح إيران، لا سيما نجاح الأخيرة في تثبيت الجبهة اللبنانية ضمن الاتفاق ووقف الحرب على الجبهات كافة، الأمر الذي سيفتح الباب واسعاً أمام المزايدات الحزبية ضد نتنياهو قبيل الانتخابات الإسرائيلية نهاية أكتوبر/تشرين الأول القادم.

نتنياهو يرى أن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم بين إيران والولايات المتحدة أفضل من التسليم باتفاق "سيئ" بالمفهوم الإسرائيلي؛ لأن الاتفاق القائم لن يستطيع تسويقه كنصر مطلق، بل على العكس سيستغله خصومه في تحميله مسؤولية خسارة الحرب أمام إيران، بينما على المقلب الآخر، فإن بقاء الصراع حتى من دون حسم، يساعده في بث سردية استمرار المواجهة حتى القضاء على النظام الإيراني.

الفارق بين ما سعى له ترامب وما أراده نتنياهو هو ما أثار قلق الأخير، فبينما هرول ترامب وراء صورة نصر رمزية تخفف وطأة الانتقادات الداخلية وتحد من النزيف الذي يعاني منه داخلياً على صعيد الرأي العام والاقتصاد قبيل الانتخابات النصفية، حرص نتنياهو على أحد أمرين؛ إما إقناع ترامب بقدرته على إلحاق هزيمة مطلقة بالنظام الإيراني في حال استئناف الحرب واستهداف مراكز الطاقة والبنية التحتية وبنك الأهداف الاقتصادية، وحتى تنفيذ عمليات برية للسيطرة على جزيرة خرج التي تتحكم في تصدير نحو 90% من النفط الإيراني، وغيرها من عمليات الكوماندوز مثل الاستيلاء على نحو 450 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب.

والأمر الثاني العمل على منع التوصل لاتفاق "سيئ" مع إيران واستمرار حالة المواجهة، على أمل أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تأليب الرأي العام الإيراني ودفعه إلى مواجهة النظام، أو المراهنة مجدداً على تدخلات خارجية.

في ضوء الفشل الأميركي في فرض استسلام على إيران، أو انهيار نظامها، أو تفكيك مشروعها النووي بالكامل، بحث ترامب عن إنجاز رمزي ولكنه ملموس في مسألة اليورانيوم المخصب، ولهذا السبب، كانت مسألة الـ 450 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب محور المعركة التفاوضية، وهذا جوهر تصريحات ترامب عندما ربط بين تخفيف العقوبات والتخلي عن اليورانيوم المخصب مقابل هذا التخفيف، بيد أن هذه الصورة لم تمنحها إيران لترامب، ويبدو أن مسألة اليورانيوم المخصب سيؤجل بحثها إلى مراحل لاحقة.

نتنياهو الذي بنى سرديته الخاصة حول إيران منذ نحو ثلاثة عقود، واعتبرها التهديد الوجودي الوحيد على "إسرائيل" وأنها خطر داهم على العالم بأسره، معتبراً أن الحرب هي الحل الوحيد للتخلص من الخطر النووي الإيراني، وأنه الوحيد القادر على دفع الإدارة الأميركية إلى شن حرب على إيران، ورسم لنفسه صورة المخلص من هذا الخطر، ولم يترك وسيلة إلا اتبعها لدفع الإدارات الأميركية السابقة للمشاركة في الحرب على إيران، ونجح أخيراً بعد فشل متكرر، ووجد ضالته في الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وجره إلى الحرب بعد أن أقنعه بقدرته على تكرار السيناريو الفنزويلي، وإذا بنتنياهو يجد نفسه أمام اتفاق لا يختلف جوهرياً عن اتفاق أوباما عام 2015، الذي نجح نتنياهو في دفع ترامب إلى الانسحاب منه عام 2018، وربما يكون الاتفاق الحالي إن تم تنفيذه أكثر سوءاً بالنسبة إلى نتنياهو من اتفاق 2015.

في الاتفاق المبرم، تسقط أهداف إسرائيلية رئيسية، فبدلاً من إسقاط النظام، سيتحوّل الأخير إلى نظام يحظى بشرعية أكبر مع تخفيف العقوبات وتحرير الأموال المجمدة تدريجياً، كما أن برنامج الصواريخ الباليستية سيستمر من دون كوابح، ولا ذكر لامتناع إيران عن دعم الحلفاء، بل ترسخت معادلة وحدة الساحات بشكل أعمق، لا سيما على الجبهة اللبنانية، ولا تتوفر معطيات إلى الآن عن شمول جبهة غزة، وفي حال ضمّت غزة إلى الاتفاق، فإن توحيد الجبهات سيعد النجاح الإيراني الأبرز، كون غزة هي عنوان المعركة الرئيسي، التي تفرعت عنه مختلف عناوين المواجهة.

القلق الإسرائيلي من أن نجاح إيران في الإفراج عن أموالها المجمدة، أو جزء منها، حسب الاتفاق، وتأجيل قضية اليورانيوم إلى المرحلة التالية، سيؤسس لأفضلية تفاوضية لإيران في المراحل التالية للمفاوضات، قد تمكنها من انتزاع مزيد من النقاط لصالحها.

يُعتقد أن ترامب ومعظم فريقه الرئاسي دفعوا باتجاه التوصل إلى اتفاق، وأن الدول الإسلامية المقربة منه، والأسواق، والجدول الزمني السياسي الأميركي، دفعه للتوصل إلى الاتفاق، فما يحتاجه ترامب إثبات أنه لم يتخل عن القضية النووية، ويحتاج الإيرانيون إلى إثبات أنهم لم يستسلموا، وكل طرف الآن يسعى لبث خطاب نصر خاص به وسردية تقنع الداخل والخارج أنه المنتصر، وهذا هو حال الحروب التي لا تحسم في ميادين القتال وتتحوّل فيها الأفضلية للطرف الأضعف عسكرياً من خلال قدرته على الصمود ورفع مستوى الكلفة للطرف المعتدي، والقدرة على تدويل الأزمة، وهو ما نجحت فيه إيران بامتياز، حتى قبل توقيع الاتفاق.

وبالنسبة إلى ترامب، فإن الشكل لا يقل أهمية عن المضمون، بل وأحياناً يفوقه، لذا ربما تكفيه مذكرة التفاهم الحالية للقول بأنه منع حرباً كبرى.

في الوقت نفسه، يحاول ترامب تغيير الصورة النمطية فبدلاً من الحديث عن حرب طويلة الأمد وتهديدات لم تنفذ، يسعى للحديث عن "سلام إقليمي" وتوسيع ما يسمى بـ "اتفاقيات أبراهام"، في محاولة لتسويقها للجمهور على أنها مقدمة لتسوية إقليمية كبرى.

هنا تأتي خشية أخرى لنتنياهو، حديث ترامب عن تسوية إقليمية كبرى، تعوضه عن فشله العسكري في إيران، يجد فيه ترامب نتنياهو عقبة كؤوداً تعيق خططه، فلا يوجد طرف في المنطقة باستثناء الإمارات، مستعد لدفع عجلة التسوية الإقليمية إلى الأمام مع نتنياهو، وحكومة اليمين الفاشي في "إسرائيل"، من هنا برز تصريح ترامب مؤخراً، حول اعتقاده بأن نتنياهو لن يترشح في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ما أثار رعب نتنياهو وليس قلقه وحسب.

بعد التوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، سيجد نتنياهو صعوبة بالغة في مواجهة الاتفاق، فهو من جهة، لن يهاجم إيران بمفرده، ولن يدير أزمة علنية مع ترامب، وبالتأكيد لن يرغب في تخريب مطلب دولي بفتح مضيق هرمز وتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي.

نتنياهو، وعلى مدى سنوات، بنى صورته كزعيم وحيد يجيد التواصل مع الجمهوريين، والضغط على البيت الأبيض، وفهم إيران، وأنه الأقرب إلى ترامب، وبعد توقيع الاتفاق، ستهدم الصورة التي بناها نتنياهو من أساسها.

نتنياهو لم يتعهد عند بدء الحرب على إيران بتحقيق إنجازات تكتيكية بل تعهد بالتخلص من النظام الإيراني وقدراته النووية والصاروخية وقطع صلته بالحلفاء، أو على الأقل هكذا فهم الرأي العام الإسرائيلي من خطاباته، فهم معاني ترددت من نتنياهو شخصياً لا تقبل التأويل، مثل الحسم، النصر المطلق، تغيير الشرق الأوسط، ولم يسع نتنياهو لمجرد إلحاق ضرر بقدرات إيران على إنتاج الصواريخ، واغتيال عدد من قادتها، تم استبدالهم بسرعة، بل وصعدت قيادات يعتقد أنها أكثر تشدداً، وعززت موقع حرس الثورة الإيراني في صناعة القرار.

يدرك نتنياهو أن الرأي العام الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة تلقى وعوداً بأن هذه المرة ستنتهي بشكل مختلف، وفي مثل هذه الحالة، سيكون من الصعب تسويق اتفاق مؤقت على أنه انتصار، وستعرف المعارضة كيف تعري نتنياهو أمام المجتمع الإسرائيلي، المنهك والغاضب، ويريد أن يعرف لماذا وعد بنهاية مختلفة ليحصل بدلاً منها على مرحلة انتقالية أخرى.

حتى لو سعى نتنياهو لتعويض قواعده الانتخابية بحماقات أخرى في لبنان أو غزة أو سوريا، لكن الظاهر أن المزاج الإسرائيلي العام بعد غياب الحسم السريع، سيكون قد سئم الحرب، ولا يمكن التكهن بأن مواجهة جديدة بمستوى أعلى في غزة، أو لبنان، قد يتخللها مزيد من سقوط القتلى من الجنود، واستدعاء مزيد من الاحتياط، وتأثير على الاقتصاد، ستؤدي إلى تحسين حظوظ نتنياهو الانتخابية.

لذلك، يجد نتنياهو نفسه في مأزق، أمام اتفاق "سيئ" يضره، ويصعب تسويقه، أو تخريبه، كما أن التعويض في ساحة أخرى قد لا يجديه انتخابياً.