لماذا يخسر مسيحيو لبنان في زمن الأزمات الكبرى؟

مصلحة المسيحيين في لبنان ليست في التقدّم إلى خطوط الاشتباك، بل في البقاء مساحة توازن وحاجزاً يمنع الصدام المباشر بين الطوائف الكبرى.

0:00
  •  الحياد لا يعني الانسحاب ولا السلبية بل امتلاك قرار عدم التحوّل إلى أداة.
    الحياد لا يعني الانسحاب ولا السلبية بل امتلاك قرار عدم التحوّل إلى أداة.

لم يكن التحريض والتوتر الذي رافق الاستهداف الإسرائيلي لمنزل في تلال عين سعادة واستشهاد مواطنين لبنانيين حدثاً معزولاً على الساحة اللبنانية، بل أتى محمّلاً بسياق سياسي وطائفي مستمر منذ فترة، أدّى إلى محاولة توظيفه في خطاب شدّ العصب والشعبوية. 

وبعيداً عن استهداف المنزل نفسه، إنّ ما يجري من تحريض مستمر واندفاع بعض الأصوات المسيحية لتكون رأس حربة في مواجهة داخلية، يعيد إلى الاذهان سؤالاً قديماً – جديداً: كيف يتموضع المسيحيون في لبنان عند كلّ أزمة كبرى؟ وهل يتعلّمون فعلاً من تجاربهم السابقة، أم يكرّرون الأخطاء نفسها؟

من موقع المراقب، لا بدّ من مراجعة هادئة لمسار طويل من الخيارات السياسية لدى الأحزاب المسيحية، وخصوصاً فيما يتصل بالرهانات على الخارج، منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم.

وغالباً ما أدّت هذه الرهانات إلى خسائر، رغم وجود محطات استفاد فيها لبنان أو بعض مكوّناته من هذا الدعم. ومع ذلك، يبقى السؤال ما إذا كانت هذه الخيارات قد خدمت المسيحيين ككلّ أم جاءت في معظم الأحيان على حسابهم؟

البداية تكون مع عام 1957، حين طرحت إدارة الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور مشروعها لملء الفراغ في الشرق الأوسط بعد تراجع النفوذ البريطاني – الفرنسي.

في تلك المرحلة، أيّد رئيس الجمهورية كميل شمعون حلف بغداد، الذي ضمّ دولاً غير عربية، مثل تركيا وإيران وباكستان، إضافة إلى بريطانيا. هذا التموضع أدّى إلى توتّر داخلي كبير، وانفجر الوضع في ثورة 1958، بدعم مباشر من الرئيس جمال عبد الناصر.

ما انتهت إليه الأزمة حينها كان تسوية أميركية – مصرية مع عبد الناصر، أفضت إلى انتخاب قائد الجيش فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، وهو خصم سياسي لشمعون. عملياً، خسر شمعون وتبيّن باكراً أنّ التسويات الكبرى لا تُصاغ لمصلحة القوى المحلية المتحالفة مع الخارج، بل لمصلحة القوى الكبرى.

تكرّرت هذه التجربة خلال الحرب الأهلية اللبنانية. ففي عهد الرئيس إلياس سركيس، وبعد الاجتياح الإسرائيلي الأول عام 1978، نصحت واشنطن الدولة اللبنانية بنشر الجيش في الجنوب، موحية بأنها قادرة على الضغط على "إسرائيل" للانسحاب.

لكنّ الواقع كان مختلفاً: القصف الإسرائيلي أوقف تقدّم الجيش اللبناني عند بلدة كوكبا، وبقي الجنوب محتلاً، ما شكّل خذلاناً مبكّراً لرئيس الجمهورية في بداية عهده.

خلال عهد أمين الجميل، استمر الحضور الأميركي السياسي والعسكري، لكنّ هذا الدعم لم يترجم قدرة فعلية على الحكم أو فرض التوازن. وعلى الرغم من الخطاب الأميركي عالي السقف، والذي عبّر عنه ريغن أكثر من مرة، لم تتدخّل واشنطن عندما كانت بيروت تتعرّض للقصف، ولم تحمِ الجميل عند نهاية ولايته. بل اعتبرت الإدارة الأميركية أنّ ما تعرّض له، من فرض النفي عليه بضغط من قوى مسيحية، هو شأن داخلي لا يعنيها.

الأمر نفسه انسحب على الدور الذي أدّاه الأميركيون والسعوديون خلال فترة ما بعد 1988، حين قُدّمت وعود للبطريرك الماروني مار نصر الله بطرس صفير بشأن اختيار رئيس للجمهورية من لائحة يضعها بنفسه، وهو ما لم يحصل. ولا يمكن فصل ذلك عن المرحلة التي طُلب فيها من قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع التحرّك ضدّ حكومة العماد ميشال عون، وهو ما قام به فعلياً، وأدّى إلى دخول الجيش السوري إلى المناطق الشرقية. ورغم تنفيذ المطلوب منه، اعتبرت واشنطن لاحقاً أنّ سجن جعجع ومحاكمته شأن داخلي لبناني، لا تتدخّل فيه.

لاحقاً، تمثّل فترة التحوّل الدولي عام 1990 واحدة من أكثر الصفقات البراغماتية حدّة في تاريخ العلاقات الدولية؛ فبينما كانت واشنطن تعرب عن دعمها "الشرعية" اللبنانية، أدّى الغزو العراقي للكويت في آب/أغسطس 1990 إلى تبدّل الأولويات الاستراتيجية.

احتاجت الولايات المتحدة إلى غطاء عربي عسكري وسياسي لعملية "درع الصحراء"، فكان الثمن منح الرئيس حافظ الأسد "الضوء الأخضر" لبسط سيطرته الكاملة على لبنان مقابل انضمامه للتحالف الدولي. هكذا، تحوّل الموقف الدولي من المطالبة بسيادة لبنان إلى تشريع "الوصاية السورية" كأداة لضبط الاستقرار الإقليمي، وهو ما تجلّى بوضوح في الصمت الدولي المطبق أثناء دخول القوات السورية إلى قصر بعبدا في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990، والمرحلة التي تلتها لغاية عام 2005.

من كلّ هذه المحطات، يمكن استخلاص خلاصة واضحة: حين تأتي التسويات الإقليمية الكبرى، فإنّ الأقوياء يحصدون النتائج، أما المسيحيون فلقد دفعوا مراراً ثمن الرهانات على الخارج، سواء بخسارة الصلاحيات، أو بإقصاء القيادات، أو بتهميش دورهم في النظام السياسي.

اليوم، وفي ظلّ الصراع الإقليمي والحرب الدائرة في المنطقة، ولئلا تأتي التسويات الكبرى على حسابهم، على المسيحيين اعتماد موقع الحياد في الإقليم، أو تأدية دور مساحة الأمان بين القوى الداخلية المتنازعة، والتنبّه الى أنّ هناك من يدفع باتجاه جعلهم رأس حربة في مواجهة لا يملكون أدواتها ولا قدرة التحكّم بنتائجها.

مع التأكيد أنّ الحياد لا يعني الانسحاب ولا السلبية، بل امتلاك قرار عدم التحوّل إلى أداة في صراع يفوق القدرة على التحكّم بمساره، مع الحفاظ على شبكة علاقات متوازنة مع العرب وإيران والولايات المتحدة.

في الخلاصة، تقول التجارب بمعظمها إنّ مصلحة المسيحيين في لبنان ليست في التقدّم إلى خطوط الاشتباك، بل في البقاء مساحة توازن وحاجزاً يمنع الصدام المباشر بين الطوائف الكبرى. هذا الدور هو ما يجعل وجودهم ضرورة وطنية، لا ورقة تستخدم ثم تتمّ التضحية بها عند التسوية.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.