لماذا قرّرت واشنطن الدخول للملف الليبي؟
لماذا قرّرت واشنطن الدخول للملف الليبي وما هي تبعات ذلك ودلالاته؟ وهل هذا التحوّل في الدور الأميركي تجاه الملف الليبي هو إعادة تموضع أميركي في القارة الأفريقية أم مجرّد صفقة تقتصر على ليبيا؟
-
لا تمتلك واشنطن أدوات لحلّ الأزمة الليبية.
منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، تحوّلت ليبيا إلى ساحة تنافس إقليمي ودولي؛ وبينما بدا الدور الأميركي فيما مضى مُترنّحاً بين الانخراط المحدود والانسحاب التكتيكي؛ تغيّرت مؤخّراً أولويات واشنطن تجاه الملف الليبي وقرّرت الدخول المباشر لعمق الملف حتى باتت تنافس الدور الأممي؛ فلماذا قرّرت واشنطن الدخول للملف الليبي وما هي تبعات ذلك ودلالاته؟، وهل هذا التحوّل في الدور الأميركي تجاه الملف الليبي هو إعادة تموضع أميركي في القارة الأفريقية أم مجرّد صفقة تقتصر على ليبيا؟
بدأت ملامح الدخول الأميركي المباشر والمُعلن لعمق الملف الليبي في الإحاطة التي قدّمها مبعوث الرئيس الأميركي إلى ليبيا مسعد بولس أمام مجلس الأمن الدولي في 18 شباط/ فبراير 2026، وقد بدأت الإحاطة محمّلة بالرسائل أكثر منها مجرّد عرض دبلوماسي عابر، وأهمّ تلك الرسائل إعلان التحوّل تجاه الملف الليبي في الأجندة الأميركية، إذ لم تكن الإحاطة مجرّد عرض من وجهة نظر أميركية للأزمة الليبية بل بدت إعلان الدخول الأميركي إلى عمق المعادلة الليبية والانتقال من الدور الداعم للحلّ الذي تقوده الأمم المتحدة إلى دور الفاعل المباشر المستأثر بمسار الحلّ والمنفرد به.
حين تدفع واشنطن بمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية إلى مجلس الأمن لتقديم إحاطة تتعلّق بالملف الليبي فهذا إعلان واضح وصريح بأنّ الملف الليبي قد وضع على طاولة البيت الأبيض، وأنّ التعاطي معه لم يعد مجرّد دور سياسي بل مشروع رئاسي يُضاف إلى مشاريع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عموم المنطقتين العربية والأفريقية.
التدخّل الأميركي المباشر في الملف الليبي لم يكن وليد لحظة الإحاطة الأميركية التي قدّمها بولس في مجلس الأمن الدولي، فمنذ العام الماضي بدأ التحرّك الأميركي صوب الملف الليبي يشهد تصاعداً ملحوظاً وذلك من خلال عقد اللقاءات بين الفرقاء الليبيين، وقد عقدت واشنطن لقاءات مع نائب قائد الجيش الوطني صدّام حفتر ومستشار رئيس حكومة الوحدة إبراهيم الدبيبة، وكانت هناك اجتماعات في روما في أيلول/ سبتمبر 2025، ولقاء في باريس في كانون الثاني/يناير 2025.
وفي كانون الثاني/يناير 2026 قام بولس بزيارة ليبيا وعقد لقاء جمع مسؤولي غرب ليبيا وشرقها لإجراء مناقشات وصفها بالمثمرة، وهو الاجتماع الذي وصفه بولس على حسابه بمنصة إكس بأنه جاء في إطار "أجندة السلام الأوسع للرئيس ترامب". وناقش مسعد مع الفرقاء خلال الزيارة سبل توحيد المؤسسات وتعزيز الاستقرار، وفي نيسان/أبريل 2026 ستقوم "أفريكوم" بتدريباتها السنوية مناورة "فلينتلوك 26"؛ في سرت مع القوات الليبية من الشرق والغرب جنباً إلى جنب. يبدو أنّ واشنطن ستقفز نحو مقاربة توحيد المؤسسة العسكرية على حساب الحلّ السياسي لضمان تحقيق مصالحها فقط.
المسكوت عنه والذي يعكس طبيعة الدخول الأميركي للملف الليبي ومحدّدات ذلك أنّ زيارة بولس الثانية مطلع العام 2026؛ شهدت توقيع عقد بملايين الدولارات بين شركة أميركية في مجال الطاقة والحكومة في طرابلس ما يعني أنّ المحدّد الاقتصادي حاضر في التحرّك الأميركي صوب ليبيا. وقد اصطحب بولس معه مسؤولي شركات أميركية كبرى وقّعت عقوداً للاستثمار في قطاع الطاقة لمدة 25 عاماً.
إنّ الدخول الأميركي للملف الليبي وإعلان ذلك من منبر مجلس الأمن الدولي كان يُمكن أن يكون مدخلاً لحلّ مرتقب ومتوقّع في ليبيا لو لم تحكمه محدّدات اقتصادية مصلحية تقوم وفق منطق الرئيس ترامب على مبدأ الصفقة، ولو كان هذا الدور مكمّلاً ومسانداً ومساعداً لدور الأمم المتحدة لا منافساً لها يسعى لإزاحتها بعد إخفاقها المزمن على مدار 15 عاماً.
الدخول الأميركي للملف الليبي عطفاً على حيثياته فإنّ أهمّ أولوياته هو المصلحة الأميركية والنفط الليبي "المحدّد الاقتصادي"، وهو ما عكسه خطاب بولس الذي أبدى اهتماماً بدعم اتفاق برنامج التنمية الموحّد الموقّع في 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، وإبراز دور المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي الليبي.
حضور الملف الاقتصادي بقوة في التحرّكات الأميركية، وهو ما تؤكّده الزيارات واللقاءات التي شهدت توقيع تفاهمات واتفاقات في قطاع الطاقة، وبالتالي فإنّ المقاربة الاقتصادية حاضرة بقوة في السياسات الأميركية تجاه ليبيا. ومن الواضح أنّ واشنطن تسعى للهيمنة الفعلية على الموارد المالية الليبية تحديداً عوائد النفط، لأنها تدرك أنّ المُحرّك الأساسي لفرقاء ليبيا هو المورد المالي، وإذا وضعت واشنطن يدها على ذلك فإنها ستمسك بالملف الليبي سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
بالمناسبة كلّ ذلك يحدث بينما تضع الخزانة الأميركية يدها عميقاً في المشهد الليبي، فهي التي تتحكّم بالعقوبات المالية وتراقب حركة الأموال وتفرض وصايتها على المصرف المركزي وكلّ عمليات التحويل بالعملات الصعبة، وذلك من خلال صندوق النقد الدولي. ما يعني أنّ توجيه السياسة المالية الليبية يتمّ بواسطة ريموت كنترول أميركي.
الدخول الأميركي للملف الليبي يعني أنّ واشنطن قرّرت تغيير قواعد اللعبة من الباطن إلى الظاهر ومن العمل بطريقة غير مباشرة إلى الدخول المباشر لعمق الملف، أما في الإجابة عن سؤال حول أسباب ودوافع الدخول الأميركي لعمق الملف الليبي يحضرني هنا تصريحات الجنرال الأميركي المتقاعد جيمس إل. جونز الذي شغل منصب المستشار السابق للأمن القومي الأميركي والقائد الأسبق للقيادة الأوروبية الأميركية، الذي كتب في مقال نشرته صحيفة جيروزاليم استراتيجيك تريبيون، في شباط/فبراير 2026، يقول: "إنّ ليبيا تمثّل اليوم اختباراً استراتيجياً حاسماً لمدى استعداد الولايات المتحدة للقيام بدور قيادي في منطقة البحر المتوسط، محذراً من أنّ استمرار السياسة الأميركية الحالية القائمة على الانكفاء يفتح المجال أمام قوى دولية أخرى لملء الفراغ".
وقد حدّد الجنرال الأميركي أربعة أسباب تجعل ليبيا قضية استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة: الأول؛ منع عودة التنظيمات المتطرّفة، والثاني؛ الحفاظ على استقرار الحلفاء الأوروبيين في مواجهة الهجرة غير النظامية، والثالث؛ ضمان أمن إمدادات الطاقة، والرابع؛ الحدّ من تمدّد المنافسين الدوليّين على السواحل الجنوبية للمتوسط.
قرار واشنطن الدخول للملف الليبي لا يبدو منعزلاً أو منفصلاً عن توجّه أميركي محكوم بمنطق الصفقات أعمّ وأشمل نحو القارة الأفريقية، وعليه فإنه من الواضح أنّ هناك تحوّلاً في مواقف واشنطن تجاه القارة الأفريقية ودول الساحل والصحراء؛ وليبيا تقع في مقدّمة هذا التحوّل ليس نتيجة صحوة ضمير أميركية متأخرة ولا تعزيزاً لمبدأ التدخّل كأحد مبادئ السياسية الخارجية الأميركية، ولكنه تحوّل محكوم بالمصلحة الاقتصادية البراغماتية البحتة الباحثة عن نفط ليبيا ومواردها فقط، ويبدو أنّ واشنطن قد قرّرت منافسة ومزاحمة كلّ من روسيا والصين في الساحة الليبية وسحب البساط من تحت أقدامهما لاحقاً بادّعاء أنها تمتلك مبادرة لحلّ الملف الليبي.
ختاماً لا تمتلك واشنطن أدوات لحلّ الأزمة الليبية ولا تبدو مهتمة بالحلّ بقدر اهتمامها بالنفط الليبي والموارد المالية، وبالتالي فإنّ التحرّك الأميركي في ليبيا يعتمد مقاربة إدارة الواقع كما هو، إذ لم يأتِ في خطاب واشنطن وإحاطة بولس أيّ حديث عن حلّ سياسي يضمن توحيد المؤسسات الليبية أو الذهاب لتوافق وطني ليبي حقيقي، بل قرّرت القفز نحو موازنة موحّدة وتدريبات عسكرية وتفاهمات اقتصادية وعقود استثمارية.
ختاماً الدخول الأميركي إلى الملف الليبي ليس دخولاً سياسياً أو إنسانياً ولا يسعى للحلّ بقدر سعيه لتحقيق مصالحه، وهو جزء من تنافس دولي على النفوذ والطاقة والحضور في المتوسط وفي شمال القارة الأفريقية، ومؤخراً بدت واشنطن مهتمة بمالي وتونس وتشاد وليس ليبيا فقط، ما يعني أنّ التوجّه الأميركي نحو ليبيا هو جزء من تنافس دولي محكوم بمعادلة مفادها أنه كلما زاد الحضور الروسي أو الصيني في منطقة ما فإنّ ذلك يفضي لانخراط أميركي أكبر في تلك المنطقة وليبيا ليس استثناء من تلك المعادلة.