لقاء الرياض الوزاري .. أنتم مع من؟

الوزراء العشرة الذين جمعتهم الرياض بتوجيهات من واشنطن أثبتوا مرة أخرى أنّ همّهم الوحيد هو إرضاء الرئيس ترامب ورفع ومعنوياته.

  • هل يعي وزراء لقاء الرياض أنّ دولهم ستكون الهدف التالي؟
    هل يعي وزراء لقاء الرياض أنّ دولهم ستكون الهدف التالي؟

في لقائهم "العاجل والمهمّ" أشار وزراء خارجية أذربيجان والأردن والإمارات والبحرين وباكستان وتركيا وسوريا وقطر والكويت ولبنان ومصر والسعودية والذين اجتمعوا في الرياض ليلة الأربعاء (18-3-2026) إلى "خطورة دعم وتمويل إيران للميليشيات التابعة لها في الدول العربية والذي تقوم به خدمة لأهدافها وضدّ مصالح هذه الدول وزعزعة الأمن في المنطقة"، وطالبوها "بشكل جادّ لمراجعة حساباتها الخاطئة ولأنّ تماديها في انتهاك مبادئ حسن الجوار وسيادة الدول ستكون له تبعات وخيمة عليها أولاً وعلى أمن المنطقة كما سيكلّفها ذلك  ثمناً عالياً سيلقي بظلاله على علاقاتها بدول وشعوب المنطقة التي لن تقف موقف المتفرّج أمام تهديد مقدّراتها".

وبعد أن حمّلوا إيران "مسؤولية التوتر الخطير في المنطقة" ومن دون التطرّق ولو بجملة واحدة للعدوان الصهيو-أميركي عليها، هدّد وتوعّد معالي الوزراء طهران "لمسؤوليتها عن استهداف دول الخليج والأردن وتركيا وأذربيجان بصواريخها وبالتالي إغلاق مضيق هرمز"، ودعوها "إلى الوقف الفوري لاعتداءاتها واحترام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومبادئ حسن الجوار كخطوة أولى لإنهاء التصعيد وتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وتفعيل الدبلوماسية سبيلاً لحلّ الأزمات". 

وبشيء من الخجل أدان معالي الوزراء "عدوان إسرائيل على لبنان وسياساتها التوسّعية في المنطقة" ومن دون أن يهملوا "دعم قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح بيد الدولة فقط" وفق المطالب الإسرائيلية والأميركية متجاهلين قصداً أنّ هذا السلاح إنما هو ضدّ الكيان العبري الذي لم يجرأ أحد من حكّام الدول التي شاركت في لقاء الرياض وغيرها حتى على إطلاق رصاصة واحدة على هذا المبين الأجرامي عندما دمّر غزة ولبنان وسوريا".        

وقبل التعليق على "النجاح العظيم الذي حقّقه معالي الوزراء خدمة لمصالح دولهم والعالمين العربي والإسلامي" لا بدّ لنا أن نذكّرهم بواقع دولهم المأساوي طالما هي في خدمة الكيان العبري بشكل مباشر أو غير مباشر بعلم أو من دونه وعلى الأقلّ خلال ما يسمّى بـ "الربيع العربي" الذي دمّر المنطقة برمّتها.

فدول الخليج التي تحتضن على أراضيها ومياهها العشرات من القواعد والمراكز التجسسية الأميركية والبريطانية والفرنسية التي تحمي الكيان العبري  لا ترى في كلّ ذلك استفزازاً لإيران التي تعرّضت للعدوان الصهيو - أميركي الأخير وقبل ذلك في حزيران/يونيو الماضي.

وأما سوريا و"الجيش" الصهيوني على مشارف عاصمتها ويسيطر على كامل أجوائها فلم يتضمّن البيان أيّ فقرة للتضامن معها طالما أنّ الرئيس ترامب قال "إنه هو الذي جاء بأحمد الشرع وجعل منه رئيساً". وأما الأردن وهو شبه مستعمرة أميركية - بريطانية فهو الخندق الأمامي للدفاع عن الكيان العبري الذي نجح حتى الآن في منع الرئيس السيسي، وله علاقات مميّزة مع الرئيس ترامب، من اتخاذ أيّ موقف عملي  متضامن مع إيران.

وهو حال الرئيس إردوغان الذي يعيش تناقضاته المعقّدة في سياساته الداخلية والخارجية طالما أنّ تركيا عضو في الحلف الأطلسي ولأميركا أكثر من عشرين قاعدة معادية لإيران على أراضيها. وأما أذربيجان التي شارك وزير خارجيتها في اجتماع الرياض فهي حليف استراتيجي للكيان العبري الإجرامي وتغطّي معظم احتياجاته من البترول الذي يصله عبر الموانئ التركية.

في الوقت الذي تجاهل فيه الوزراء الحرب "المتقطّعة" بين الجارتين أفغانستان وباكستان التي تملك الأسلحة النووية ولكنها ليست ضدّ الكيان العبري لأنها "ليست شيعية".

بالتذكير أيضاً أنّ ما يسمّى بمجلس التعاون الإسلامي الذي وكالعادة لم يحرّك ساكناً ضدّ العدوان الصهيو-أميركي على إيران المسلمة  وهو حال الجامعة العربية التي رجّحت وعلى لسان أمينها العامّ أحمد أبو الغيط  اتهام طهران، فقد كان موقف منظّمتَي  بريكس و شنغهاي  مثيراً لأنهما لم تعبّرا علناً عن تضامنهما مع إيران وهي عضو في المنظّمتين.

ومن قبيل الصدف وفي اليوم الذي عبّر فيه الوزراء عن "ولائهم الصادق" لواشنطن كان وزير خارجية سلطنة عمان بدر البوسعيدي يحمّل  فيه واشنطن و"تل أبيب" مسؤولية العدوان الأخير على إيران. وكتب البوسعيدي في صحيفة الإكونوميست البريطانية يقول "كان من المفاجئ، وإن لم يكن صادماً، أن تشنّ إسرائيل والولايات المتحدة في 28 شباط/فبراير وبعد ساعات قليلة من آخر جولة محادثات مهمة ضربة عسكرية غير قانونية وضدّ السلام الذي كاد أن يتحقّق خلال فترة وجيزة".

وفي اليوم نفسه أيضاً تحدّث مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب جو كينت مع الإعلامي الأميركي المعروف تاكر كارلسون وحمّل "اللوبي الإسرائيلي في واشنطن مسؤولية الدفع نحو الحرب مع إيران" مؤكّداً "أنّ طهران  لم تكن أبداً  ترغب بامتلاك سلاح نووي، وأنّ التهديد جرى تضخيمه لتبرير التصعيد".

ونفى كينت وبشكل قاطع "أن تكون إيران على وشك إنتاج أيّ قنبلة نووية" قائلاً "إنها لم تكن كذلك  قبل اندلاع الحرب الأخيرة بل وحتى قبل الضربات الأميركية على منشآتها النووية في حزيران/يونيو الماضي".

وأشار كينت وهو مسيحي الديانة والذي استقال من منصبه اعتراضاً على العدوان الأميركي على إيران إلى "استمرار التزام طهران المبدئي والأخلاقي بالفتوى الدينية التي تمنع تطوير السلاح النووي" وأنه "لا توجد أيّ مؤشرات استخباراتية لخرق هذه الفتوى والاتفاقيات الدولية".

وتحدّث كينت بإسهاب عن "تأثير اللوبيات اليهودية في السياسة الأميركية وقال إنّ "ايران لم تشكّل أيّ تهديد مباشر  على الولايات المتحدة وأنّ الحرب جاءت نتيجة ضغوط "إسرائيل" واللوبيات الداعمة لها على واشنطن والبيت الأبيض مباشرة".

 وبتذكير السادة الوزراء بتصريحات الرئيس ترامب المتناقضة حيث يقول تارة "إنّ هدف الحرب هو القضاء على البرنامج النووي"  وتارة أخرى يتحدّث عن "إزالة خطر النظام الإيراني أي الجمهورية الإسلامية المعادية للديمقراطية" ثم يتحدّث باللهجة الإسرائيلية عندما يؤكّد "ضرورة القضاء على الصواريخ البلاستيكية"، لينتهي به المطاف في الحديث عن "خطته للسيطرة على النفط الإيراني وكما فعل ذلك في فنزويلا" علينا أن نذكّرهم أيضاً كيف أنّ ترامب هدّد وتوعّد إيران بالأسوأ إن لم تُبدِ المرونة المطلوبة طوال المفاوضات النووية التي توسّط فيها الوزير العماني البوسعيدي.

ومع أنّ الرأي السائد هو أنّ العرب والمسلمين لا يقرأون أيّ شيء كان على وزراء اجتماع الرياض أن يقرأوا ما كتبه الصحافيان باتريك وينتافر وجوليان بورغر في الغارديان اللندنية (17-3 ) حيث كشفا عن مشاركة مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول في اجتماعات جنيف، وأنه أبلغ رئيس وزراء بريطانيا ستارمر عن "دهشته البالغة من المرونة التي أبداها الوفد الإيراني من أجل التوصّل إلى اتفاق شامل ونهائي يغلق الملف النووي إلى الأبد".

وقال باول "لقد ذهبت طهران بمساعيها لأبعد مما كان في الاتفاق النووي السابق لعام 2015 ووافقت على إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية على تخفيف درجة تخصيب مخزونها البالغ 440 كيلوغراماً من اليورانيوم عالي التخصيب داخل الأراضي الإيرانية، والتعهّد بعدم بناء أيّ مخزونات مستقبلية من هذا النوع من اليورانيوم، وهو ما كان من أهمّ النقاط الخلافية مع الولايات المتحدة".

وفي الجلسة الختامية للمحادثات، ووفقاً لما ورد في المقال نقلاً عن باول "قبلت إيران بتجميد أنشطة التخصيب المحلية لمدة تتراوح بين 3-5 سنوات" وقدّمت عرضاً وصفه الوسطاء بأنه "فرصة اقتصادية عظيمة إذ منحت الولايات المتحدة إمكانية المشاركة في برنامج نووي مدني مقابل رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها تماماً بما في ذلك الأصول المجمّدة في قطر".

وأشارت الغارديان ونقلاً عن باول الذي حضر المفاوضات بصفته مستشاراً للوسيط العماني إلى أنّ "ستيف ويتكوف وجاريد كوشنار لا يملكان أيّ خبرة في شؤون المنطقة ومعلوماتهما عن البرنامج النووي الإيراني سطحية، ولم يدوّنا أيّ شيء خلال المفاوضات التي لم يحضرها أيّ فريق فني".

ونقلت الغارديان عن مشاركين في المفاوضات "كان ويتكوف وكوشنار أشبه بدمى إسرائيلية جرّت رئيساً يريد الخروج من الحرب إلى خوض حرب جديدة".

واعتبرت الغارديان كلّ هذه المعطيات وعلى لسان باول "سبباً كافياً لمنع الحكومة البريطانية من دعم العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران وهو كان كافياً لجنون الرئيس ترامب".

في الوقت الذي كان فيه الرأي السائد ووفقاً للغارديان "أنّ ويتكوف وكوشنر، عن قصد أو جهل، لم ينقلا لترامب حقيقة ما جرى في المفاوضات وأنّ الجانب الإيراني هو الذي كان يقول الحقيقة دائماًّ".

يبدو واضحاً أنّ الوزراء العشرة الذين جمعتهم الرياض بتوجيهات من واشنطن أثبتوا مرة أخرى أنّ همّهم الوحيد هو إرضاء الرئيس ترامب ورفع ومعنوياته، في الوقت الذي يواجه معارضة شديدة إن لم تقل عداءً معلناً ونفياً حتى من حلفائه في الغرب والذي سئموا من مغامراته الطائشة، وبعد أن تحوّل هو وفريقه الأرعن صهيونياً إلى دمى يحرّكهم المجرم نتنياهو كما يشاء.

ومن دون أن يعي وزراء لقاء الرياض أنّ دولهم ستكون الهدف التالي في حسابات هذا المجرم الذي لا يخفي  نيّاته لتحويل هذه الدول إلى محميات صهيونية يحكمها اتباعه وفق مزاجه هو فقط، وبعد أن يحقّق هذا المجرم المدان من قبل محكمة الجنايات الدولية حلمه في إقامة "الدولة" العبرية الكبرى وبضوء أخضر أو مساهمة أو دعم مباشر أو غير مباشر من حكّام المنطقة العربية والإسلامية الذين تواطأوا مع الكيان العبري وسوّقوا لمقولاته الكاذبة ضدّ إيران، وما زالوا يفعلون ذلك فقط لأنّ إيران صمدت وتصدّت وأفشلت كلّ مشاريع ومخططات التحالف الصهيو-أميركي وكما هو الحال عليه الآن وإلا لما اجتمع الوزراء العشرة في الرياض!

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.