كيف نقرأ الارتفاع القياسي للشيكل مقابل الدولار على الرغم من التوترات الجيوسياسية؟
النخب الحاكمة في الكيان الصهيوني، في الحكومة وفي رأس المال المالي، مستمتعة بارتفاع الشيكل، وخصوصاً أن ذلك يحصن المدخرات من التآكل من جهة، ويخفض أسعار المستوردات، وكلفة السياحة في الخارج.
-
تشكل إدارة المعركة الإعلامية عنصراً رئيساً هنا في تحصين اقتصاد الكيان الصهيوني.
لأول مرة منذ أكثر من 30 عاماً، هبط الشيكل "الإسرائيلي" إلى أقل من 3 شواكل مقابل الدولار الأميركي الواحد في الربيع الجاري.
وكان الشيكل قد بلغ أعلى مستوياته سنة 1993، عند 2.88 في مقابل دولارٍ أميركي واحد، ثم عاد للهبوط إلى قرابة 5 شواكل للدولار في حزيران/ يونيو 2002، على خلفية انتفاضة سنة 2000. وكان قد انخفض إلى أكثر من 4 شواكل للدولار عشية الـ7 من أكتوبر 2023 مباشرةً.
لكنّ الشيكل وصل إلى 2.8 للدولار في 29/5/2026. وبلغ في 5/6/2026 ما يعادل 2.93 شيكل للدولار، في مشهدٍ يتسق مع اتجاهه التصاعدي منذ 13/6/2025، عشية العدوان السابق على إيران. وكان يُقايض الشيكل آنذاك بنحو 3.6 للدولار.
تقوى أي عملة طبعاً إذا احتجنا كمية أو وحدات أقل منها لشراء دولار أميركي واحد، وبالتالي فإن الاحتياج لأقل من 3 شواكل للدولار، في مقابل 3.5 - 4 شواكل للدولار، وهو المتوسط العام منذ بداية 2023، عبر 2024، حتى منتصف 2025، يشكل مفارقةً لافتةً من منظور علم المالية الدولية من زاويتين:
أولاً، أنها تأتي في وقتٍ يشهد فيه الدولار مؤخراً، في مقابل العملات الأخرى عموماً، صعوداً في قيمته يخالف اتجاهه إلى الهبوط منذ سكن ترامب في البيت الأبيض بداية سنة 2025، وإن كان صعود الشيكل قد بدأ عندما كان الدولار يضعف، قبل عودته إلى الصعود.
ثانياً، أنها مفارقة تبرز إزاء خلفية التوترات الجيوسياسية المحتدمة في المنطقة، والتي كانت "إسرائيل" طرفاً مباشراً فيها، ودفعت في سياقها أثماناً باهظة من استقرار اقتصادها، الأمر الذي يفترض أن يؤثر على جاذبية الاستثمار الأجنبي والسياحة فيها، وعلى قوة الشيكل.
وهذا فضلاً عن تعطيل وتيرة الحياة الطبيعية، مستوطنات الشمال نموذجاً، الأمر الذي يبطئ دورة الإنتاج والاستهلاك بالضرورة، إضافة إلى الدمار من جراء القصف، وتجنيد جزء من القوة العاملة المنتجة في الاحتياط، والتكاليف المتراكمة للعمليات العسكرية، من غزة إلى لبنان إلى إيران.
وما زالت المؤثرات المتناقضة تفعل فعلها هنا، إذ تتوقع المؤسسات الدولية نمواً مقداره 3.3-3.5% للناتج المحلي الإجمالي في الكيان الصهيوني سنة 2026، على الرغم من تقلص ذلك الناتج بمعدل سنوي مؤكد مقداره 3.3% في الربع الأول من العام الجاري نتيجة الحرب مع إيران! ولنا عودة إلى هذه النقطة.
وللمزيد بشأن تلك المؤثرات المتناقضة، يمكن مثلاً مراجعة مادة "الاقتصاد الإسرائيلي ينزف، ولكن!".
من المهم جداً التنويه، في البداية، إلى أن عامل التوقعات، الحقيقية أو المفبركة، يؤثر في المؤشرات الاقتصادية تأثيراً مباشراً وفورياً، وإن كان قصير المدى، حتى تمحوها أو تعززها توقعات أخرى جديدة. وتلك مسألة استراتيجية إعلامية في المحصلة.
لذلك، يعد الحديث اليومي عن انفراجات سياسية هنا (تشكيل ما يسمى "مجلس السلام" في غزة مثلاً)، واتفاق وقف إطلاق نار هناك (مثل إعلان واشنطن مؤخراً عن اتفاق وقف إطلاق نار في لبنان)، وتواتر أخبار الانجازات المزعومة (على غرار احتلال قلعة الشقيف) من جهة ثالثة، عاملاً مباشراً في تعزيز المؤشرات الاقتصادية "الإسرائيلية"، وعلى رأسها سعر الشيكل (والاستثمار الأجنبي المباشر FDI)، لأنها تخفض علاوة المخاطر Risk Premium، كما يؤكد إعلام العدو ذاته، "كلكاليست" مثلاً في 7/5/2026، أو "تايمز أوف إسرائيل" في 15/4/2026.
ويتبع انخفاض علاوة المخاطرة انخفاض الفوارق بين عوائد السندات الحكومية "الإسرائيلية" من جهة، والأميركية من جهة أخرى، على الرغم من ارتفاع عوائد (ومخاطر) الأخيرة مؤخراً، الأمر الذي يساعد على تفسير ارتفاع الدولار مقابل الذهب، كما جرت الإشارة في مادة أخرى، وارتفاع الطلب على الشيكل.
أهمية انخفاض علاوة المخاطرة للسندات "الإسرائيلية" هو زيادة الثقة بها من طرف المستثمرين الدوليين (جمعت وزارة سموتريتش 6 مليارات دولار منهم بداية العام الجاري)، ورفع تصنيفها الائتماني، كما فعلت مؤسسة Standard & Poor عندما رفعت تصنيف ديون "إسرائيل" إلى "مستقر"، الأمر الذي زاد من الطلب على السندات الحكومية التي تصدرها وزارة المالية في الكيان الصهيوني. وهذا يزيد الطلب على الشيكل.
تشكل إدارة المعركة الإعلامية إذاً عنصراً رئيساً هنا في تحصين اقتصاد الكيان الصهيوني من عواقب انخراطه في حروب مستطيلة ومفتوحة ومتعددة الجبهات، وكأن بعضَ السياسيين والإعلاميين "العرب" المنخرطين في الترويج لتلك الانفراجات والاتفاقات والإنجازات المزعومة عبارة عن قوات محمولة جرى نشرها دفاعاً عن الشيكل واستثمارات رأس المال "الإسرائيلي" داخلياً وخارجياً.
لكنّ البعد الإعلامي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لتفسير صعود الشيكل في مقابل الدولار، حتى والأخير صاعدٌ بدوره، وبالتالي لتفسير صعود الشيكل أكثر في مقابل العملات المربوطة بالدولار، مثل عملات دول مجلس التعاون الخليجي (ما عدا الكويت، التي تربط الدينار بسلة عملات يشكل الدولار أكبر مكون فيها)، والليرة اللبنانية، والدينار الأردني، وغيرها.
وكان "الشيكل الجديد" NIS الذي دخل حيز التداول سنة 1985 مرتبطاً بالدولار الأميركي في البداية، ثم جرى تعويمه بصورة مقيدة، أي ضمن ضوابط، منها مثلاً عدم صعوده أو هبوطه بصورة سريعة جداً ومهددة للاستقرار.
من جهةٍ أخرى، ثمة عامل بنيوي مهم جداً يؤدي إلى ارتفاع الشيكل في مقابل الدولار حالياً هو التلاحم العضوي لرأس المال المالي عالمياً، أي رأس المال الذي يشتغل بالورق (مثل الأسهم، السندات، المشتقات المالية، وحسابات الادخار) بيعاً وشراءً.
ويبرز هنا، على وجه الخصوص، الارتباط بين رأس المال المالي في الكيان الصهيوني من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى (وهذا من أهم عوامل النفوذ الصهيوني، بعيداً عن "إيباك" وأمثالها، والتي تشكل رأس جبل الجليد فحسب).
لا بد من تسليط الضوء هنا على استثمارات الصناديق الاستثمارية "الإسرائيلية" في الأسهم الأميركية، والتي تبلغ عشرات مليارات الدولارات في أي وقت من الأوقات، فضلاً عن أسهم الشركات "الإسرائيلية" المتداولة في أسواق الأسهم الأميركية، وهي 103 شركات حالياً تبلغ مجموع قيمها الرأسمالية نحو 222 مليار دولار، بعائدات سنوية تزيد على 82 مليار دولار.
ويمكن الحصول على قوائم تفصيلية بتلك الشركات، تظهر أن أسعار معظم أسهمها تراجعت اليوم مثلاً.
وهذا كله غير رأس المال المالي اليهودي-الأميركي غير المسجل رسمياً كشركات "إسرائيلية"، أو حتى كشركات أميركية.
المهم، تدفع بيوتات الاستثمار "الإسرائيلية" الشيكل إلى التقدم مقابل الدولار للسبب الآتي: يخاف أولئك المستثمرون من تقلب الدولار، وخصوصاً مسيرته منذ بداية سنة 2025 نحو الانخفاض، الأمر الذي يدفعهم لممارسة ما يسمى "التحوط" Hedging ضد الدولار بشراء الشيكل (وكثيراً ما يكون ذلك بعقود آجلة)، حتى لا تخسر استثماراتهم الأميركية، وهذا يدفع الشيكل صعوداً.
يذكر مثلاً أن أكثر من نصف مدخرات صناديق التقاعد "الإسرائيلية" تذهب إلى شركات مسجلة في مؤشر S&P 500 الأميركي. فإذا كبرت فقاعة الأسهم الأميركية، كما حدث منذ ربيع سنة 2025 (الأمر الذي يتباهى به ترامب كثيراً)، وهي عند مستوى قياسي مؤخراً، تزداد قيمة استثمارات "الإسرائيليين" بالدولار الأميركي، وهذا يكشفهم للمخاطرة إذا انخفض الدولار (أو انفجرت فقاعة الأسهم)، لذلك تقوم الصناديق الاستثمارية "الإسرائيلية" بتخفيف المكون الدولاري في محافظها الاستثمارية بشراء الشيكل وعرض الدولار في الأسواق الحالية أو المستقبلية عندما يزيد ذلك المكون عن 20%، وهذا يقوّي الأول في مقابل الثاني.
وبحسب تقرير معمّق لـ "كلكاليست" في 7/5/2026، فإن حركة مؤشر أسعار حزمة أسهم S&P 500، صعوداً وهبوطاً، باتت أهم مؤشر لسعر الصرف بين الدولار والشيكل. وبحسب أحد الخبراء، فإن ارتفاع مؤشر الأسهم الأميركية 10%، يقوي الشيكل مقابل الدولار بين 2% و3%. وتشير تقديرات المختصين إلى أن 30% إلى 40% من ارتفاع الشيكل مقابل الدولار يعود إلى هذا السبب وحده: ارتفاع قيمة الأصول "الإسرائيلية" في أسواق الأسهم الأميركية والنشاط التحوطي المقابل لشراء الشيكل مقابل الدولار.
وتبلغ قيمة أصول الصناديق الاستثمارية "الإسرائيلية" المقومة بعملات أجنبية نحو 300 مليار دولار، وقد بلغت قيم شراء الشيكل للتحوط في 6 أشهر فقط، بين صيف 2025 ونهاية شباط/ فبراير الفائت 23 مليار دولار.
في المقابل، بلغ الاستثمار الأجنبي (المباشر وغير المباشر) في "إسرائيل" سنة 2025 نحو 39 مليار دولار، مقارنةً بـ 25 مليار سنة 2024. وكثيراً ما يُساق هذا الأمر كأحد أسباب ارتفاع الشيكل مقابل الدولار، لأن الاستثمار الأجنبي يمثل طلباً على الشيكل.
لكنّ هذا الطرح غير مقنع، بالنظر إلى أن استثمارات "الإسرائيليين" في الخارج، والتي تمثل بيعاً للشيكل، وطلباً على الدولار وغيره، ارتفعت من 35 إلى 56 مليار دولار خلال الفترة ذاتها.
وبلغت قيمة أصول "الإسرائيليين" في الخارج، مع نهاية عام 2025، أكثر من 915 مليار دولار.
المهم، لعل أحد أهم آثار ازدياد قوة الشيكل (وغيره) هو تأثيره المهدئ على معدل التضخم، حتى في خضم حالة حرب.
وبلغ معدل التضخم السنوي في نيسان/ إبريل الفائت 1.9% فحسب، وكان يمكن، بحسب أحد التقارير، أن يكون التضخم أكثر من 3% ونيّف لو بقي الشيكل عند 3.7 مثلاً مقابل الدولار.
وكان معدل التضخم في آذار/ مارس 1.9% أيضاً، و2% في شباط/ فبراير، و1.8% في كانون الثاني/ يناير، الأمر الذي دفع البنك المركزي في "إسرائيل" إلى تخفيض معدل الفائدة المرجعي إلى 3.75%، نزولاً من 4%، في 25/5/2026.
وهي علامة ثقة بالسيطرة على التضخم، ومحاولة لتحفيز النشاط الاقتصادي الذي يظهر علامات ضعف، ويؤكد ذلك أن المؤشر الشهري للنشاط الاقتصادي، بحسب ما نشره "بنك إسرائيل المركزي" في موقعه، تقلص 0.2% في نيسان/ إبريل.
جاء ذلك على الرغم من توقعات المؤسسات الدولية، والتي تشكل جزءاً من جوقة المصفقين، لنمو اقتصادي لافت هذا العام، كما جرت الإشارة سابقاً، وعلى الرغم من تزايد الإنفاق الاستهلاكي وقوة الشيكل.
لذلك، يبدو أن النخب الحاكمة في الكيان الصهيوني، في الحكومة وفي رأس المال المالي، مستمتعة بارتفاع الشيكل، وخصوصاً أن ذلك يحصن المدخرات من التآكل من جهة، ويخفض أسعار المستوردات، وكلفة السياحة في الخارج (عندما لا يكون الطيران متوقفاً)، وأنه يجعل الشيكل أكثر قدرة على ابتياع الأصول الأجنبية في الخارج، وعلى زيادة التغلغل "الإسرائيلي" في اقتصادات الدول.
يعني ثمة استرضاء للمستثمرين الماليين هنا، وللمستوطن العادي في الكيان الصهيوني.
لكنْ، ليس كل شيء على ما يرام على صعيد القطاع الخاص المنتِج في الكيان الصهيوني، إذ إن ارتفاع الشيكل يؤدي إلى ضرب قطاعين شديدي الأهمية للاقتصاد "الإسرائيلي"، وهما:
1 – قطاع التصدير.
2 – قطاع التكنولوجيا المتقدمة.
أما قطاع الصادرات، فإن ارتفاع الشيكل يرفع سعر المنتجات "الإسرائيلية" في الخارج على أنواعها، وبالتالي يضرب تنافسيتها، ويهدد بإفلاس المنشآت المعتمدة على التصدير، وبتسريح عمالها وموظفيها، أو بافتتاح فروع إنتاجية لها في الخارج. والدول المصدِرة في العالم (مثل الصين) تسعى عادة لإضعاف عملتها، لا لتقويتها.
وتبلغ الصادرات من الكيان الصهيوني نحو 160 مليار دولار سنوياً، أو ما يعادل 30% من الناتج المحلي الإجمالي. وتشير التقديرات إلى أن 750 ألف عامل وموظف يعتمدون على قطاع التصدير، منهم أكثر من 400 ألف في قطاع التكنولوجيا المتقدمة وحدها.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الشيكل ارتفع نحو 28% منذ حزيران/ يونيو 2025، فإن ذلك يعني أن عائدات المصدرين "الإسرائيليين" انخفضت بالمقدار ذاته بالشيكل. وبحسب موقع "غلوبس"، في 28/5/2026، فإن شركات التكنولوجيا، والتي تمثل أكثر من 50% من الصادرات "الإسرائيلية"، باتت تعاني بشدة.
وهذا الأثر لا يعوضه انخفاض سعر المستوردات إلا جزئياً، لأنه يقوّض الأساس الصناعي، ولا سيما المتقدم منه، في الاقتصاد "الإسرائيلي".
في المقابل، ترفض حكومة نتنياهو التدخل، ويقف البنك المركزي "على الحياد"، الأولى لأن إبقاء معدل التضخم منخفضاً يصب في مصلحتها سياسياً، ولو أدى ذلك إلى تآكل البنية التصنيعية في المدى الطويل، والثاني لأنه القيّم على مصالح رأس المال المالي، المرابي والمضارب، ولو جاء ذلك على حساب رأس المال المنتِج.
الخلاصة إذاً هي أن المؤشرات ربما تبدو جيدة للوهلة الأولى، لكنّ الجوهر، إذا استمر هذا الاتجاه، هو تقويض أحد أهم عناصر قوة الكيان الصهيوني: التصنيع والتكنولوجيا المتقدمة.