كيف غيّر "الفصل العنصري الرقمي" اتجاهات السياسة العراقية؟
المصطلح "الفصل العنصري الرقمي" لا يعني وجود حدود رقمية صلبة؛ بقدر ما يُشير إلى عملية منظمة لإعادة إنتاج الانقسام العِرقي والديني والأخلاقي وحتى الطائفي.
-
كيف أعاد مفهوم الفصل العنصري الرقمي في العراق تشكيل المشهد السياسي؟
شهد مفهوم الفصل العنصري الرقمي في العراق في النصف الأخير لعام 2025 أحد أخطر المتغيرات، التي أعادت تشكيل المشهد السياسي العراقي من بوابة استثمار اللحظات الحساسة من تاريخه المعاصر، وليس آخرها التقاطعات والمفاوضات التي ترافق تشكيل الحكومة الجديدة، مع موجات متصاعدة من الخطاب الرقمي المتوتر، الذي يُعيد فرز الشارع إلى هرج اللا دولة، الذي يحوّل المنصات الرقمية إلى ساحات نشر غسيل التسقيط والابتزاز والتنافس غير الشريف، في اختبار لشرعية كلّ طرف وقدرته على فرض روايته والتأثير في المزاج العام.
فالمصطلح "الفصل العنصري الرقمي" هنا لا يعني وجود حدود رقمية صلبة؛ بقدر ما يُشير إلى عملية منظمة لإعادة إنتاج الانقسام العِرقي والديني والأخلاقي وحتى الطائفي، من خلال محتوى انتقائي يصنع صورة قابلة للتداول؛ أكثر من كونها صورة قابلة للتحقق.
إذ تظهر مجموعات رقمية "موجهة ومموّلة من الشركاء!" تدير حملات مكثفة لتعميق الفجوة بين المكوّنات، من خلال إعادة توزيع التُهم والمخاوف وصناعة سرديات انفعالية؛ تستهدف وعيّ الجمهور وتدفعه إلى تبني مواقف سياسية وإصدار أحكام مسبقة قبل اكتمال المشهد الحقيقي على الأرض، ويتزامن ذلك مع الإرباك السياسي الذي يرافق تشكيل الحكومة. إذ يسعى كلّ طرف إلى تأمين موقعه في البنية التحاصصية المستقبلية للسلطة لا الخدمة!
بينما يعجز الشارع عن قراءة مآلات الإرهاصات والمناكفات السياسية التي يتداخل فيها دور الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين، لتتعزز بالأخطاء والهفوات والتصريحات التي طوّق رئيس حكومة تصريف الأعمال السيد محمد شياع السوداني نفسه بها؛ كجزء من معركة مفتوحة تتجاذبها القوى السياسية، بين من يرى أنها محاولة لفرض إيقاع مختلف على مسار الإصلاح لما يسمونه بالفشل المركب، وبين من يعدّها رسائل صراع تتقاطع مع حسابات النفوذ.
وهو ما أدى إلى اندفاع الجيوش الإلكترونية لكلا الطرفين لصناعة موجات متناقضة بين التهليل والتخوين، لاصطياد المكاسب والنفوذ باستثمار المياه العكرة، في مشهد يعكس حجم التعقيد الذي ينتجه الفصل العنصري الرقمي عندما يتحوّل إلى أداة للهجوم في معركة تسمية الرئاسات الثلاث، إذ تتفاعل هذه الموجات مع الجمهور الذي يعيش أصلاً حالة إرهاق سياسي واجتماعي واقتصادي، لا سيما مع تراكم الملفات التي تنتظر الحسم والحلحلة تحت نار الحرب الإقليمية والدولية المتّقدة تحت جمر التصاعد، مثل: (مكافحة الفساد المالي والإداري الذي كشف فشلاً ذريعاً في أجزاء حساسة منه ومن منظومة العمل المؤسساتي وحادثة "تجميد الأموال أنموذجاً"، الرواتب واختفاء الأموال الضائعة بين أروقة لجان التحقيق، الخدمات العرجاء والترقيعية، إدارة الثروات التي ترنو نحوها عيون ترامب ومبعوثيه وآخرين، منظومات الأمن والحدود والسيادة في ظلّ التطبيق الناعم لما يسمى "مشروع إسرائيل الكبرى"، التوزيع العادل للثروات والموازنات بين المحافظات التي أصبح وضعها كالجمل الذي يَحمل ذهباً ويقتات عاقولاً،..الخ).
فكلما تأخر الحسم في إيجاد شخصيات قادرة على إدارة ومعالجة هذه الملفات؛ تصاعدت معها الحملات الرقمية التي تسعى لإعادة خلق هوية بديلة للشارع العراقي، مبنية على مبدأ "نحن وهم" وهي هوية دخيلة فرضها العُرف السياسي، والتي أدّت تاريخياً إلى انهيارات كبرى في اللحظات الانتقالية. وتظهر خطورة "الفصل العنصري الرقمي" في كونه لا يعكس واقع الانقسام فحسب؛ بل يصنعه من خلال ثلاثة مستويات:
الأول: خلق صورة ذهنية مُضادة لأي مجموعة سياسية أو اجتماعية من خلال سرديات تمسّ هويتها وانتماءها وتراثها، ما يدفع الجمهور إلى إعادة تقييم مواقف لم يَبْنها على معرفة؛ بل على تصورات مصطنعة أو ردود أفعال انفعالية.
الثاني: توجيه الرأي العام إلى خيارات سياسية محسومة سلفاً، تخدم الطرف الأكثر قدرة على التحشيد الرقمي بالاعتماد على المال السياسي، فضلاً عن استثمار موارد الدولة واستغلال المنصب، وليس الطرف الأكثر قدرة على تقديم حلول واقعية وهذه الطامة الكبرى.
الثالث: صناعة حالة من الضباب الكثيف حول ملفات التفاوض من خلال بالونات الاختبار والتسريبات والسرديات المطبوخة بملح الابتزاز والتسقيط، فضلاً عن حرق الأحداث والأسماء "المزيفة"، بحيث تصبح أي خطوة حكومية أو تفاهم سياسي؛ مادة للتأويل والاتهام والتشهير، قبل أن تكون مادة للقراءة الموضوعية. وبذلك يتحوّل الرأي العام إلى ساحة صراع شبيهة بساحات الضغط السياسي، ويصبح تشكيل الحكومة متأثراً ليس بميزان القوى التقليدية فقط؛ بل بميزان القوى الرقمي الذي يفرض إيقاعه على الشارع والإعلام وصُناع القرار على حدّ سواء.
وفي ظلّ حساسية المرحلة الحالية التي يرافقها ما سردناه من تحديات الاقتصاديات العالمية واشتعال الأسواق المحلية بدولار النفط المتأرجح والأمن الغذائي المتناقص، وتغير موازين النفوذ الدولي في دوائر التعددية القطبية؛ يَجد العراق نفسه أمام اختبار وجودي لأن أي حكومة مقبلة ستواجه بيئة استثنائية مُحمّلة بتقلبات دولية- إقليمية وتهديدات أمنية وتحديات اقتصادية- سياسية، بينما يزداد الداخل هشاشة بفعل خطاب رقمي قادر على تفكيك ما تبقى من الثقة بين المواطن والدولة، كما سينعكس هذا الانقسام على البعد الاجتماعي والديني والثقافي من خلال استعادة خطاب التخوين ونَبش الماضي وإعادة تأويل الثوابت العقائدية لتحقيق مكاسب سياسية، وهو ما يَضع المجتمع العراقي أمام خطر التطبيع لا مع "الكيان الغاصب" و "نوبل ترامب" بل مع "الكراهية" بوصفها جزءاً من سمة النقاش العام، وبذا يضع الدولة أمام مهمة أصعب، تتمثل في حماية التنوّع الاجتماعي- التاريخي الذي كان علامة فارقة في العراق لعقود طويلة وسيبقى كذلك ببركة دماء شهدائه والمخلصين من أبنائه.
ومن هنا، أجد أن الإعلام يقف في هذه المرحلة عند مفترق حادّ؛ فهو مطالب بتمثيل الحقائق وتحليلها لا التهريج وركوب "الترند" والتميُّع في الأداء الراقص على مصير الشعب، فعلى الرغم من أنه مُحاصر بجدران من القيود والتضليل والهجمات الرقمية والتصنيفات المسبقة؛ فإن ذلك يجعله عُرضة لثنائية خطيرة: إما الاصطفاف أو الاتهام. وذلك سيجعل أي محاولة للحياد أشبه بالسباحة ضد تيار جارف من السرديات المصممة خوارزمياً لصناعة رأي عام مشحون، قبل أن يكون رأيّاً واعياً، وهنا تبرز الحاجة إلى معالجة استراتيجية شاملة؛ تبدأ من إعادة تعريف حدود الخطاب المقبول، مروراً ببناء منظومة توعية رقمية للشباب، وتعزيز مبدأ المواطنة، من خلال خطاب وطنيّ جامع وصولاً إلى إعادة هيكلة البيئة الإعلامية؛ لتتحوّل من ناقلة للتجاذبات إلى منصة لتهدئة المزاج العام، وتفكيك الروايات المزيفة، لأن معركة تشكيل الحكومة اليوم ليست سياسية فقط؛ بل رقمية بامتياز، وفي حال فشل "المنظومة السياسية" في إدارة هذا الانقسام الرقمي في استثمار هذه الحلول؛ فإن أي حكومة مقبلة ستُولد ضعيفة، وستواجه أزمة شرعية مستمرة، فلن تستطيع تنفيذ ما يُطلب إلا بإعطائها المساحة الكافية من الثقة والدعم وعلى رأسه؛ الدعم المباشر من المتخصصين والمهنيين لا "شرذمة المحيطين" بالمسؤول ومكاتب الإعلام، لصناعة وعيّ وطنيّ قادر بالتشارك لا بالتناحر؛ على مواجهة مرحلة عالمية معقدة تحتاج إلى دولة مستقرة وشعب متماسك ومشهد سياسي أكثر نضجاً من أي وقت مضى.