كيف طورت إيران عقيدة القيادة بالعمق لمواجهة عقيدة الصدمة والترويع الأميركية؟
ما الذي جعل القيادة الإيرانية تتمكن عدة مرات من استيعاب الصدمات التي تلقتها لتبدأ بالمواجهة وتتفوق بعد أسابيع قليلة من بدء العمليات العسكرية؟
-
إيران استطاعت استيعاب الصدمة والرد على العدوان.
في صباح الثامن والعشرين من شباط/ فبراير الحالي شنت الولايات المتحدة و "إسرائيل" عدواناً على إيران بدأ باغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية الإمام علي الخامنئي مع عدد من أفراد أسرته، إضافة إلى عدد من القيادات العليا الإيرانية التي كانت برفقته. كان التقدير الأميركي – الإسرائيلي أن هذه الضربة ستؤدي إلى انهيار الدولة في إيران، خصوصاً أنه كان مخططاً للهجوم أن يتزامن مع انتفاضة عناصر مدعومين من قبل الولايات المتحدة و "إسرائيل" بغية الاستيلاء على السلطة.
كانت المفاجأة في أن النظام لم ينهر، بل استوعب الصدمة ليبدأ الرد الإيراني بعد أقل من ساعة بقصف مكثف لكل القواعد الأميركية في دول الخليج العربية والعراق والأردن، إضافة إلى قصف مكثف للكيان الصهيوني.
هنا بدأت التكهنات تفيد بأن المرشد الذي كان قد تقدم في السن، كان قد أعدّ لموضوع خلافته عبر تعيين علي لاريجاني رئيساً لمجلس الأمن القومي الإيراني، ليكون صمام الأمان من بعده لضمان ديمومة مؤسسات الدولة ونظام الجمهورية الإسلامية في إيران.
إلا أن لاريجاني بدوره تعرض للاغتيال الثلاثاء في الـ17 من آذار / مارس بالتوازي مع اغتيال قائد قوات الباسيج غلام رضا سليماني ووزير الاستخبارات الإيرانية إسماعيل خطيب. وكان من المفترض أن يترافق هذا مع قيام عملاء لـ"إسرائيل" وللأميركيين باستغلال الاحتفالات بعيد النوروز للقيام بانتفاضة تطيح النظام، خصوصاً أن قادة البنية الأمنية الإيرانية قد جرى اغتيالهم.
إلا أن المفاجأة تمثلت مرة جديدة باستيعاب بنية النظام الجمهوري للصدمة وقيام قوات حرس الثورة باعتقال غالبية العملاء، مفشلة بالتالي مخطط ضرب الدولة من الداخل. وهذا يعيدنا إلى حزيران/يونيو 2025 حين تمكنت "إسرائيل" من اغتيال غالبية قادة الصف الأول في الحرس الثوري الإيراني والجيش، مراهنة على أن هذا سيؤدي إلى ضرب البنية الأمنية للدولة، بما يسهل عمل عملائها في ضرب النظام من الداخل من دون الحاجة إلى خوض حرب طويلة الأمد مع طهران، لا تمتلك لا "إسرائيل" ولا الولايات المتحدة القدرة على تحمل تكاليفها.
إلا أن إيران استطاعت استيعاب الصدمة والرد على العدوان، وتمكّنت من خوض حرب لمدة 12 يوماً كان يمكن لها أن تطول أكثر لولا طلب "إسرائيل" وقف إطلاق النار نتيجة الأضرار الجسيمة التي لحقت بها.
هنا يجب طرح السؤال، ما الذي جعل إيران تتمكن من امتصاص صدمة الاغتيالات المتتالية لقادة الصف الأول واستبدالهم بقادة الصف الثاني والثالث والرابع. قد يكون وجه الشبه يكمن في تجربة الاتحاد السوفياتي خلال الحرب العالمية الثانية، أو الحرب الوطنية العظمى التي طورت خلالها موسكو استراتيجية الدفاع بالعمق في مواجهة الاستراتيجية النازية القائمة على الحروب الخاطفة القائمة على الحركة السريعة والاختراق وإحداث صدمة تشل العدو.
فهل إن إيران اقتبست هذه الاستراتيجية من السوفيات لتطبقها على نمط القيادة والسيطرة في مواجهة الاستراتيجية التي طورتها الولايات المتحدة خلال التسعينيات من القرن الماضي والقائمة على عقيدة الصدمة عبر توجيه ضربة قاصمة ضد القيادة وبنية التحكم والسيطرة عند الخصم، والتي استخدمتها في أفغانستان والعراق ومؤخراً في فنزويلا؟
البليتزكريغ الألمانية في مواجهة الدفاع بالعمق السوفياتية
للإجابة عن هذا السؤال يجب العودة إلى الاستراتيجية الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية، والتي كانت تقوم على مزيج من الابتكار التكتيكي والطموح التوسعي عبر الحرب الخاطفة "البليتزكريغ" التي تقوم على السرعة والمفاجأة بدل الحرب الطويلة، وعلى استخدام مكثف للدبابات التي تتحرك بدعم جوي قريب عبر سلاح الجو، مركزة على اختراق خطوط العدو بدل استنزافه، وذلك بهدف تحقيق نصر سريع قبل أن يتمكن العدو من تعبئة موارده.
هذا ما جعل ألمانيا تحقق انتصارات خاطفة ضد بولندا في العام 1939 وتتمكن من اجتياح كل من الدنمارك والنرويج وهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ وفرنسا في ربيع العام 1940، لتتحضر بعدها لاجتياح الاتحاد السوفياتي في ربيع العام 1941.
في مواجهة استراتيجية الحرب الخاطفة الألمانية، كان الاتحاد السوفياتي يحضر سراً استراتيجية المواجهة مع ألمانيا النازية بسبب وعيه لحقيقة أن هتلر كان يريد اجتياح الاتحاد السوفياتي وتحويله إلى مجال حيوي لنفوذه.
في هذا الإطار، قام القادة السوفيات بتطوير استراتيجية مواجهة تقوم على الدفاع بالعمق، والتي تُعد من أهم الابتكارات العسكرية في التاريخ الحديث، وقد لعبت دورًا حاسمًا في إيقاف ثم استنزاف الهجوم الألماني النازي، خصوصًا خلال عملية بارباروسا. وقد تم تطوير هذه الاستراتيجية لإدراك القادة السوفيات من أن المواجهة المباشرة على خط دفاع واحد ستكون كارثية بالنسبة للاتحاد السوفياتي، في ظل التفوق التكنولوجي الكبير لألمانيا النازية، والتي كانت مدعومة من كبريات دوائر القرار في الغرب الجماعي بشكل عام.
وتقوم استراتيجية الدفاع بالعمق على عدم الاعتماد على خط دفاعي واحد، بل إنشاء عدة خطوط دفاعية داخل أراضي الدولة، بحيث يتم امتصاص الهجوم الأول ثم إبطاء تقدم العدو ثم استنزافه تدريجيًا، وأخيرًا الانتقال إلى الهجوم المعاكس.
وقد ارتكزت العقيدة العسكرية هذه على ثلاثة عناصر رئيسية تقوم على تعدد خطوط الدفاع، حيث يتم وضع خط أمامي لامتصاص الصدمة، تليه خطوط ثانوية للعرقلة، ثم خطوط خلفية للتحصن وإعادة التنظيم.
وقد تميزت هذه الاستراتيجية بالمرونة التكتيكية، إذ إنها لم تكن تتطلب التمسك بالأرض بأي ثمن، بل التراجع المنظم عند الضرورة وسحب القوات لتجنب الإبادة وإعادة نشرها في خطوط دفاعية جديدة. كما أنها كانت تستهدف استنزاف العدو عبر إجبار القوات الغازية على التقدم لمسافات طويلة، بما يطيل خطوط الإمداد، ما يجعلها عرضة لهجمات مستمرة.
وكان الاتحاد السوفياتي يستفيد من مساحته الواسعة لضمان عمق جغرافي للعمليات أسهم في امتصاص الهجوم داخل الأراضي السوفياتية والاستفادة من المسافات الشاسعة والطقس القاسي، خصوصاً في ظل اعتماد سياسة الأرض المحروقة التي تقوم على تدمير الموارد قبل انسحاب القوات وحرق المحاصيل وتفكيك المصانع بغية حرمان العدو من الاستفادة من الأراضي المحتلة.
وبعد إنجاز هذا الأمر ينتقل المدافعون إلى الهجوم المضاد مستفيدين من إنهاك العدو حيث يتم شن هجمات مضادة واسعة بغية استعادة الأراضي ونقل الحرب إلى أراضي العدو، وهذا ما نجح السوفيات في تحقيقه بعد معارك ستالينغراد في شتاء العام 1943 وكورسك في صيف العام نفسه وبرغاتيون في العام 1944 قبل أن ينتقلوا للتوغل في الأراضي الألمانية ومحاصرة برلين وتحقيق النصر في الحرب العالمية الثانية.
استراتيجية القيادة في العمق لمواجهة عقيدة الصدمة الأميركية
خلال التسعينيات من القرن الماضي كانت الولايات المتحدة تستعد لفرض هيمنتها الأحادية القطبية على العالم، وكانت قد تعلمت من دورس حرب فييتنام محاولة إيجاد استراتيجية لا تجعل الولايات المتحدة تنجر إلى حروب طويلة تستنزفها.
في هذا الإطار، قام الإستراتيجيون الأميركيون بتطوير استراتيجية الصدمة والترويع بغية شل الخصم منذ اللحظات الأولى، بدل الدخول في صراعات استنزاف طويلة. وتقوم هذه العقيدة على استخدام كثيف للقوة النارية وتوجيه ضربات دقيقة ومكثفة لمراكز القيادة والسيطرة، بالاستفادة من التفوق التكنولوجي الجوي الكبير الذي تتميز به الولايات المتحدة، بالتوازي مع شن حملة تهويل إعلامية، وذلك بهدف إحداث حالة من “الصدمة النفسية” تجعل العدو يفقد القدرة على القتال أو اتخاذ القرار.
وقد نجح الأميركيون بتطبيق هذه الاستراتيجية خلال غزو أفغانستان في العام 2002 والعراق في العام 2003، وهم حاولوا الأمر نفسه مع إيران خلال حرب الاثني عشر يوماً في حزيران 2025 وخلال الحرب الجارية الآن.
في المقابل فإن ما نجحت فيه الولايات المتحدة في مواجهة أفغانستان والعراق سابقاً، فشلت في تحقيقه ضد إيران. ففي حزيران/ يونيو 2025 تم توجيه ضربة إلى مجمل القيادة الإيرانية، وتم اغتيال عشرات القادة العسكريين من الصف الأول باستثناء المرشد الإيراني، وقد ترافق ذلك مع حملة تهويل إعلامية وتنسيق أعمال تخريب داخلية، إلا أن القيادة الإيرانية سارعت لتعيين قادة مكان القادة الذين تم اغتيالهم، من دون أن يؤثر ذلك على كفاءة الرد الإيراني على العدوان، والذي بدأ في ليلة الجمعة من اليوم نفسه الذي بدأ فيه العدوان.
وعلى مدى 12 يوماً، نجحت إيران في توجيه ضربات إلى العدو الصهيوني أجبرته على طلب وقف إطلاق النار. وبعد أشهر قليلة كررت الولايات المتحدة و "إسرائيل" المحاولة مع قيامها في يوم السبت الواقع في الـ28 من شباط/ فبراير باغتيال المرشد السيد علي الخامنئي وعشرات من القادة برفقته، مراهنة على إحداث صدمة تترافق مع قيام انتفاضة داخلية يحركها عملاء إسرائيليون وأميركيون، إلا أن الإيرانيين كانوا هذه المرة أسرع في استيعاب الصدمة، حيث تم تعيين بدلاء عن القادة الذين استشهدوا، وبدأ الرد على العدوان بنطاق أوسع بعد 45 دقيقة على اغتيال المرشد.
وعلى الرغم من اغتيال رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني ومعه قائد الباسيج ووزير الاستخبارات الإيرانية، إلا أن هذا لم يؤثر على منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، التي زادت من حدة ردها، محققة مفاجآت تمثلت بالسيطرة الصاروخية على أجواء منطقة الشرق الأوسط والكيان الصهيوني.
خلاصة
في هذا الإطار يطرح السؤال، ما الذي جعل القيادة الإيرانية تتمكن عدة مرات من استيعاب الصدمات التي تلقتها لتبدأ بالمواجهة وتتفوق بعد أسابيع قليلة من بدء العمليات العسكرية؟
قد يكمن الجواب في ما أُعلن عنه في طهران من أنه تم تعيين ما لا يقل عن سبعة أو ثمانية قادة لكل منصب، بحيث يحل قائد مكان القائد الذي يجري اغتياله، بما يؤمن استمرارية القيادة ويمنع شل منظومة السيطرة.
هذا يعيد إلى أذهاننا عقيدة الدفاع بالعمق السوفياتية التي نجحت في امتصاص عقيدة البليتزكريغ الألمانية. في هذا الإطار، هناك دلائل قوية على أن ما ابتكره الاتحاد السوفياتي على صعيد الجبهات العسكرية، قامت إيران بتطبيقه على منظومة القيادة، أي القيادة بالعمق، بما يضمن شل عقيدة الصدمة والترويع التي ابتكرتها الولايات المتحدة.