الجزائر والحرب على إيران
استفادت الجزائر من الحرب على إيران في رفع صادراتها من الغاز للدول الأوروبية، لكنها فائدة معلّقة على قدرة الجزائر في توظيف ذلك على إحداث تنمية اقتصادية شاملة والنجاة من التضخّم العالمي.
-
استفادت الجزائر من الحرب على إيران في رفع صادراتها من الغاز للدول الأوروبية.
أعادت الحرب على إيران رسم خارطة العلاقات الدولية والتحالفات الإقليمية ليس على مستوى منطقة الشرق الأوسط فقط بل مكوّنات النظام الدولي كافة، ولم يقتصر ذلك على البعد العسكري والسياسي حتى وصل إلى البعد الاقتصادي، وتمثّلت أحد أبرز تداعيات الحرب على إيران في اضطراب أسواق الطاقة العالمية، خصوصاً مع تصاعد التداعيات في منطقة الخليج التي تُعدّ أحد أهمّ ممرات النفط والغاز في العالم.
ومع اتساع رقعة الحرب على إيران، دخل النظام الدولي مرحلة جديدة من إعادة ترتيب موازين القوى والموارد الاستراتيجية. وبينما تركّز الاهتمام الدولي على التداعيات العسكرية والأمنية للصراع، برزت دول أخرى في المشهد تحاول استثمار التحوّلات الحاصلة التي فرضتها الحرب. وفي هذا السياق ظهرت الجزائر من بين الدول التي تمكّنت من توظيف الحرب والاستفادة منها لصالح تعزيز موقعها الاقتصادي والدبلوماسي في الإقليم وفي النظام الدولي. والسؤال كيف استفادت الجزائر من الحرب على إيران؟ وما هي حيثيات هذا التوظيف ودلالاته؟.
قبل الذهاب لفهم أشكال ومؤشّرات التوظيف الجزائري للحرب على إيران من المهم استحضار موقف الجزائر من تلك الحرب ولماذا اختارت الوقوف في المنطقة الرمادية؟ إذ إنّ الموقف الحذر الذي تبنّته الجزائر تجاه الحرب على إيران أثار العديد من التساؤلات؛ فالدولة التي عُرفت تاريخياً بدعمها لخطاب مناهض للهيمنة الدولية وبدفاعها عن سيادة الدول، اختارت هذه المرة موقفاً متحفظاً، بعيداً عن تقديم دعم سياسي صريح لطهران أو حتى إدانة الحرب على إيران.
ويبدو أنّ الجزائر قرّرت تغليب الاقتصاد على السياسة والإيرادات على الموقف، وبالتالي فإنّ الموقف ليس مسألة تتعلّق بالحذر الدبلوماسي أو الحيادية، بل بحسابات اقتصادية استراتيجية ترتبط بموقع الجزائر في معادلة الطاقة العالمية وطبيعة علاقتها بالدول الأوروبية.
ففي عالم تتزايد فيه أهمية أمن الطاقة، تُصبح مواقف الدول في الأزمات الدولية والحروب مرتبطة بشكل وثيق بحسابات الاقتصاد. ذلك أنّ الحروب الكبرى لا تُعيد رسم الخرائط العسكرية فقط، بل تعيد ترتيب وتشكيل حسابات الاقتصاد ولا سيما ما يتعلّق بالطاقة، وعليه وجدت الجزائر التي تملك موارد طاقة كبيرة جداً في الحرب على إيران فرصة لتعزيز حضورها ولا سيما في أسواق الطاقة.
وفي هذا السياق برزت الجزائر كمورد موثوق للطاقة بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي، خاصة في ظلّ سعي هذه الدول إلى تنويع مصادرها وتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مناطق النزاع. وقد أدّى ذلك إلى ارتفاع الطلب على الغاز الجزائري، ما منح الجزائر فرصة لتعزيز عائداتها المالية وترسيخ موقعها كأحد أهمّ مزوّدي الطاقة للقارة الأوروبية.
ومع تصاعد الحرب، ارتفعت المخاوف من تعطّل الإمدادات المقبلة من منطقة الخليج، الأمر الذي دفع العديد من الدول الأوروبية المستهلكة للطاقة إلى البحث عن مصادر بديلة أكثر استقراراً فاتجهت إلى الجزائر. التي وجدت نفسها في موقع استراتيجي يسمح لها بزيادة أهميتها كمصدر للطاقة بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي.
دفعت تداعيات الحرب على إيران الدول الأوروبية إلى تكثيف جهودها لتأمين مصادر بديلة ومستقرة للطاقة، وهو ما أعاد تسليط الضوء على الجزائر باعتبارها أحد أبرز موردي الغاز للقارة الأوروبية. فموقع الجزائر الجغرافي على الضفة الجنوبية لـلبحر الأبيض المتوسط، إضافة إلى شبكة خطوط الأنابيب التي تربطها مباشرة بأوروبا، جعلاها شريكاً في توريد الطاقة لا يمكن تجاوزه. وقد انعكس ذلك مباشرة في الزيارات المكوكية الأوروبية للجزائر من أجل تعزيز علاقات التعاون في مجال الطاقة بين الجزائر وعدد من الدول الأوروبية، خصوصاً إيطاليا وإسبانيا وصربيا.
الحرب على إيران وحاجة الدول الأوربية للغاز الجزائري، أتاحت للجزائر مساحة مناورة في شروط التفاوض لإعادة تقييم علاقاتها السياسية وشراكتها الاقتصادية وصادراتها للدول الأوروبية. وبالتالي تطوّر العلاقات بين الجزائر والدول الأوروبية كأحد أشكال الاستفادة من الحرب على إيران لم يقتصر على أسواق الطاقة وتوريدها، لكنه فتح الباب أمام مجالات توسيع التعاون الاقتصادي، بعض الدول الأوروبية بدأت تنظر للجزائر كشريك اقتصادي محتمل في مجالات الاستثمار والصناعة.
وبالفعل هناك توجّه أوروبي يسعى لإعادة توطين بعض الصناعات في مناطق قريبة جغرافياً من القارة الأوروبية، وهو ما يمنح الجزائر فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي ومن مواردها الطبيعية. ولا سيما أنّ أوروبا تشكّل الشريك الاقتصادي الأول للجزائر، سواء من حيث التجارة أو الاستثمارات أو سوق الطاقة. ولذلك فإنّ أيّ تحوّل في العلاقة الاقتصادية مع أوروبا ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد الجزائري شريطة تعدّد أشكاله وعدم اقتصاره على الغاز فقط.
تجلّت تلك الانعكاسات الإيجابية على اقتصاد الجزائر كأحد أشكال الاستفادة من الحرب على إيران تحديداً مع إغلاق مضيق هرمز في قفزة صادراتها من الغاز المسال بنسبة 74% في فترة وجيزة، مما وفّر لها إيرادات مالية كبيرة؛ وعزّز موقعها كمورد موثوق للطاقة، ففي وقت تتخوّف فيه دول شمال أفريقيا من تداعيات الحرب المرتبطة بإيران وارتفاع أسعار الطاقة، تبدو الجزائر في موقع مختلف نسبياً، إذ تبرز كأحد المستفيدين من القفزة في أسعار النفط والغاز. فقد تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، أي أعلى بنحو 40% من السعر المرجعي الذي بُنيت عليه الموازنة الجزائرية لعام 2026. وبالتالي هذا الارتفاع يمنح الجزائر دفعة مالية غير متوقّعة، في ظلّ اعتمادها الكبير على صادرات المحروقات، التي تشكّل نحو 90% من إجمالي صادراتها وقرابة 60% من إيرادات الميزانية.
التقارب الجزائري الأوروبي في ظلّ الحرب على إيران منح الجزائر أيضاً فرصة لتعزيز دورها في الملفات الإقليمية، خاصة في منطقة الساحل الأفريقي التي تشكّل مصدر قلق أمني متزايد بالنسبة لأوروبا. فالدول الأوروبية تدرك أنّ الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وخبرتها الأمنية، يمكن أن تؤدّي دوراً مهماً في إدارة التحدّيات الأمنية في هذه المنطقة، وهو ما يضيف بعداً استراتيجياً جديداً للعلاقة بين الطرفين.
استفادت الجزائر سياسياً من خلال تجاوز العزلة الدولية التي أعقبت اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمغربية الصحراء الغربية بفكّ تلك العزلة وقد شهدت خلال الحرب المندلعة على إيران وتصاعد أزمة الطاقة حراكاً دبلوماسياً أوروبياً مثّلته زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، ثم زيارة وزير الخارجية الإسباني ورئيس الوزراء الصربي تباعاً، حيث جمعهم هدف مشترك يتمثّل في تأمين إمدادات إضافية من الغاز الجزائري نحو أوروبا.
تُرجّح بعض التقديرات بأنّ الجزائر بصدد مراجعة أسعار الغاز، واحتمال رفعها بنسبة تصل إلى 20 بالمئة بالنسبة للكميات الإضافية الموجّهة إلى أوروبا. إذا تمكّنت الجزائر من ضمان أسعار تصدير أعلى أو زيادة طاقتها الإنتاجية، فستتمتّع بميزة اقتصادية كبيرة على منافستها المغرب، ولا سيما مع تنافس البلدين الجارين على النفوذ في منطقة الساحل وغرب أفريقيا الأوسع نطاقاً جنوبهما.
يُذكر أنّ الجزائر وقّعت خلال الأسبوعين الماضيين وبهدوء اتفاقية مع ساحل العاج للتعاون في مشاريع الغاز والنفط. وجاء ذلك بعد فترة وجيزة من إعلان الجزائر أنّ شركة سوناطراك الحكومية للطاقة ستبدأ عمليات التنقيب عن النفط والغاز هذا الشهر في النيجر، وأنها التزمت ببرنامج بقيمة 88 مليون دولار لتحديث البنية التحتية للتعدين والطاقة في بوركينا فاسو.
في شكل آخر من أشكال استفادة الجزائر من الحرب على إيران توظيف وحاجة الدول الأوروبية الملحة للطاقة؛ جدّدت الجزائر مطالبتها بضرورة إحداث مراجعة شاملة لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي الذي وقّع في نيسان/أبريل 2002؛ إذ ترى الجزائر أنّ هذا الاتفاق لا يراعي مصالحها التجارية والاقتصادية، وطالبت بتسهيلات لدخول منتجاتها إلى الأسواق الأوروبية، ولا سيما المنتجات الزراعية والغذائية والمنتجات الحديدية والإسمنت وغيرها؛ حيث تعاني المنتجات الجزائرية غالباً من شروط تعتبرها الجزائر تعجيزية.
وفي ما يبدو أنه توظيف مصحوب بضغط سياسي جزائري في خضمّ أزمة الطاقة وتزايد احتياجات أوروبا لمزيد من إمدادات الغاز الجزائري. قام وزير الخارجية أحمد عطاف بجولة دبلوماسية مكوكية شملت كلاً من كرواتيا وبلجيكا وسويسرا، من أجل تسهيل أفضل لدخول المنتجات الجزائرية إلى الأسواق البلجيكية والأوروبية.
ختاماً استفادت الجزائر من الحرب على إيران في رفع صادراتها من الغاز للدول الأوروبية، لكنها فائدة معلّقة على قدرة الجزائر في توظيف ذلك على إحداث تنمية اقتصادية شاملة والنجاة من التضخّم العالمي، وليس تجاوز العجز في الميزانية فقط. وتوظيف ذلك في دعم سياساتها الخارجية تجاه الدول الأفريقية وتعزيز علاقاتها الدولية؛ إذ إنّ الجزائر في فترة ما قبل الحرب على إيران اتسمت سياستها الخارجية بالانطوائية والانتقائية. ولكنها الآن انتقلت إلى البراغماتية وهذا تحوّل غير مسبوق في محدّدات سياستها الخارجية وخطاباتها الدبلوماسية وعليها مراعاة هذه التحوّلات مع الجبهة الداخلية إذ إنه من المهم أن يفهم الشارع الجزائري أسباب تلك التحوّلات.