كوبا.. أيقونة الكاريبي

كوبا كانت الأكثر استهدافاً منذ أن تمكّنت من التأسيس لنموذج مغاير لكلّ نظريات التبعيّة وأدواتها، وتحويل ذلك إلى كرة ثلج متواصلة في قلب حركة التحرّر العالمية. 

  • تحوّلت كوبا إلى أيقونة كاريبية ونموذج لكلّ الشعوب الطامحة بالاستقلال والتحرّر والتقدّم.
    تحوّلت كوبا إلى أيقونة كاريبية ونموذج لكلّ الشعوب الطامحة بالاستقلال والتحرّر والتقدّم.

مثل كلّ ظاهرة تستدعي نقيضها، فإنّ جزيرة إبستين هي التعبير الحقيقي عن الرأسمالية ووحشيّتها وانحطاطها الأخلاقي عموماً، وعن الإمبريالية الأميركية خصوصاً، استدعت نقائضها من الجزر الأخرى، سواء كانت من عالم اليوتوبيا مثل الجزر الفاضلة عند توماس مور وابن طفيل، ومن العالم الروائي مثل جزيرة هكسلي، أو من العالم الحيّ مثل جزيرة كوبا. 

الثورة

إلى ما قبل الثورة بعقود خضعت كوبا لموجات من الأنظمة الفاسدة البوليسية التي حوّلت الجزيرة إلى ماخور ووكر لتجارة المخدرات وغسيل العملة والمافيات والعصابات الأميركية، والأسوأ القهر الطبقي وحرمان العمال والفلاحين والطبقات الشعبية من الحدّ الأدنى في حياة كريمة، ناهيك عن القمع السياسي على غرار ديكتاتوريات الكاريبي وأميركا اللاتينية. 

بالرغم من الإرهاصات النضالية السياسية والنقابية وأخرى لجأت إلى أشكال أولية من الاحتجاجات المسلحة وسقط فيها عشرات المقاومين، إلا أنّ المحطة الأولى النوعية على طريق التحرّر من التبعيّة والهيمنة الأميركية والفساد والمافيات، هي ثورة 26 تموز/يوليو 1953 بقيادة فيدل كاسترو، والتي أخفقت وانتهت بمقتل واعتقال المشاركين فيها. 

بعد سنوات تمكّن كاسترو، الأستاذ في الحقوق، والطبيب غيفارا و82 ثائراً في المنفى من دخول جبال سييرا مايسترا على متن القارب الشهير (غرانما) الذي صار من أيقونات الثورات في كلّ مكان، ولم تقلّل إصابة القائدين واستشهاد عدد كبير من هذه الطليعة من مواصلة المسيرة والاشتباك مع قوات الطاغية الفاسد باتيستا وحسم المعركة والنزول إلى المدن، وصولاً إلى هافانا بعد عامين تقريباً (1956 – 1958). 

لم تتقبّل الدوائر الأميركية وتحالف الشركات والمافيات الهزيمة ولم تتوقّف عن التدخّل وإعداد المخططات المتتالية لإنهاء الثورة، وكان أشدّها خطراً غزو كوبا 1961 بإشراف مباشر من رجال الوكالة (المخابرات الأميركية)، لكنّ التفاف الشعب الكوبي حول ثورته وقيادته الجديدة أحبط هذه المحاولة واستبدل أسرى العدوان بـجرّارات ومعدات زراعية. 

تحوّلت كوبا بسرعة إلى أيقونة كاريبية ونموذج لكلّ الشعوب الطامحة بالاستقلال والتحرّر والتقدّم، وحظيت بدعم واسع من كلّ القوى المناهضة للإمبرياليين وأعوانهم وأدواتهم في العالم.

بل إنّ الاتحاد السوفياتي لم يكتفِ بالمساعدات الاقتصادية والتقنية والمواقف السياسية، بل اتخذ سياسة ردعية استراتيجية علنية بينها ما عرف بأزمة الصواريخ العالمية. 

هكذا وعلى مدار عقود مديدة، وكوبا على مرمى التهديدات الأميركية المباشرة وحصار اقتصادي يعدّ الأطول في العالم، من دون أن ينال لحظة واحدة من هذه التجربة الثورية أو يجبرها على الخضوع والاستسلام لأعتى إمبريالية متوحّشة في التاريخ. 

إذا كان اسم جيفارا (الأرجنتيني) وأحد صانعي هذه الثورة إلى جانب كاسترو ورفاقه الكوبيّين قد ارتبط بفكرة الثورة الدائمة وأمميّتها، سواء في أدغال أفريقيا أو جبال الأنديز أو لقاءات مع قادة العالم الوطنيين الكبار أمثال جمال عبد الناصر، فإنّ أوهام العزلة في دولة صغيرة كانت بعيدة عن كاسترو، الذي حذّر من أنّ الثورة ليست سريراً من ورود بل حالة صراع مستمرة، بقدر ما حرمت كوبا من تحوّلات سريعة، بقدر ما حصّنتها باقتصاد مستقل وفضاء معرفي إبداعي وطني. 

النموذج

من المؤكّد أنّ من يزور كوبا للمرة الأولى لا يجد فيها من المظاهر الاستهلاكية التي اعتاد عليها كثيرون في بلدان أخرى من الجنوب العالمي، فيما الواقع الاقتصادي والاجتماعي والطبقي يخفي وراء الأبراج والمولات والشوارع التي تزدحم بالسيارات الحديثة، واقعاً مزرياً من ديون الأفراد والدول والجوع والبطالة والفقر وأطفال الشوارع والافتقار إلى الحدّ الأدنى من شروط الحياة الكريمة الخاصة بالعمل والطبابة والتعليم والفضاء الثقافي العامّ، ناهيك بسيطرة حيتان النهب والفساد واللصوصية. 

 ثمّة نموذج مختلف في كوبا، من حيث القوة المنتجة ومكانتها الاجتماعية، ومن حيث التعليم المجاني في كلّ المراحل الدراسية بما فيها المرحلة الجامعية، ومن حيث التأمين الصحي الشامل الذي يغطي كلّ الشعب الكوبي.

بل إنّ كوبا تعدّ دولة مصدّرة للأطباء ولا سيما للدول الفقيرة، ولا تزال موجات الأطباء الكوبيّين الذين تدفّقوا على دول عديدة بينها دول رأسمالية مثل إيطاليا خلال فترة الكورونا في ذاكرة هذه الشعوب. 

أيضاً مقابل مسالخ الأطفال في غزة على يد العدو الصهيوني، وفي جزيرة إبستين المعقل الإمبريالي الأميركي، ومقابل الموت اليومي للأطفال العمال في المناجم والمزارع الرأسمالية في كلّ مكان، فإنّ أطفال كوبا يبدأون صباحهم المدرسي بوجبة حليب يومية ويحظون بالرعاية وينخرطون مبكراً في حقل إبداعي أو رياضي يناسب مواهبهم ورغباتهم، مثل الموسيقى والفنون الأدائية والرياضية.

إضافة إلى ما سبق وغيره من المظاهر الأساسية الضرورية لحياة أيّ شعب حرّ، فما يميّز كوبا هو الخيارات الاستراتيجية للدولة، فكوبا لا تخضع بأيّ شكل لإملاءات وشروط البنك وصندوق النقد الدوليين، ولا لعالم البورصات ونادي روما أو باريس، ولا للحكومة السرية الصهيونية العالمية ممثّلة بمدرسة شيكاغو اليهودية (مطبخ الاقتصاد الحرّ والخصخصة المطلقة) وبمؤتمري دافوس والبيلدربيرغ وأذرعتهما الأطلسية والاستخباراتية، كما لم تتورّط في لعبة الديون واستنزاف الاحتياطي النقدي باستيرادات غير محسوبة أغرقت عشرات البلدان بالديون وبأزمات اقتصادية وأحزمة مرعبة للجوع والبطالة والمهانة البشرية. 

كوبا في عين العاصفة

ابتداء، كانت أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي هدفاً دائماً للتدخّلات الإمبريالية طيلة القرن العشرين، سواء عبر الانقلابات العسكرية أو الاغتيالات السياسية، أو التدخّل العسكري المباشر وإقامة ما يعرف بجمهوريات الموز أو النحاس، وقد جرت كلّ هذه التدخّلات في سياقات النهب والسيطرة على الموارد والأسواق والكوكا والفواكه، وعلى الذرة خبز الجنوبيين، أو لدعم ثورة مضادّة أو لإجهاض ثورات حقيقية أو انتخابات فاز بها اليسار، ولم تتردّد واشنطن باستخدام وتوظيف قوى وأدوات شتى، من الانقلابيّين والمافيات والمرتزقة والقتلة على غرار ما عرف بالخيار السلفادوري من قاطعي الرؤوس بمباركة من التيار الرجعي في الكنيسة. 

من أبرز البلدان التي تعرّضت لهذه التدخّلات: 

- تشيلي، بعد انتخابات ديمقراطية فاز فيها اليساري الدكتور سيلفادور الليندي، حيث رتّبت المخابرات الأميركية بالتحالف مع شركات النحاس والاتصالات انقلاباً عسكرياً دموياً، قتل فيه الرئيس المنتخب وعشرات الآلاف من العمال والفلاحين والطلبة والمثقّفين أمثال أستاذ الموسيقى، فيكتور جارا.

- التدخّل في بنما للسيطرة على قناتها واحتكارها، وذلك عبر ثلاثة انقلابات دموية أعوام 1958/1964/1990. 

- التدخّل في غواتيمالا 1959/1966.

- الدومنيكيان 1965، وكذلك كولومبيا والسلفادور ونيكاراغوا وهندوراس وغرينادا وغيرها. 

أما كوبا فكانت الأكثر استهدافاً منذ أن تمكّنت من التأسيس لنموذج مغاير لكلّ نظريات التبعيّة وأدواتها، وتحويل ذلك إلى كرة ثلج متواصلة في قلب حركة التحرّر العالمية. 

ولم يكن بلا معنى ما قاله المفكّر غوندر فرانك صاحب كتاب (تطوّر التخلّف) والخبير الدولي في شؤون أميركا اللاتينية، حيث توقّف عند التجربة الكوبية التي أسست نموذجاً خاصاً، استطاع بإمكانيات محدودة النجاة من حداثة وتنمية التصنيع المفرغ اجتماعياً، وراح يوظّف موارده الاقتصادية المتاحة على إيقاع موارده الاجتماعية وتنميتها باستمرار واحترام مكانة ودور القوى المنتجة وكرامتها، ولم يسمح لا موضوعياً ولا أيديولوجياً لأدوات التبعيّة باختراقها بالقروض والديون. 

العامل الآخر الذي جعل كوبا هدفاً للدسائس الإمبريالية المتواصلة، هو السياسة الخارجية الكوبية، بل نعرف أنه قبل انتصار الثورة وخلال سنوات العمل المسلّح لإسقاط حكم الطاغية الفاسد، دمية المخابرات الأميركية، باتيستا، وهي تعلن انحيازها الصريح والمعلن إلى جانب قضايا الشعوب وحقّها في الحرية والعدالة والتقدّم والاستقلال والسيادة، وعمّقت هذا الانحياز بعد الانتصار وإعلان كوبا جمهورية اشتراكية مستقلة ذات سيادة حقيقية على قراراتها ومواردها. 

لم تخفِ كوبا هذه السياسة ولم تقدّمها على نحو موارب، ولم تقدّم تبريرات لها وراحت تمدّ يدها إلى كلّ حركات التحرّر في العالم وتفتح جامعاتها لطلبتها، وكان من الطبيعي أن تحتلّ أفريقيا وأميركا الكاريبية واللاتينية أهمية خاصة، ولا سيما في قطاع الطبابة والتعليم، ولم تكن كوبا في كلّ ذلك تلك الدولة الغنية إلى هذا الحدّ الذي يسمح بهذا القدر من المساعدات، إلا من رسالتها الأخلاقية تجاه الشعوب المظلومة.

إلى جانب عشرات القضايا هنا وهناك، مثّلت قضية فلسطين وشعبها مكانة استثنائية، وفتحت هافانا أبوابها وجامعاتها ومعاهدها التعليمية والعسكرية للمقاومة الفلسطينية بكلّ فصائلها وخلفيّاتها الأيديولوجية، إضافة إلى مواقفها الثابتة مع فلسطين في المؤسسات الدولية المختلفة، مما ضاعف من الحقد الأميركي والصهيوني والرأسمالي عليها. 

الثورة والنموذج بعيون أدبية

- شهادات كوبية: مارتيه، كاربنتيه، وغيين

من أبرز أدباء كوبا الكبار الذين انخرطوا في الثورة سواء ضدّ الاستعمار القديم، الإسباني أو الجديد الأميركي، الشاعر والمفكّر خوسيه مارتيه الذي ينظر إليه في عموم البحر الكاريبي، كسيمون بوليفار كوبا.

واشتهر عربياً بمسرحيته الشعرية (عبد الله) التي أظهر فيها تعاطفاً واحتراماً كبيرين للعرب وقضاياهم، وقد استشهد في معركة مع الإسبان عام 1895.

أما من أدباء الأزمنة الحديثة في كوبا فالأشهر، الروائي كاربنتيه (1904 – 1980) وكان موسيقياً أيضاً، ومن رواياته المعروفة التي تنتمي إلى الواقعية السحرية المقاتلة رواية (مملكة هذا العالم).

إضافة إلى الشاعر نيكولاس غيين، الحائز على لقب الشاعر الوطني 1961، وقد أدّت قصيدته (مرثاة لعامل القصب) الذي قتله الفاشيون، دوراً مهماً في إلهام عمال وفلاحي كوبا وانخراطهم في الثورة.

- شهادات عالمية: همنغواي وماركيز وسارتر وأمادو وغيرهم

عديدون من أدباء وكتّاب العالم تناولوا التجربة الكوبية، أبرزهم:

- الفيلسوف الفرنسي سارتر، في كتابه (عاصفة على السكر) الذي قدّم فيه الثورة وقادتها ودورهم في تحرير كوبا من تبعيّة الشركات الأجنبية وفسادها.

- العديد من الروائيين الكبار في أميركا اللاتينية مثل جورج أمادو وماركيز الحائز جائزة نوبل والذي اشتهر أيضاً بكتابه عن كوبا (كوبا في زمن الحصار).

- الروائي الأميركي همنغواي، الحاصل أيضاً على جائزة نوبل والذي سبق وتنبّأ روائياً بالثورة وطبيعتها كحالة تحدٍّ مستمرة، وذلك عندما تناول الجزيرة وعالمها الإنساني والسياسي والاجتماعي في روايته الشهيرة (الشيخ والبحر) التي صدرت قبل سنوات من تحرّر كوبا. 

بحسب العديد من النقّاد كان الشيخ (سنتياغو) صورة أولى عن روح الثورة وقادتها، كاسترو وغيفارا، وكان البحر صورة مكثّفة للجزيرة وأحلامها وآلامها وآمالها. 

الأفق

رغم الحصار الاقتصادي والتحريض المتواصل فقد صارت كوبا أكثر صلابة وتماسكاً، وكانت نموذجاً حقيقياً لشخصية سنتياغو في رواية همنغواي المشار إليها (قد يدمّر الإنسان ولكنه لا يهزم)، ومن المؤكّد أنه بقدر ما ستواصل إمبريالية الشرّ الأميركية حصارها وتهديدها لجزيرة الحرية والعمال، بقدر ما سيظلّ القصب يغني أنشودة الحرية كلما هبّت الرياح السوداء على جزيرة تصحو وتنام على رائحة التبغ والبنادق والبحر والسكر.