في عام 2026.. المشهد السياسي والميداني في قطاع غزة

الفشل الإسرائيلي في حسم جبهة غزة عسكرياً وعدم إخضاع الطرف الفلسطيني سيُبقي على الأرجح ملفات غزة من دون حسم في عام 2026، وستفرِض حالة اللاسلم واللاحرب نفسها على الجبهة الفلسطينية.

0:00
  •  المشهد السياسي والميداني في قطاع غزة.
    المشهد السياسي والميداني في قطاع غزة.

انتهى عام 2025 من دون أن يُغلِق الملفات الساخنة التي أشعلت المنطقة والعالم بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر عام 2023، ذلك أنّ أمواج الطوفان الهادر لم تهدأ بعد، والهدوء والاستقرار في العام الجديد، ما زالا أمنيتين بعيدتين عن الواقع المتوتر والمرشّح للتصعيد في مختلف الجبهات التي لم تنجح اتفاقات وقف إطلاق النار في إغلاق دائرة العدوان الإسرائيلي عليها، ولا سيما على الجبهتين الفلسطينية واللبنانية، ولا يزال مصير الاتفاق الأمني السوري الإسرائيلي الأخير مجهولاً وسيخضع للنيّات والمخطّطات الإسرائيلية وما يتفق مع مصالحها.

وبعيداً عن دول المواجهة مع العدو الإسرائيلي، فإنّ مستويات التوتر والتهديد والاستنفار مرتفعة بين الأخير وجبهتي إيران، واليمن.

من جهة أخرى، على المستوى السياسي، لا تبرز أيّة مؤشرات على تراجع التوتر بين "إسرائيل "من جهة ودولتي تركيا وقطر من جهة أخرى، كما أنّ فرص توسيع اتفاقيات التطبيع محدودة إلّا مع كيانات انفصالية كصومالاند، وفي المقابل فإنّ العلاقة مع دول التطبيع مرشّحة لمستوى أعلى من الفتور والبرود. 

يتسم المشهد في البيئة الإقليمية بالتعقيد، وتتجه المؤشّرات في العام الجديد لصعوبة تحقيق الحسم في مختلف الملفات والجبهات، وأنّ غياب الحسم العسكري، دفع مختلف الأطراف لرفع مستوى الاستعداد والجاهزية وحتى الاستنفار تحسّباً لضربات استباقية مفاجئة، الأمر الذي ترك حالة الصراع متأجّجة ومستمرة بمستويات  تتراوح بين المواجهة/الاستنفار/التنافس/التوتر، بين "إسرائيل" من جهة والدول المؤثّرة في المنطقة من جهة أخرى.

الاستثناء الوحيد في توصيف المشهد الإقليمي المتوتّر يتمثّل في دولة الإمارات، التي تبنّت سياسة خارجية استثنائية عن محيطها العربي والخليجي،  قائمة على التنافس/الصراع مع الكيانات والفواعل الشرعية في المنطقة، وفي المقابل ترفع مستوى تحالفها مع العدو الإسرائيلي من جهة، ودعمها الكيانات والفواعل الانفصاليين في المنطقة من جهة أخرى.

يسعى العدو الإسرائيلي لفرض أطماعه وتطلّعاته في المنطقة مستشعراً بفائض القوة العسكرية ومعتمداً على تحالفه الاستراتيجي والفريد مع الإدارة الأميركية، ويتوقّع أن يكون أحد أهم أهدافه في العام الجديد محاولة فرض رؤيته الأمنية والسياسية في المنطقة، عبر التلويح الدائم بالعودة إلى الحرب، وفي حال فشله في إخضاع جبهات المواجهة عبر التهديد والوعيد، كما هو متوقّع، فإنّ استئناف القتال على مختلف الجبهات سيبقى قائماً، إلا إذا توافقت مختلف الأطراف على تفاهمات وحلول وسط تجنّب المنطقة والعالم العودة إلى الحرب الواسعة التي سيصعب التكهّن بنتائجها وارتداداتها. 

على صعيد الجبهة الفلسطينية في قطاع غزة، تسعى الإدارة الأميركية للدفع نحو المرحلة الثانية، بيد أنّ الحكومة الإسرائيلية ليست في عجلة من أمرها، ويبدو أنه بعد لقاء القمّة بين نتنياهو وترامب، سعى الأخير لتحريك ملفات المرحلة الثانية، مع نجاح جزئي، يشمل التفاهم على فتح معبر رفح في الاتجاهين، مع وضع قيود على العودة إلى غزة، وتسهيل مغادرته، إضافة إلى المضيّ قدماً في إنشاء مجلس السلام برئاسة ترامب وقادة من دول العالم، والإعلان عن تولّي حكومة تكنوقراط فلسطينية مهامها في غزة، وتفاهمات أخرى حول تهيئة رفح أولاً عبر إزالة الأنقاض وإنشاء كرفانات مؤقتة لاستيعاب مئات آلاف الفلسطينيين، والحديث عن نزع السلاح كنتيجة نهائية من دون معرفة مفهوم نزع السلاح ومن هي الجهات التي ستتعامل معه وموقف الطرف الفلسطيني والوسطاء، الأمر الذي يترك ملفات رئيسية من دون حسم وهي، السلاح والانسحاب إلى الخط الأحمر والإعمار.

في المقابل ستشهد ملفات الإغاثة وحركة الأفراد عبر معبر رفح تحسّناً طفيفاً، بيد أنّ السياسة الإسرائيلية العدوانية تجاه غزة واستهداف المدنيين وكوادر المقاومة، ستتواصل بصرف النظر عن التقدّم/التعثّر في ملفات المرحلة الثانية، وقد تلجأ حكومة نتنياهو لتوسيع مستوى الاستهداف قبيل الإعلان الرسمي عن بدء المرحلة الثانية خلال الشهر الحالي وفقاً لتسريبات مصادر أميركية مختلفة.

يضاف إلى الملفات الثلاثة المتعثّرة (الانسحاب، نزع السلاح، الإعمار)، ملف آخر يتعلّق بتعقيدات إنشاء قوة السلام الدولية، بسبب رفض غالبية الدول المشاركة فيها، والرفض الإسرائيلي للمشاركة التركية والباكستانية، وعدم ارتياح الحكومة الإسرائيلية للخطوة من أساسها، بسبب رغبتها في عدم تقييد سلطتها الأمنية والاقتصادية على غزة، واختلاف مختلف الأطراف في تحديد دور القوة ومهامها، ومعارضة غالبية الدول المرشّحة أن تتولّى القوة مهمّة نزع السلاح والمواجهة مع الطرف الفلسطيني.

بينما ترى الحكومة الإسرائيلية أنها الوحيدة القادرة على نزع السلاح الفلسطيني، تسعى الإدارة الأميركية لإقناع نتنياهو كي يتراجع عن معارضته لإشراك تركيا في القوة الدولية، وتعتقد الإدارة الأميركية أنّ الأتراك لديهم القدرة على التفاهم مع الطرف الفلسطيني حول مفهوم نزع السلاح وآلياته، ولكن على مدى أطول مما ترغب فيه "إسرائيل"، بيد أنّ الإجماع الإسرائيلي على رفض الدور التركي سيدفع باتجاه ممارسة ضغوط على الحكومة الإسرائيلية للاختيار بين تركيا والسلطة الفلسطينية، والخياران أحلاهما مرّ لنتنياهو وحكومته، تحديداً في العام الانتخابي الحالي.

إنّ الفشل الإسرائيلي في حسم جبهة غزة عسكرياً وعدم إخضاع الطرف الفلسطيني سيُبقي على الأرجح ملفات غزة من دون حسم في عام 2026، وستفرض حالة اللاسلم واللاحرب نفسها على الجبهة الفلسطينية في قطاع غزة، وستسعى الحكومة الإسرائيلية لفرض وقائع على الأرض، من قبيل، تثبيت وجودها وسيطرتها العسكرية على حدود الخط الأصفر، وربما إعادة انتشار جزئية في رفح وتوسيع السيطرة في مناطق أخرى، مع استمرار العدوان والاستهدافات بوتيرة متفاوتة ومركّزة قد تتصاعد كلما اقترب موعد الانتخابات الإسرائيلية.