في خلفيّات وأبعاد تصنيف وإدراج "الإخوان" في السودان في قوائم "الإرهاب"

يأتي تصنيف "الإخوان" في السودان ضمن سياق سياسي وإقليمي أوسع، يتجاوز البعد القانوني ليعكس صراعاً على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى.

  • إشكالية
    إشكالية "الإخوان" والحركة الإسلامية.

أُعلن في 9 آذار/مارس إدراج "الإخوان المسلمين" في السودان ضمن قائمة "الإرهابيين العالميين المصنّفين بشكل خاصّ" بموجب الأمر التنفيذي 13224 الصادر عن الإدارة الأميركية، على أن يدخل تصنيفهم كـ"منظّمة إرهابية أجنبية" حيّز التنفيذ في 16 آذار/مارس. جاء ذلك في سياق توجّه إقليمي تقوده دولة الإمارات منذ ما بعد "الربيع العربي"، يستهدف تجريد الحركات المرتبطَة بالتنظيم الدولي للإخوان من الشرعيّة وحظرها.

تزامنت هذه الخطوة مع تصاعد تقارير تتهم أبو ظبي بالانخراط في الحرب السودانية ودعم قوات الدعم السريع، مقابل بروز الإسلاميين كأحد أبرز القوى التي ساندت الجيش في مواجهة هذا المسار. غير أنّ فرض مثل هذه العقوبات يثير إشكالات قانونية، إذ يستند إلى اعتبارات سياسية أكثر من استناده إلى تعريفات قانونية دقيقة للإرهاب كما هي معتمدة في القوانين الدولية.

آلية العقوبات ومنطقها السياسي

في ظلّ نهج إدارة ترامب القائم على "دبلوماسية الصفقات"، تبدو العقوبات أداة سياسية بامتياز. ويبرز دور مسعد بولص، مستشار ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، بوصفه أحد مهندسي هذا التوجّه، رغم الجدل حول موقعه داخل دوائر صنع القرار. عملياً، يطغى البعد السياسي على القانوني، خاصة في النزاعات ذات الطابع الجيوسياسي أو المرتبطة بالموارد.

وقد اتُّبع النهج ذاته في منطقة البحيرات الكبرى، حيث فرضت إدارة ترامب مؤخّراً عقوبات على رواندا على خلفيّة الصراع في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، في خطوة تعكس تغليب الاعتبارات السياسية ومصالح "أميركا أولاً" على المقاربات القانونية في إدارة ملف هذا الصراع.

ضمن هذا السياق، يظهر نمط انتقائي في تطبيق العقوبات: يتمّ تجاهل انتهاكات موثّقة لطرف بعينه، مقابل تضخيم اتهامات لطرف آخر. وفي الحالة السودانية، تُهمَّش جرائم الدعم السريع، بينما تُسلَّط الأضواء على القوات المسلحة وحلفائها، مع إغفال دور الفاعلين الخارجيين في تأجيج الصراع وتحديداً الإمارات العربية المتحدة.

وفي سياق التوتر في الخليج بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى، يبرز مثال واضح على تسييس العقوبات واتساقها مع السرديات المضلّلة المرتبطة بالصراع في السودان. فقد برّر بولص إدراج الإخوان ضمن "قائمة الإرهابيين العالميين المصنّفين بشكل خاصّ" بالقول إنّ حرس الثورة الإيراني قام بتدريب ودعم مقاتلين مرتبطين بكتيبة "البراء بن مالك"، واتهمهم بالضلوع في أعمال عنف ضدّ المدنيين.

وبحسب هذا الطرح، فإنّ الخطوة تأتي في إطار "التزام الولايات المتحدة بمواجهة جهود إيران لزعزعة الاستقرار". غير أنّ هذا الربط بين الساحة السودانية والصراع مع إيران يبدو ذا دوافع سياسية، ويعكس محاولة لتوظيف الملف السوداني ضمن أجندة أوسع. وفي هذا الإطار، يمكن فهم القرار الأميركي بشأن السودان أيضاً كجزء من مساعٍ لاحتواء التوتر مع أبو ظبي وامتصاص استيائها من مواقف واشنطن و"تل أبيب" خلال هذه الحرب وشعورها بالخذلان تجاه هذين الحليفين.

كما يأتي التصنيف بعد تعثّر مسار "الرباعية" (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات)، خاصة مع تصاعد التنافس الإقليمي بين الرياض وأبو ظبي، والذي امتدّ تأثيره إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر.

إذ يكشف بيان "الرباعية" الصادر في 12 أيلول/سبتمبر2025 بوضوح ملامح التسوية السياسية التي تدفع باتجاهها أبو ظبي، وحدودها القصوى، من خلال السعي إلى إبعاد القيادة الحالية للقوات المسلحة، وإقصاء الإسلاميين، مقابل تمكين مجموعات مدنيّة مدعومة منها لتتولّى توجيه المسار السياسي وإدارة نظام الحكم.

إشكالية "الإخوان" والحركة الإسلامية

رغم أنّ قرارات الحظر الدولية استهدفت عادة فروع التنظيم الدولي للإخوان، فإنّ الحالة السودانية تبدو أكثر تعقيداً. فالاستهداف طال عملياً الحركة الإسلامية، رغم الفوارق التاريخية والتنظيمية بينها وبين فرع الإخوان المرتبط بالتنظيم الدولي.

منذ ستينيات القرن الماضي، تبنّت الحركة الإسلامية في السودان مساراً وطنياً مستقلاً، بدءاً من "جبهة الميثاق الإسلامي"، مروراً بالجبهة الإسلامية القومية، وصولاً إلى المؤتمر الوطني. هذا المسار سعى إلى التمايز عن التنظيم الدولي، والتركيز على العمل داخل الإطار القُطري.

إذ مثّلت النزعة القُطرية أحد أبرز ملامح ما يُعرف بـ"ما بعد الإسلاموية" - كما نظّر لها عالِم الاجتماع الإيراني البارز آصف بيات - وهي سمة طبعت تجربة الإسلاميين في السودان مبكراً، حتى قبل صعود التوجّهات الإقليمية المناهضة لفكرة التنظيم الدولي والساعية إلى حظره في عدد من البلدان، وعلى رأسها مصر بعد "الربيع العربي".

ومع تطوّر ما يُعرف بـ"المرحلة الإبراهيمية" التي تقودها أبو ظبي، تعزّز هذا الاتجاه في سياق رؤية تعتبر الحركات الإسلامية عموماً، وكذلك الجاليات المسلمة في الغرب، مصدر تهديد محتمل لمسار التطبيع مع الكيان الصهيوني، نظراً لكونها قوى فاعلة يُتوقّع أن تعارض بقوة مشاريع تصفية القضية الفلسطينية، التي تشكّل أحد الأهداف المركزية لهذا المسار.

 اليوم، ومع الضغوط الإقليمية والدولية، تتجه العديد من الحركات الإسلامية إلى تبنّي هذا النموذج القائم على الخصوصية الوطنية. لذلك يطرح التصنيف الأميركي بشأن السودان إشكالية حقيقية: من المقصود فعلياً؟ الإخوان؟ أم الحركة الإسلامية؟ أم المؤتمر الوطني؟ أم مكوّنات أخرى ضمن طيف أوسع من التيارات الإسلامية في البلاد؟

عملياً، يظلّ تأثير القرار محدوداً داخل الولايات المتحدة، ما لم يُترجم إلى ضغوط داخلية تدفع نحو حظر هذه القوى، أو الدفع باتجاه إعادة تشكيل التحالفات داخل السودان من خلال الضغط على القيادة الحالية لتقديم تنازلات نحو تسوية ما للصراع الحالي، وبما يضمن مصالح الأطراف الخارجية المنخرطة في هذا الصراع.

معركة السرديات والتضليل

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة مركزية في الصراع، خاصة في بيئة "ما بعد الحقيقة"، حيث يُستخدم التضليل المنظّم كأداة سياسية. في السودان، رافق إشعال الحرب في نيسان/أبريل 2023 وتأجيجها لاحقاً حملة إعلامية كثيفة تهدف إلى إعادة تشكيل فهم الصراع وتوجيهه.

مع تصاعد الأدلة على انتهاكات الدعم السريع وفشل مسارات التسوية، برزت سرديات مبالغٌ فيها تتحدّث عن استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية أو نفوذ إيراني مزعوم، في محاولة لإرباك المشهد وتبرير خطوات سياسية لاحقة، مثل فرض العقوبات أو قوائم التصنيفات وربما الضغط على القيادة الحالية لسنّ قوانين لحظر نشاطة الحركة الإسلامية، على غرار ما جرى في العديد من الدول العربية خلال السنوات الماضية.

غالباً ما صدرت هذه السرديات من منصات مرتبطة بالإمارات أو دوائر متحالفة معها في الغرب وخاصة التيارات اليمينية والصهيونية، ضمن مسعى أوسع لإعادة تعريف الصراع بما يخدم أهدافاً إقليمية.

نزع الشرعيّة وإعادة تشكيل المشهد

سعت أطراف إقليمية إلى نزع الشرعية عن جميع أطراف الصراع، وطرح بدائل سياسية "محايدة"، أبرزها قوى مدنيّة مرتبطة برئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. هذا الطرح يقوم على مساواة الجيش بقوات الدعم السريع، رغم الفارق الجوهري بين مؤسسة نظامية تمثّل ركيزة لبقاء الدولة وتماسكها، ومليشيا متمرّدة متهمة بارتكاب انتهاكات جسيمة.

هذه المقاربة الحسيرة لا تعيد فقط صياغة طبيعة الصراع، بل توفّر غطاءً سياسياً لمشاريع تدخّل خارجي، وتفتح المجال لإعادة هندسة السلطة في السودان وفق توازنات جديدة تصنعها وتتحكّم فيها وصاية الخارج وليس الإرادة الوطنية.

البعد الاستراتيجي للدور الإماراتي

شكّل السودان بيئة مواتية لتنفيذ الأجندة الإماراتية، بالنظر إلى توافر مجموعة من العوامل المتداخلة: وجود تيار إسلامي نشط وفاعل يمتلك حضوراً سياسياً وقدرة على التعبئة الميدانية؛ فهو بلد غني بالموارد يتمتع بموقع استراتيجي مهم، خاصة على ساحل طويل على البحر الأحمر وموانئ واعدة تجذب الاهتمام الخارجي؛ إلى جانب نخب سياسية منقسمة وضعيفة وقابلة للاختراق والتأثير؛ ومؤسسة عسكرية تُعدّ عقبة أمام هذه التوجّهات؛ فضلاً عن مرحلة انتقال سياسي هشّة تفتح المجال لإعادة تشكيل نظام الحكم بما يتسق مع ترتيبات إقليمية أوسع، من بينها المشروع الذي تسعى أبو ظبي إلى ترسيخه بالتنسيق مع الكيان الصهيوني.

غير أنّ المشروع الإماراتي في السودان يواجه تحدّيات متزايدة، خاصة مع تزايد الانتقادات لدوره في دعم الدعم السريع. في هذا الإطار، تبدو الحرب جزءاً من رؤية أوسع تستهدف تقليص نفوذ الإسلام السياسي، وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية بما يتماشى مع تحالفات جديدة تتشكّل في الشرق الأوسط، بما فيها مسارات التطبيع.

ضمن هذه الرؤية، يُنظر إلى الجيش والإسلاميين- باعتبارهما أكبر كتلتين متماستكين في البلاد - كعقبتين أساسيتين أمام المشروع الإماراتي، ما يفسّر استهداف قوى الإسناد الشعبي والعسكري المرتبطة بهما، مثل كتائب "البراء بن مالك" و"القوة المشتركة" ورموز "المقاومة الشعبية".

كما يأتي تصنيف "الإخوان" (والمعني هنا: الحركة الإسلامية/ المؤتمر الوطني) في هذا السياق، نظراً لدورهم في دعم الجيش وقدرتهم على التعبئة منذ اندلاع الحرب الحالية والمخاوف من دورهم المحتمل في مواجهة المجموعات المتحالفة مع المشروع الإقليمي في حال تمّت أيّ تسوية نهائية للصراع، خاصة بعد فشل محاولات إقصائهم سياسياً منذ 2019.

في هذا السياق، يتضح أنّ هذه التحرّكات تستهدف بالأساس إضعاف القوات المسلحة وقيادتها عبر تجريدها من عناصر القوة اللازمة لحسم التمرّد، وإرباك المشهد الداخلي، بالتوازي مع حملات دعائية تعمل على تشويه صورتها وصورة الأطراف الداعمة لها. كما يجري الترويج لسرديات مضلّلة تعيد تعريف طبيعة الصراع في السودان، بما يسهم في حجب الدور الإماراتي المحوري في تأجيجه واستمراره حتى الآن.

أهداف التصنيف وتداعياته

لا يقتصر الهدف من التصنيف على معاقبة طرف بعينه، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل المجال السياسي عبر إقصاء قوى مؤثّرة وفتح المجال لقوى أخرى متماهية مع الأجندات الخارجية تُقدَّم كـ "قوى مدنيّة" و"محايدة".

في الوقت ذاته، يسهم هذا المسار في تخفيف الضغوط عن أطراف متهمة بالانخراط في الصراع مثل الدور الرئيسي للإمارات في إشعال الحرب واستمرارها من خلال توفير الدعم اللوجستي للتمرّد عبر شبكات إقليمية ودولية، عبر تحويل الانتباه نحو فاعلين آخرين، وإعادة صياغة السرديات العامّة حول طبيعة هذا الحرب وأطرافها والمصالح والأدوار الخارجية في استمرارها.

غير أنّ هذه السياسات قد تؤدّي إلى نتائج عكسية، إذ تعمّق حدة الاستقطاب وتُعقّد فرص التسوية، كما تضعف من مصداقيّة "القوى المدنيّة" التي أصبحت أكثر فأكثر مرتبطة بأجندات خارجية ولا سيما بعد خسارتها الدعم الشعبي وتبدّد رهانها على الخارج لإعادتها إلى السلطة مجدّداً، منذ حرب نيسان/أبريل 2023. 

وفي السياق ذاته، ورغم ما حقّقته السرديات المضلّلة التي تروّجها دوائر خارجية من تأثير في توصيف الصراع، فإنّ المزاج العامّ داخل السودان اتجه نحو قدر أكبر من التشدّد تجاه التدخّلات الخارجية والقوى السياسية المرتبطة بها. وبذلك، بات الصراع يُنظر إليه على نحو متزايد باعتباره مواجهة بين معسكرين واضحين: معسكر القوات المسلّحة المدافع عن بقاء الدولة في وجه التدخّل الخارجي، ومعسكر التمرّد مدعوماً بظهيره السياسي وحلفائه الإقليميين.

خلاصة

يأتي تصنيف "الإخوان" في السودان ضمن سياق سياسي وإقليمي أوسع، يتجاوز البعد القانوني ليعكس صراعاً على النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوى. وبينما يُستخدم كأداة ضغط، فإنّ تأثيره الفعلي يظلّ مرهوناً بتطوّرات الصراع الداخلي، وبالتوازنات داخل الإدارة الأميركية نفسها بين اتجاهات متباينة في التعامل مع الملف السوداني.

تكشف هذه المعطيات أنّ الدوافع الحقيقية وراء التصنيف وسلسلة العقوبات ذات طابع سياسي خالص. أولاً، السعي إلى إضعاف موقع قيادة القوات المسلحة عبر تقويض شرعيّتها وتقليص دعمها الشعبي، واستهداف مجموعات الإسناد الأكثر تأثيراً، في مقابل تدفّق الدعم نحو التمرّد وحاضنته السياسية. ثانياً، تقليص نفوذ التيار الإسلامي بوصفه القوة السياسية الأكبر القادرة على منافسة المجموعات المدنية المدعومة إماراتياً، ولأنه، إلى جانب القوات المسلحة، يمثّل أحد أبرز العوائق أمام إخضاع البلاد لمشروع الهيمنة الخارجية الجاري.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.