في حتمية التوتر بين "الدولة والثورة"..."السلطة والمقاومة"
إذا كان بمقدور الثورة، أن تضرب عرض الحائط بـ"قواعد ويستفاليا" الحاكمة في العلاقات الدولية، فهل يمكن للدولة أن تفعل شيئاً مماثلاً، وأن تتطلع في الوقت نفسه، إلى نسج أفضل العلاقات مع الجوار والمجتمع الدولي؟
-
لا ثورة دائمة، ولا مقاومة دائمة، ولا جهاد دائم، فهذه جميعها رهن بإنجاز أهدافها.
تَشِفُّ تجربة المقاومة الفلسطينية على امتداد الستين عاماً الماضية، عن خلاصة ترقى إلى مستوى القانون، مفادها أن التناقض حتمي بين مقتضيات الدولة وضرورات المقاومة، يمكن تأجيل انفجاره، أو تمديد التساكن بين طرفيه، تبعاً لاختلاف الظرف وتباين السياق، على أن لحظة تحول التوتر إلى انفجار، ستظل بانتظار طرفي المعادلة، طال الزمن أم قصر.
بدأت الحكاية في الأردن، بين حزيران (67) وأيلول (70)، إذ مهما تعددت القراءات وحَشدت الأطراف أسبابها وحججها في تفسير وتبرير ما حصل، إلا أن الخلاصة تبقى ذاتها: للثورة (الفلسطينية) احتياجاتها وضروراتها وطرائق عملها، بوصفها لاعباً "لا دولاتياً"، وللدولة (الأردنية) مندرجاتها ومقتضياتها، التي ستجد نفسها في توتر حتمي، مفضٍ إلى الصدام والانفجار، مع ضرورات الثورة.
سيتكرر المشهد من جديد في لبنان، وإن اختلف السياق، أبرز ما ميّز التجربة اللبنانية عن التجربة الأردنية، أن الدولة في لبنان كانت ضعيفة، بخلاف الأردن، وأن المجتمع في لبنان، كان قوياً، وبخلاف الأردن كذلك (أحزاب وطوائف وميليشيات)، سمح ذلك بإرجاء لحظة انفجار التوتر بين الدولة والثورة، واللجوء إلى فواعل خارجية، إقليمية بالأساس، لحسم سياقات التوتر وإنهاء سباقات السير على وتر مشدود، بدأت بالتدخل السوري متعدد المراحل في لبنان، لتنتهي أو تكاد، بالاجتياحات والاحتلالات الإسرائيلية المتعاقبة لهذا البلد الصغير، والتي غالباً ما كانت تتم، باستدعاء أو تجاوب من أطراف محليّة، وفي أقل تقدير، بترحيب معلن ومضمر منها.
ستنتقل تجربة "التوتر الحتمي" بين السلطة والمقاومة إلى الداخل الفلسطيني إثر أوسلو، وبعد أن تحولت الثورة إلى سلطة (وليس دولة)، وحملت حماس راية المقاومة المسلحة بعد أن تخلت فتح عنها... وستبدأ مفاعيل قانون "التوتر الحتمي" بين قطبي المعادلة، تفعل فعلها: علاقة متوترة بين السلطة وحماس، تحتمل لحظات تساكن وتمر بانفجارات صغيرة متنقلة، تأخذ شكل الاعتقالات وحروب الاتهامات، والمواجهات الموقعية، وأحياناً الاغتيالات، إلى غير ما هنالك من فصول صدام باتت معروفة، ولا داعي لسردها.
ستحتل حماس بعد انتخابات 2006، وفوزها الكاسح فيها، وبعد أن سُدّت السبل أمام ممارستها لحقها في الحكم، تجربة الحسم، التي يسميها الطرف الآخر، الانقلاب، وستدخل الحركة، لأول مرة في تاريخها، بل وربما في تاريخ المنطقة حتى حينه، تجربة الجمع بين السلطة والمقاومة، فوق إقليم صغير، محاصر، قطاع غزة، فتتولد معها ظاهرتان تعكسان "حالة التوتر" بين مندرجات الأولى ومقتضيات الثانية: الأولى؛ توتر مع فصائل مقاومة وجهادية من خارجها، اتخذ أشكالاً عديدة ومستويات متفاوتة من العنف، والثانية؛ بدء تحول كتائب القسام من منطق المقاومة وأدواتها، إلى ما يشبه منطق الجيوش النظامية وطرائق عملها وقتالها...قبل أن تنتهي التجربة بعد "الطوفان" بخسارة حماس للحكم والكتائب والقطاع عموماً، وفق مندرجات مبادرة ترامب ومجلس السلام والتزامات خريطة الطريق.
فلسطين ليست استثناءً
يمكن النظر إلى التجربة الفلسطينية بوصفها استثناءً، كون "الثورة" اندلعت في الخارج، وفي أحضان دول ومجتمعات، غير فلسطينية، برغم وجود وازنٍ للفلسطينيين من بين مكوناتها، كلاجئين أو مواطنين، أو بالصفتين معاً... لكن امتداد "لحظة التوتر" إلى الداخل الفلسطيني بعد عودة الفصائل، وانطلاقة حماس والجهاد، يسقط عن التجربة استثنائيتها، ويحيلها إلى "قاعدة التوتر الحتمي" بين الدولة والثورة، السلطة والمقاومة.
تجربة حزب الله في لبنان، تقدم نموذجاً آخر على هذا التوتر، المفضي إلى الانفجار، ودائماً في السياق اللبناني المُعيّن وخصوصياته الوطنية والإقليمية... الحزب بدأ كحركة مقاومة، زاهدة في السلطة، تاركاً أمر تمثيل بيئته ورعاية مصالحها، لحليفه الآخر في "الثنائي"، وسجل نجاحات كبرى في مطاردة العدو المحتل وعملائه، وتوصل بدءاً من تفاهمات نيسان 1996 إلى ما يشبه الاعتراف الدولي بحضوره الطاغي، ونجح في فرض معادلة ردعية أنتجت تحييد السكان المدنيين على ضفتي معادلة الصراع، وصولاً إلى التحرير في أيار 2000، حين سجّل سابقة في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي: انسحاب غير مشروط، ومن دون تفاوض أو اتفاقات سلام... تلكم كانت ذروة غير مسبوقة في مسار مقاومة أنجزت أهدافها، قبل التورط في حكاية مزارع شبعا وتلال كفر شوبا، التي يدور بشأنها جدل لم ينقطع في لبنان، وإن كانت نتائج الحرب الأخيرة، والثامن من ديسمبر في سوريا، قد دفعت بهما إلى الخلف، وربما سحبتهما من التداول.
لحظة التحرير في لبنان، كلحظة الحسم/الانقلاب في غزة، ستكون بداية تحول المقاومتين من صيغ وأشكال وأدوات المقاومة بأشكالها المعروفة، إلى ما يشبه صيغ الجيوش النظامية، بمواقع وبنى ثابتة ومعروفة، وتشكيلات قتالية تحاكي التشكيلات النظامية، هنا سيتفوق الحزب على الحركة ويتقدم عليها، وقد حققت المقاومتان، نجاحات مبهرة على هذا الصعيد، وفرت لردح من الوقت، ما يشبه الردع المتبادل مع عدو متفوق في العديد والعتاد والتكنولوجيا والمال والاستخبارات، بيد أن حصاد حرب السنوات الثلاث الفائتة، دلل على أن ذلك كله، لم يكن قابلاً للاستدامة، ولا كافياً لإنجاز مهام المقاومة، إذ بدا أن السلاح أخذ يفقد " قدرته على تحقيق وظائفه الرئيسة الثلاث: الحماية، الردع والتحرير.
دخلت المقاومتان السلطة أو شاركت فيها في توقيتات شبه متزامنة، وكان مبررهما الرئيس: حماية السلاح من استهداف الداخل والخارج، خاضتا معارك من موقع عُلوي، ضد خصوم الداخل للدفاع عن "سلاح" اكتسى هالة من القداسة، وصار الاحتفاظ به "هدفاً أعلى" بعد أن كان "أداة رئيسة" من بين أدوات، وكان لهما ما أرادتا: فسحة من الوقت لبناء عناصر القوة والاقتدار... بيد أن سنوات ثلاث من التوحش الإسرائيلي وحروب التطهير والإبادة، ستحدث تغييراً جوهرياً في هذه المقاربة: ستُبقي المقاومتان على قرارهما المشاركة في الحكومات و"النظام السياسي"، وإن تغيرت أهداف المشاركة: حماس ستشارك في الانتخابات بحثاً عن مظلة وشبكة أمان، وليس للتغيير من الداخل كما يُرَوّج، وحزب الله باقٍ في حكومة، قال فيها ما لم يقله مالك في الخمر، وللأسباب ذاتها على ما أظن...هذا المسار ما زال في بواكيره، وقد لا ينتهي إلا بتحول المقاومتين إلى العمل السياسي والاجتماعي.
الحوثيون: منزلة بين منزلتين
تختلف حركة أنصار الله عن حركة حماس وحزب الله بكونها تحتل "منزلة بين منزلتين"، فقد ورثت الدولة في الشمال، بجيشها ومؤسساتها، وأعادت صياغتها على صورتها وشاكلتها، وهي في الوقت ذاته، ما زالت تحتفظ بكثير من سمات وخصائص اللاعب "اللا دولاتي"، وهي ستواجه عاجلاً أو آجلاً، واحداً من خيارات ثلاثة:
أولها؛ الانخراط في حرب أهلية طويلة الأمد، ليس مقدراً لها بحكم طبيعة اليمن، أن تنتهي ببسط سيطرتها عليه، وقد تفضي إلى تشقق اليمن، إلى أكثر من شمال وجنوب
ثانيهما؛ الانخراط في عملية سياسية تنتهي إلى استعادة الدولة والوحدة، وفقاً لصيغ توافقية مع بقية الفاعلين المحليين، من دون إغفال الدور الحاسم والكبير، للاعبين الإقليميين والدوليين.
ثالثهما؛ الاكتفاء بحكم الشمال، أو الأجزاء التي تتحكم بها منه الآن، ومواجهة تحدي بناء الدولة على هذا الشطر، فبقاء الحال من المحال.
أنصار الله ليسوا وحدهم من يواجه هذه الإشكالية/التحدي، فاليمن موزع على مروحة من اللاعبين "اللا دولاتيين"، و"الشرعية" ذاتها ومجلسها الرئاسي، هي ائتلاف بين بعضٍ من هؤلاء، وإن كان الحوثي مُتهماً بولائه لطهران، فإن الآخرين، ليسوا أكثر من دمى متحركة تؤدي عروضاً على خشبة مسرح عرائس خليجي، مع أن الحوثي – للإنصاف – يتمتع بهوامش حركة واستقلالية عن طهران، أكبر وأوسع بكثير، من تلك المتاحة لخصومهم ومجادليهم في الداخل، وباعتراف صريح من أطراف إقليمية ودولية وازنة.
الحرب في اليمن وعليه، لا تُبقي للحوثيين ترف البحث في المصائر والتحولات التي سيجدون أنفسهم، طائعين أو مرغمين، في أتونها، لكن ليس من المبكر أبداً، التفكير في سبل التحول إلى "دولة"، فليس ثمة مقاومة دائمة، ولا جهاد دائم، فهما مرتبطتان بإنجاز أهدافهما، والمقاومة في مطلق الأحوال، ليست سلاحاً ولا كفاحاً مسلحاً فحسب، فمساحاتها وحدودها وأدواتها، تتعدد وتتنوع، سيما حين يكون الصراع داخلياً، بخلاف ما هو عليه حال حماس والحزب، مع أن لا شيء داخلياً في اليمن، فالداخل في كثير من الأحيان، رجع صدى للخارج وتدخلاته.
إيران الدولة والثورة
حتى إيران، مركز هذا المحور وزعيمته، تواجه بدورها سؤال "الدولة والثورة"، وتحدي التوتر بين مندرجات الأولى ومقتضيات الثانية، وتشهد النخب الإيرانية، أكثر من غيرها، سجالاً محتدماً تحت هذا العنوان، فما معنى أن تستمر الثورة بعد نصف قرن على اندلاعها، وما معنى أن تُبنى الدولة وتتشكل مؤسساتها وأذرعها على قاعدة التساكن بين "دولة وثورة"، وكيف يمكن لدولة تتصرف بمنطق الثورة، أن تقيم علاقات طبيعية مع جوارها والمجتمع الدولي، خالية من التوترات والأزمات، وحين تنتقل الثورة إلى دولة، كيف يمكن تفسير غياب أو تغييب بقية مكونات المجتمع واتجاهاته الفكرية والسياسية والاجتماعية، بما فيها تلك التي تقف على طرفي نقيض مع أطروحات الثورة وفلسفتها.
وإذا كان بمقدور الثورة، أن تضرب عرض الحائط بـ"قواعد ويستفاليا" الحاكمة في العلاقات الدولية، فهل يمكن للدولة أن تفعل شيئاً مماثلاً، وأن تتطلع في الوقت نفسه، إلى نسج أفضل العلاقات مع الجوار والمجتمع الدولي؟
نظرية "الثورة الدائمة" طويت بطيّ صفحة صاحبها على مبعدة ألوف الأميال عن موطنه الأصلي: ليون تروتسكي، بضربة فأس من عميل لأحد فرسان نظرية "الاشتراكية في بلد واحد"، جوزيف ستالين... والثورة بحكم طبيعتها، مرحلة انتقالية بين نظامين، قديم يتحلل وجديد ناشئ، للثورة منطقها وقواعدها وأدواتها، وللدولة منطقها وقواعدها وأدوات عملها، و"التوتر" بينهما واقع لا محاولة، فإما الاستمرار في ترويج "وهم الثورة وذريعتها"، وإما حسم "التوتر" والانتقال بثبات، ودونما رجعة إلى منطق الدولة وقواعدها، ونقول "وهم"، لأن الثورة في الأساس تكون قد حققت أهدافها، ونقول "ذريعة"، لأنها غالباً ما تستخدم لأسباب تتعلق بالسلطة والصراع عليها.
الخلاصة الأولى العابرة لكل هذه التجارب، فتقول: إن التساكن بين الدولة والثورة، السلطة والمقاومة، لا يمكن أن يكون مُستداماً، وأن "التوتر" هو القانون الناظم للعلاقة بين متطلبات الأولى وضرورات الثانية، وأن المقاومة لكي تستمر على "مقاومتها" يتعين عليها الابتعاد عن السلطة، والاكتفاء بإيصال من تتوسم بهم خيراً إلى مقاعدها، والسعي الدائم والحثيث لتقييم وتقويم أدائها، أما الانخراط فيها، وتحمل أوزارها، والعمل بأدواتها ومنطقها، فتلكم بداية تفشي التوتر المفضي إلى الانفجار، وهذا هو الطريق الأقصر والأخطر، لوأد المقاومة قبل أن تنجز أهدافها.
وأما الخلاصة الثانية: أن لا ثورة دائمة، ولا مقاومة دائمة، ولا جهاد دائم، فهذه جميعها رهن بإنجاز أهدافها، وآن الثورة بحكم طبيعتها، هي مرحلة انتقال بين نظامين أو حالين، وأن المقاومة لا يمكن أن تقتصر على شكل واحد، أو أداة واحدة، من أشكالها وأدواتها، وإن كانت جميع هذه الأدوات والأشكال، والعُنفيّ منها، حق سماوي ووضعي للشعوب الخاضعة للاستعمار والاحتلال...وأن السيادة والاستقلال والتحرر والحرية، لا تتعارض مع فكرة الانتقال من الثورة إلى الدولة، وأن التمييز بين "الهدف" و"الوسيلة" ضرورة واجبة، وأن "القداسة" قد تُضفى على الهدف، ولا يتعين إضفاؤها على الوسيلة، التي يمكن أن يفضي الإصرار على قُدسيتها، إلى إضاعة الهدف والوسيلة معاً.