فيضان الفرات السوريّ: تدفُّقُ أزماتٍ جديدة
مستوى التغطية الإعلامية والإعلان الرسمي لحقائق الحدث الجاري في مناطق الجزيرة السورية هذه الأيام، هو أقلّ بكثير مما يجري في الواقع حقيقةً.
-
بدأت بوادر أزمة جديدة على المستوى المطلبي الشعبي تلوح في الأفق.
تفيض الأزمات في سوريا وتتشعّب في كلّ اتّجاه، حتى تكاد تجرف في طريقها كلّ ما تبقّى من ملامح الجغرافيا السياسية والاجتماعية التي عكست صورة هذه البلاد لأكثر من خمسين عاماً.
وقد دخل نهر الفرات ضمن إطار المشهد هذه المرة، ليرسم صورة إيضاحية عن تدفّق الأزمات التي تكشف عن واقعٍ مرير تختبره الدولة والمجتمع هنا، ويضعهما، كما العالم الخارجي، أمام حقيقة المآل الذي بلغته البلاد، بعد سنوات طويلة من الحرب والصراعات التي لم تبقَ دولة نافذة في هذا العالم، إلا وكان لها سهمها فيها.
وبينما يتابع ذاك العالم المشهد من الخارج، ويُلقي ببعض الوعود وبالكثير من الشروط، كلّما فاض الواقع السوري وتجاوز كلّ حدود القسوة، تتدفّق مياه نهر الفرات لتغمر القرى والمزارع والبيوت والمحاصيل في أرياف محافظتَي دير الزور والرقة، أي في المناطق ذاتها التي كان سكانها يتظاهرون قبل أيام قليلة فقط، ليطالبوا بزيادة ثمن القمح بعد إعلان الحكومة عن ثمن رسميّ لا يُغطّي بعض تكاليف زراعة المحصول الاستراتيجي. وها هي أرض القمح تغرق تحت كميات هائلة من المياه المتدفّقة، التي لم يشهد لها السوريون مثيلاً منذ 36 عاماً.
فللمرّة الأولى منذ العام 1988، وبعد جفاف طويل وندرة في جريان النهر لعقود، ما أثّر بشكل كبير على عطاء أرض "الجزيرة" السورية التي كانت تُعتبر خزّان البلاد من الغلال والثروات الاستراتيجية، فُتحَت بوابات المفيض في سدّ الفرات بعد أن امتلأت البحيرة عن آخرها، وبدأ الماء بالتدفّق بغزارة شديدة جارفاً معه مساحات واسعة على جانبَي مجرى النهر، إلى الحدّ الذي اختفت معه بعض القرى والمزارع، ومنها بلدة "حويجة السوافي" في ريف محافظة الرقة. ما عكس مدى عدم الاستعداد الحكومي والأهلي والعجز في مواجهة مثل هذه الأزمات الطبيعية المدمِّرة.
لم تكن الأمطار الوفيرة التي هطلت هذا العام، والتي كان نصيب بحيرات نهر الفرات منها 5 مليارات متر مكعب، والتي دفعت بالمخزون إلى عتبة 97 بالمئة من خزّان الماء الأعظم في الفرات، هي وحدها ما أدّى إلى هذا الواقع الكارثيّ.
بل كان لعملية الفتح المفاجئة لبوابات المفيض الهائلة على "سدّ أتاتورك" داخل الأراضي التركية، دوراً كبيراً في هذا. ويحصل ذلك بعد سنوات طويلة من الإغلاق التركي وحجز المياه وتقليل منسوب الكميات المتدفّقة باتجاه الأراضي السورية، وبالتالي العراقية، إلى أقلّ حدّ ممكن، بل إلى الدرجة التي سبّبت جفافاً كبيراً على جانبَي النهر في سوريا والعراق، وانخفاضاً قياسيّاً في إنتاج محصول القمح على الضفتين، إلى مستوى 75 بالمئة في العراق مثلاً، العام 2011.
وبالتالي أدّى الأمر إلى هجرة سكانية من تلك المناطق أيضاً، ودفع بالخبراء في البلدين قبل سنوات قليلة، إلى توقّع جفاف مجرى النهر داخل أراضي البلدين مع حلول العام 2040، خصوصاً أيضاً بعد تخفيض الجانب التركي لمستوى المياه المسموح بتدفّقها نحو الأراضي السورية، إلى أقلّ من 200 متر مكعّب في الثانية خلال سنوات الحرب السورية، ذلك على الرغم من أنّ اتفاقية العام 1987 التي وُقّعت بين الدولتين التركية والسورية، قد حدّدت الحدّ الأدنى لتدفّق المياه عند الحدود التركية – السورية، بـ 500 متر مكعب في الثانية الواحدة.
وعليه، ومع بلوغ مستوى الهطولات المحلية في منطقة الجزيرة السورية، درجات قياسية هذا العام، رفعت منسوب خزّانات الفرات في دير الزور والرقة، جاء التدفّق الكبير للمياه الواردة من الأراضي التركية بسبب الضغط الشديد هناك أيضاً، ما أدّى إلى ورود كميات أعلى بكثير من قدرة سدّ الفرات على استيعابها، وما دفع بـ "المؤسسة العامّة لسدّ الفرات" إلى إجراء خيار اضطراري، تمثّل في رفع كمية الإطلاقات المائية لتتجاوز المستوى العادي المقدّر بـ 290 متراً مكعباً في الثانية، لتبلغ كميات المياه التي يجري تمريرها الآن 800 متر مكعّب في الثانية الواحدة، مع احتمال أن تصل الكمية إلى العتبة الحرجة، أي 1000 متر مكعّب في الثانية، أو أكثر.
وقد عمدت السلطات السورية إلى القيام بإجراءات وتدابير طارئة ومستعجلة، في محاولة منها لحماية السكان والمنشآت والمحاصيل. فقد أصدرت "دائرة الإنذار المبكر والتأهّب" في "وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث" السورية، تعليمات واضحة وصارمة للسكان القاطنين على ضفتي النهر في محافظتَي دير الزور والرقة، تناولت عملية الاستعداد للحدث البيئي الطارئ وكيفية مواجهة الفيضان وارتفاع منسوب المياه لأكثر من مترين، وطلبت الإخلاء الفوريّ للمنازل والمنشآت والمزارع القريبة من حرم النهر، وخاصة في المناطق المنخفضة هناك.
وكذلك منع الإبحار في الزوارق وعبّارات المياه والسباحة بشكل تامّ. كما طلبت من السكان الإسراع في نقل العوائل والثروات الحيوانية والآلات والمعدات الزراعية إلى مناطق بعيدة ومرتفعة آمنة.
وكذلك قامت مديرية الزراعة في المحافظتين باتخاذ تدابير وقائية عاجلة لحماية القطاعين الزراعي والحيواني، تمثّلت في تنظيف وفتح المصارف الزراعية في الأراضي السهلية والمنخفضة، وتدعيم السواتر الترابية على ضفتي النهر، خصوصاً في المناطق المنخفضة. وكذلك التعجيل في حصاد المحاصيل في الأراضي المعرّضة لخطر الغمر في أية لحظة. وأيضاً، قامت مؤسسات مديرتَي الزراعة في المحافظتين، بتأمين خزّانات مياه نظيفة تحسّبّاً لأيّ تلوّث محتمل، وتنفيذ حملات رشّ وتسيير فرق بيطرية للحدّ من الأمراض التي قد تُسبّبها الرطوبة وركود المياه.
كما جرى تعطيل حركة المرور على العديد من الجسور في المنطقة، خصوصاً على الجسر المؤقت الذي يربط منطقة "الكرامة" بمنطقة "معدان" في ريف الرقة، وذلك بعد ظهور تشقّقات في جسم الجسر، وبعد انهيار عدد من الجسور القديمة في ريف المنطقة وريف دير الزور بسبب الغمر وقوة تدفّق المياه.
والواقع أيضاً، أنّ مستوى التغطية الإعلامية والإعلان الرسمي لحقائق الحدث الجاري في مناطق الجزيرة السورية هذه الأيام، هو أقلّ بكثير مما يجري في الواقع حقيقةً، فالدمار كبير جداً، والغضب الشعبي يتعاظم يوماً بعد يوم بسبب العجز الحكومي واستمرار الإهمال لتلك المناطق التي كانت تغلي قبل الحدث الأخير وتشهد تصاعداً ملحوظاً في مستويات الشكوى الشعبية والتظاهرات المطلبية.
وقد بدأت بوادر أزمة جديدة على المستوى المطلبي الشعبي تلوح في الأفق بالفعل، مع توقّعٍ برفع حدّة الغضب ومستوى المطالب خلال الأيام والأسابيع المقبلة، خصوصاً بعد أن تتكشّف آثار الحدث الكارثي البيئي الحالي وتظهر نتائجه على الأرض بشكل أوضح.
وعموماً، فقد بدأت بعض المطالب بالظهور بالفعل، ومنها وجوب إجراء انتخابات شعبية جديدة لمجالس المحافظات الشرقية (دير الزور والرقة والحسكة) من دون تدخّل مباشر أو فرض من المركز في دمشق، ما يسمح بوصول أشخاص أكفاء إلى مواقع الخدمة والعمل.
وكذلك تخصيص حصة من عوائد النفط والغاز في تلك المناطق، لمجالس المحافظات الثلاث وإنفاقها في سبيل الارتقاء بالواقع الخدمي والمعيشي للسكان هناك (تطالب بعض القوى الشعبية بنسبة 40 بالمئة كحصة محلية من النفط والغاز، وذهاب 60 بالمئة إلى المركز).
كما يطالب السكان بإحداث بنوك زراعية جديدة ومنح القروض للمزارعين من دون فوائد. وكذلك بناء مستشفيات وجسور ومدارس ومنشآت خدمية، كبناء مطار في دير الزور مثلاً. وأيضاً تأهيل المعابر التجارية مع دول الجوار (العراق وتركيا) لتنشيط الحركة التجارية والاقتصادية عموماً، وإعفاء التجار من الضرائب لمدد محددة كي يتمكّن أهل تلك المناطق من إعادة إعمار بيئتهم التحتية ومدنهم وقراهم.
وسط كلّ هذا، أطلّ عيد الأضحى المبارك على السوريين هذا العام، من دون أن يجلب معه البهجة المعهودة، فالواقع المعيشي في أسوأ حالاته على الإطلاق، والقدرة الشرائية للمواطن السوري، بلغت أضعف حدودها تماماً.
وذلك من دون وجود أيّ أفق ملحوظ لحدوث تحسّنٍ محتمل في المدى المنظور، خصوصاً مع انعدام الاستثمارات وفرص العمل وغلاء الأسعار وانخفاض قيمة العملة المحلية أمام القطع الأجنبيّ، ومع توقّف معاشات مئات آلاف العوائل السورية منذ سقوط النظام السابق.
وفوق كلّ ذلك، أتى فيضان الفرات ليجلب معه خسائر كبيرة وهجرة جديدة للسكان القاطنين على جانبي النهر، بالتوازي مع انطلاق هجرات من نوع جديد في البلاد، حيث يسعى مئات الشباب السوري يوميّاً، إلى الهروب من واقع الفقر وانعدام الفرص القائم، نحو آفاق مجهولة يرجون أن تفتح لهم أبواب حيوات جديدة كريمة، في الوقت الذي تطلب الحكومة الألمانية مثلاً، من الحكومة السورية، أن تستعد لإعادة 700 ألف لاجئ سوري إلى البلاد.