فنزويلا وإمبراطورية العصابات والأكاذيب

ستنتهي مبادرة ترامب بشأن فنزويلا نهايةً وخيمة على الأميركيين والعالم أجمع. هذا السلوك ذاتي التدمير كافٍ لإيداع الأفراد المضطربين نفسياً في مؤسسات إصلاحية.

0:00
  •  ستنتهي مبادرة ترامب بشأن فنزويلا نهايةً وخيمة على الأميركيين والعالم.
    ستنتهي مبادرة ترامب بشأن فنزويلا نهايةً وخيمة على الأميركيين والعالم.

يؤكّد اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته دور وطبيعة أميركا كدولة عصابات. فالعنف لا يولّد السلام، بل يولّد المزيد من العنف. إنّ انتهاك القانون الدولي والإنساني، كما فعلت الولايات المتحدة و"إسرائيل" في غزة، وكما حدث في العاصمة الفنزويلية، يُولّد عالماً كارثياً عدمياً بلا قوانين، عالماً من الدول الفاشلة، وأمراء الحرب، والقوى الإمبريالية المارقة، والعنف والفوضى الدائمين.

إذا كان هناك درس واحد يجب أن نتعلّمه من أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا، بحسب الكاتب الأميركي المخضرم، كريس هيدجز، فهو أنّ تغيير الأنظمة يُنتج وحوشاً من صنع الإمبريالية وإمبراطورية العصابات. لن يقبل الشعب والجيش الفنزويلي وقوات الأمن الفنزويلية باختطاف رئيسهم وهيمنة الولايات المتحدة – كما حدث في العراق للاستيلاء على احتياطيات نفطية هائلة – تماماً كما لم تقبل قوات الأمن العراقية والجيش أو حركة طالبان ذلك من قبل. لن يكون هذا في صالح أيّ طرف، بما في ذلك الولايات المتحدة، أكبر مشروع إمبريالي استيطاني في التاريخ.

مافيا فاشية

كانت جريمة مادورو الحقيقية، بحسب الكاتب البريطاني، جون وايت، رفضُه أن يكون عبداً في مزرعة الرأسمالية الأميركية.

وبتفاخرٍ مُدوٍّ، كزعيم مافيا معاصر، أو قائد فرقة لصيد العبيد، أو زعيم جماعة "كو كلوكس كلان" العنصرية الإرهابية، خاطب دونالد ترامب وسائل الإعلام العالمية بالروح نفسها عند إعلانه "القبض" على الرئيس نيكولاس مادورو.

إنّ كون هذا الحاكم المتغطرس يمثّل مقياساً بشرياً ليس لقوة الولايات المتحدة الإمبريالية، بل لانحدارها، أمر واضح للجميع باستثناء من يفتقدون الفهم. ها هو ذا يقف على المنصة، محاطاً بمقاعده المتعدّدة، يسيل لعابه كالمغتصب لما اعتقد خطأً أنه انتصار لنرجسيته الجامحة.

كان ترامب، في تلك اللحظة، التجسيد الصريح لقصة أميركا الحقيقية. إنها قصة رجال ونساء مكبّلين بالسلاسل، يُقتلعون من ديارهم في جنح الظلام، لجريمة كونهم ثوّاراً سوداً أو من ذوي البشرة السمراء في ظلّ كابوس التفوّق العنصري الأبيض الذي يُمثّله نظام الولايات المتحدة، وقد أُزيل عنه قناع الديمقراطية.

وهنا نستدعي كلمات الناشط الثوري الأميركي (الأسود) وأحد قادة الفهود السود، فريد هامبتون (1948-1969)، الذي اغتاله الفاشيون في عامه الحادي والعشرين: "نقول إنّ المسألة لم تعد مسألة عنف أو لا عنف، بل مسألة مقاومة الفاشية أو العدمية في ظلها".

جادل هامبتون بأنّ الظروف القمعية التي يواجهها المهمّشون والمستضعفون تجسّد أحد أخطر أشكال الفاشية. ورفض الجدل الدائر حول العنف واللاعنف باعتباره تشتيتاً للانتباه، مؤكداً بدلاً من ذلك ضرورة المقاومة الفعّالة للنظام القمعي لتجنّب الخضوع التامّ والدمار.

العقوبات.. نتائج عكسيّة

مرة أخرى، تُعدّ الإمبراطورية العسكرية الأميركية العالمية مصدر الخوف الذي تُروّجه. وهذه المرة، يحدث ذلك هناك في عقر دارها.

وكما شجّع تجميد أصول روسيا الدولارية البنوك المركزية حول العالم على شراء وتكديس الذهب، ودفع العالم باتجاه التخلّي عن الدولار، ما أدّى إلى تهديدات ترامب المبطّنة ضدّ من يُديرون ظهورهم للدولار المُستخدم سلاحاً من أسلحة الدمار الشامل، فقد ضمنت العقوبات المفروضة على إنتاج النفط الفنزويلي وأسواقه تزايد الحضور الإيراني والروسي والصيني في النصف الغربي من العالم.

يلاحظ الكاتب الأميركي تشارلز غوييت، مؤلف كتاب "إمبراطورية الأكاذيب: شظايا من ثقوب الذاكرة" الصادر مؤخراً، أنه بحظر وصول فنزويلا إلى أسواق رأس المال الأميركية ووقف واردات النفط منها، التي كانت تُقدّر بمتوسط 500 ألف برميل يومياً، منحت واشنطن الصين ميزةً لا تخطئها عين، إذ ضاعفت الصين وارداتها إلى أكثر من الضعف، لتستحوذ على 80% من صادرات فنزويلا النفطية بأسعار مُخفّضة للغاية، مُعمّقةً بذلك نفوذها في نصف العالم الغربي.

يدفع الأميركيون الثمن مرتين دائماً. فالعقوبات الأميركية، المدعومة بالتهديدات وزيادة الإنفاق العسكري الأميركي الهائل، ويُكلّف دافعي الضرائب الأميركيين كثيراً، تُجبر مُنتجين مثل فنزويلا وروسيا وإيران على بيع النفط بأقل من الأسعار العالمية السائدة، ما يُساهم في دعم مُستهلكي الطاقة في الصين، بما في ذلك الصناعات الصينية التي تُنافس الشركات الأميركية.

ظهرت فنزويلا في مرمى نيران الدولة العميقة الأميركية منذ زمن، كما أوضح غوييت في كتابه الجديد. ففي 9 آذار/مارس 2015، أعلن الرئيس باراك أوباما رسمياً حالة طوارئ قومية جديدة. انصرف معظم الأميركيين إلى شؤونهم اليومية بهدوء في ذلك اليوم، من دون أن يدركوا أنّ ما وصفه البيت الأبيض بـ"تهديد غير عادي واستثنائي لأمننا القومي" قد اندلع فجأة.

وجاء في بيان البيت الأبيض يومها: "أصدر الرئيس أوباما اليوم أمراً تنفيذياً جديداً يُعلن فيه حالة طوارئ قوميّة فيما يتعلّق بالتهديد "غير العادي" و"الاستثنائي" الذي يُمثّله الوضع في فنزويلا على الأمن القومي والسياسة الخارجية للولايات المتحدة".

إمبراطورية الأكاذيب

ماذا؟ فنزويلا؟ تهديد؟ بل الأسوأ من ذلك، تهديد "غير عادي" و"استثنائي" للأمن القومي الأميركي؟وكما يفعل أيّ شخص يخشى العاصفة التي تُشكّلها فنزويلا، أمعن غوييت النظر في قوة فنزويلا "الهائلة":

كان الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا أقلّ من الناتج المحلي الإجمالي لولاية نيوجيرسي، أي ما يعادل فقط 3.3% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي.

وكانت ميزانية الولايات المتحدة العسكرية أكبر بـ 160 ضعفاً من ميزانية الدفاع الفنزويلية.

لم تكن فنزويلا تمتلك حاملات طائرات، ولا مدمّرات بحرية، بل غوّاصتين فقط.

كان لديها 33 طائرة مقاتلة، بينما كان لدى الولايات المتحدة نحو 2300 طائرة حربية. لم يكن لدى فنزويلا سوى 10 مروحيات هجومية، بينما كان لدى الولايات المتحدة 957 مروحية حربية.

كان لدى فنزويلا 192 دبابة، بينما كان لدى الولايات المتحدة ما يقارب 9000 دبابة.

في المحصّلة، لو أنّ فنزويلا، هذه القوة "الجبّارة"، "شنّت غزواً على الولايات المتحدة، لكان من المستحيل تقريباً أن تتمكّن من إنزال زورق أو زورقين على ساحل فلوريدا الذهبي أو على شاطئ جيرسي".

ربما رصدت إدارة أوباما تهديداً إرهابياً؟ لكن لا، لم يكن مبرّرها لإعلان حالة الطوارئ، وما يصاحبها من عقوبات وتجميد أصول فنزويلا في الولايات المتحدة، سوى اتهامات بانتهاك حقوق الإنسان، واضطهاد المعارضين السياسيين، وتقييد حرية الصحافة، والفساد المستشري. بعبارة أخرى، الممارسات نفسها التي يمارسها حلفاء أميركا الآخرون يومياً على نطاق أوسع بكثير!

مع ذلك، ما إن تحدّد الدولة العميقة أهدافها وتختار تهديدات "مزعومة" (أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب، التخلي عن الدولار، أو تهريب المخدرات)، لا يكون هناك سبيل للتراجع. بل إنها تزدهر حتى وهي تتخبّط في طريقها نحو الحرب.

يقول الكاتب الفنزويلي، خوسيه نينيو: "إنّ الدينامية السائدة تنطوي على منطق كارثي. فبينما تُصعّد الولايات المتحدة ضغوطها على روسيا بشأن أوكرانيا، والصين بشأن تايوان، وإيران بشأن برنامجها النووي، تجد هذه القوى أرضية مشتركة في دعم الحكومات التي تتحدّى الهيمنة الأميركية".

ومثل غيرها، ستنتهي مبادرة ترامب بشأن فنزويلا نهايةً وخيمة على الأميركيين والعالم أجمع. هذا السلوك ذاتي التدمير كافٍ لإيداع الأفراد المضطربين نفسياً في مؤسسات إصلاحية.

لكن يوم الثالث من كانون الثاني/يناير الجاري سيراه التاريخ أكثر من مجرّد يوم آخر في سيرة إمبراطورية الأكاذيب.