فاطمة فتوني ومحمد فتوني.. الميادين تكتب بالدم ما يريد العدو محوه بالنار

في لحظات كهذه، لا يعود الحديث عن الميادين حديثًا عن شاشة فقط، بل عن فكرة. عن إعلام فهم، منذ وقت مبكر، أن الحياد بين المقتول وقاتله ليس حيادًا، بل هو تواطؤ مقنّع.

  • فاطمة فتوني ومحمد فتوني.. الحرب على الشهود.
    فاطمة فتوني ومحمد فتوني.. الحرب على الشهود.

لم تطلق قوات الاحتلال صاروخها على سيارة صحافيين فحسب، بل أطلقته على العين التي ترى، وعلى الذاكرة التي توثّق، وعلى الحقيقة حين تخرج من الميدان بلا رتوش ولا إذن من القاتل.

في جنوب لبنان، لم يُرِد العدو الصهيوني قتل أجسادٍ فقط، بل أراد اغتيال الشهادة نفسها. اغتيال الشاهد لأنه شاهد. ليس كل دمٍ يُراق في الحرب يُراد به القتل وحده.

ثمة دمٌ يُراق لكي يُطفأ معه صوت، وتُحطم معه عدسة، وتُدفن معه رواية، ويُترك الميدان للجلاد كي يتكلم وحده، ويكذب وحده، ويكتب الجريمة كما يشتهي، لا كما وقعت.

هذا بالضبط ما فعله الاحتلال الصهيوني حين استهدف فاطمة فتوني، مراسلة الميادين، وشقيقها المصور محمد فتوني، في الغارة التي قتلت معهما أيضًا مراسل المنار علي شعيب في جنوب لبنان يوم الـ 28 من مارس/ آذار 2026.

"إسرائيل" أقرت بأنها استهدفت شعيب، وادعت من دون أن تقدم علنًا أدلة على مزاعمها أنه عنصر استخباري في حزب الله، لكنها لم تفسر مقتل فاطمة ومحمد، فيما اعتبرت الدولة اللبنانية الهجوم انتهاكًا سافرًا للقوانين والمواثيق التي تكفل حماية الصحافيين المدنيين أثناء النزاعات المسلحة.

ما جرى ليس "حادثًا مؤسفًا" في فوضى الحرب، ولا خطأً عابرًا في مسرح النار. هذه اللغة الباردة تصلح للبيانات الملطّفة، لا لوصف جريمة تتكرر على نحو يفضح قصدها. نحن هنا أمام فعل عدواني واضح: استهداف الشاهد لأنه شاهد، واستهداف الكاميرا لأنها تلتقط ما ينبغي، في منطق المحتل، ألا يُرى. فالاحتلال لا يكره الصحافي بوصفه صحافيًا، بل يكرهه حين يتحول إلى عين للناس على الجريمة، وحين يفسد عليه امتياز احتكار الرواية، ويمنع آلة الحرب من أن تقتل ثم تتكلم باسم الضحية.

الدم الذي يعرف طريقه

وحين نتحدث عن الميادين هنا، فنحن لا نتحدث عن مؤسسة فقدت اثنين من كوادرها مصادفة على هامش معركة. نحن نتحدث عن منبرٍ يدفع منذ سنوات ضريبة الوقوف عند الحافة، في النقطة التي يختلط فيها البث بالدم، وتصبح المهنة موقفًا، ويصبح الوصول إلى الحقيقة عبورًا مباشرًا في حقل الموت. قبل فاطمة ومحمد، استشهدت فرح عمر وربيع المعماري في جنوب لبنان في نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، ثم هادي السيد في سبتمبر/ أيلول 2024، ثم غسان نجار ومحمد رضا في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، فضلًا عن استهداف مكاتب القناة نفسها في بيروت. هذا ليس تتابعًا عابرًا للحوادث، بل خريطة استهداف تقول إن الميادين لم تكن تنقل النار من بعيد، بل كانت تقف في مرماها.

لهذا لا تبدو دماء شهدائها مجرد خسارة مهنية موجعة، بل تبدو، في معناها الأعمق، ثمنًا سياسيًا وأخلاقيًا ومعرفيًا. ثمن أن تقترب من الجرح أكثر مما تسمح به حسابات "السلامة" الباردة، ثمن أن تضع الكاميرا في وجه القصف، لا في خدمة روايته. ثمن أن تؤمن بأن الحقيقة لا تُنقل من المكاتب الخلفية، بل من التراب نفسه، من الهواء المشبع بالدخان، من ارتجافة الناجين، ومن الأشلاء التي تحاول العدسة أن تحفظ لها حقها في الظهور قبل أن يبتلعها النسيان.

الحرب على الشهود

الاحتلال الذي يقتل الطفل لا يتردد في قتل من يصور الطفل. والاحتلال الذي يهدم البيت لا يتورع عن اغتيال من يقف أمام الركام ليقول: هنا كانت حياة. هنا كانت عائلة. هنا مر الصاروخ.

من هنا لا يكون استهداف الصحافيين تفصيلًا جانبيًا في العقيدة العدوانية الصهيونية، بل جزءًا بنيويًا من الحرب على الشهود.

فالقاتل لا يريد أن ينجز الجريمة فقط، بل يريد أن يحتكر تفسيرها أيضًا. يريد أن يقتل، ثم يكتب وحده قصة القتل. يريد أن يُنتج المذبحة، ثم يمنع الصورة التي تفضحه من الوصول إلى العالم. وهذا ما يجعل الصحافي الميداني خطرًا مضاعفًا في نظره: لأنه لا يحمل بندقية، بل يحمل ما هو أخطر على المدى البعيد: الدليل. الدليل الذي يفسد الكذبة، ويمنع الذاكرة من أن تُستعمر بالكامل، ويُنقذ الضحية من موتها الثاني: موتها في الرواية.

من هنا تحديدًا، لا يعود صاروخ الاحتلال مجرد أداة قتل مادي، بل يتحول إلى أداة رقابة دموية. إلى محرر وحشي يريد أن يشطب اللقطة، ويُسكت الجملة، ويمنع الشهادة من أن تُقال. ولذلك فإن من يسقطون من الصحافيين في هذه الحرب لا يسقطون لأنهم اقتربوا من الخطر فقط، بل لأنهم اقتربوا من الحقيقة أكثر مما يحتمل القاتل.

الجريمة حين تتكرر تصبح سياسة

في هذه النقطة، تسقط حجة "الضرر الجانبي" سقوطًا أخلاقيًا ومنطقيًا. التكرار هنا ليس عرضًا. إنه قرينة. والنسق ليس هامشًا. إنه بصمة.

حين يُقتل صحافيون على جبهة مكشوفة، أو في سيارة معروفة، أو في مقر إقامة معلوم للصحافيين، مرة بعد مرة، وتحت الذرائع نفسها تقريبًا، فإننا لا نكون أمام شظايا تائهة، بل أمام رسالة نارية واضحة: من يقترب من الحقيقة أكثر من اللازم، يُعاقَب. وهنا لا يعود مطلوبًا من العقل إلا أن يقرأ الوقائع كما هي: الجريمة حين تتكرر بالطريقة نفسها، ضد الفئة نفسها، وفي الجغرافيا نفسها، تتحول من واقعة إلى سياسة.

القانون في جهة… والعدو في جهة أخرى

القانون الدولي الإنساني واضح: الصحافيون المدنيون يتمتعون بالحماية أثناء النزاعات المسلحة ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. كما شددت قرارات الأمم المتحدة، ومنها القرار 2222، على ضرورة حماية الصحافيين والعاملين في الإعلام في مناطق الحرب. وتحذر اليونسكو من أن استهداف الصحافيين يحول مسارح النزاع إلى "مناطق صمت"، تُرتكب فيها الجرائم من دون شهود ومن دون ذاكرة موثقة.

لكن المأساة في منطقتنا لم تعد في غياب النص القانوني، بل في فائض انتهاكه، وفي الغياب المزمن لمن يفرضه على القاتل. ما أكثر القوانين التي تُكتب بالحبر، وما أقل ما يُكتب منها على يد العدالة. أما الاحتلال، فيتصرف كعادته بوصفه فوق الدم، وفوق القانون، وفوق المساءلة، مستندًا إلى مظلة سياسية وعسكرية وأخلاقية مشروخة، تجعل قتل الصحافي ممكنًا، ثم قابلاً للتبرير، ثم قابلًا للنسيان.

الميادين… حين يصبح الإعلام موقفًا

في لحظات كهذه، لا يعود الحديث عن الميادين حديثًا عن شاشة فقط، بل عن فكرة. عن إعلام فهم، منذ وقت مبكر، أن الحياد بين المقتول وقاتله ليس حيادًا، بل هو تواطؤ مقنّع.

وأن نقل الحقيقة من الميدان ليس وظيفة تقنية، بل هو انحياز أخلاقي إلى الناس الذين تُسحق حياتهم تحت الصواريخ، وتُشوَّه قصتهم في البيانات اللاحقة.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يصبح دم فاطمة فتوني ومحمد فتوني، ومن قبلهم فرح وربيع وهادي وغسان ومحمد رضا، أكثر من خسارة مهنية أو فاجعة إنسانية. إنه دم موقف. دم من اختاروا أن يذهبوا إلى الحافة، لا لكي يصنعوا بطولة شخصية، بل لكي يمنعوا الجريمة من أن تقع في الظلام. لكي يثبتوا أن الحقيقة، مهما أُثقلت بالدم، يمكن أن تخرج إلى الناس إذا وُجد من يحملها بضمير حي.

الصاروخ في مواجهة العدسة

وها هنا يتجلى المشهد في أكثر صوره صفاءً وفظاعة:

الاحتلال يملك الصاروخ، ويملك الطائرة، ويملك آلة التبرير، ويملك حلفاء يخففون عنه وقع الجريمة.

أما هؤلاء الشبان والشابات في الميدان، فلا يملكون إلا الكاميرا، والميكروفون، وشجاعة الوقوف في المكان الذي يهرب منه كثيرون.

ومع ذلك، يخشاهم الاحتلال. يخشى العدسة أكثر مما يعترف. يخشى الصوت الصادق أكثر مما يقول.

يخشى اللقطة التي تخرج من بين الركام، لأنها تهزم أكاذيبه طويلًا، حتى لو سبقها الصاروخ للحظة.

رحلت فاطمة فتوني وهي تحمل الميكروفون.

ورحل محمد فتوني وهو يحمل الكاميرا.

وهذه الصورة وحدها كافية لتقول كل شيء:

إن الاحتلال لا يكتفي بقتل الناس، بل يريد قتل من يروي قتلهم. لا يكتفي بهدم الجنوب، بل يريد إطفاء العين التي ترى الجنوب وهو يُذبح. لا يكتفي بإراقة الدم، بل يريد محو الدليل. لكن هذا الدم لا يذهب إلى الفراغ.

كل شهيد من شهداء الميادين يضيف سطرًا جديدًا إلى حقيقة يعرفها العدو جيدًا، ويحاول عبثًا أن يفر منها:

أن منابر الحق قد تُستنزف، قد تُستهدف، قد تُجرح… لكنها لا تُخرس.

وأن الحقيقة، مهما حاصرتها الصواريخ، تجد دائمًا من يحملها، ولو عبرها إلى الشهادة.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.