غزة القديمة وغزة الجديدة: مشروع إعادة تشكيل القطاع خلف الخط الأصفر
قراءة في انتقال خط وقف النار إلى بنية طويلة الأمد للسيطرة العسكرية، وإدارة السكان، وإعادة تشكيل مستقبل القطاع.
-
غزة القديمة وغزة الجديدة: مشروع إعادة تشكيل القطاع خلف الخط الأصفر
تكشف الوقائع المتراكمة منذ اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025 أن الخط الأصفر تجاوز وظيفة تنظيم انتشار القوات الإسرائيلية داخل قطاع غزة، وأصبح بنية تأسيسية في تشكيل غزة التالية للحرب؛ فهو ينقل الدفاع عن مستوطنات الغلاف إلى عمق القطاع، ويربط المواقع العسكرية والسواتر وطرق الإمداد بمنطقة واسعة تخضع للسيطرة الإسرائيلية، ويفصل هذه المنطقة عن كتلة فلسطينية مكتظة في الغرب. وقد وصفه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، في كانون الأول/ديسمبر 2025، بأنه “خط حدود جديد” يجمع الدفاع المتقدم وحرية العمل الهجومي داخل غزة.
يقدم المقال طرحاً مفاده أن الخط الأصفر يشكل منصة لبناء نظام ثنائي داخل القطاع، يتكون من غزة قديمة تضم المدن والمخيمات المدمرة ومواقع النزوح، وغزة جديدة تنشأ بصورة انتقائية داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والترتيبات الدولية. وتتداخل في بنائها مسارات عسكرية وسكانية وسياسية، تبدأ بتثبيت حزام أمني متعدد الطبقات، وتمر بإقامة وقائع عسكرية قابلة للاستمرار وتفعيل قوى فلسطينية محلية، وتصل إلى ربط العودة والإعمار والخدمات بشروط أمنية وإدارية تديرها منظومة دولية تقودها الولايات المتحدة.
الخط الأصفر وبناء جغرافيا السيطرة
منح المستوى السياسي الإسرائيلي هذا التحول صياغة مباشرة حين تحدث بنيامين نتنياهو، في تموز/يوليو 2026، عن وجود “غلاف غزة داخل غزة”، وربط الإعمار بنزع السلاح والترتيبات الأمنية. ويعني ذلك أن السياج المحيط بالقطاع أصبح خطاً خلفياً، فيما انتقلت منطقة الدفاع الأمامية إلى الخط الأصفر، وتحولت الأرض الواقعة بينهما إلى عمق أمني إسرائيلي داخل غزة.
اكتسب هذا الانتقال بنية مادية واضحة؛ فقد أظهرت الصور الفضائية عشرات الكيلومترات من السواتر الترابية، وعشرات المواقع العسكرية العاملة شرق الخط، إلى جانب طرق موسعة ومداخل معبدة ومنشآت جديدة، وإزالة واسعة للمباني والركام حول القواعد. ويمنح تموضع عدد من المواقع فوق مرتفعات رملية القوات سيطرة بصرية ونارية على المناطق الغربية التي تتركز فيها الكتلة السكانية الفلسطينية.
ترافق التحصين مع توسع جغرافي متدرج؛ فقد غطى الخط الأصفر، عند تثبيته، نحو 53% من مساحة القطاع، ثم وسعت الخطوط اللاحقة والقيود الميدانية المنطقة الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. وبحلول 26 حزيران/يونيو 2026، أصبح نحو 64.9% من مساحة غزة داخل نطاق السيطرة الأشد، فيما أفادت قيادة الجيش، في 18 تموز/يوليو، بسيطرة إسرائيلية على نحو 65% من القطاع.
تخدم هذه البنية مبدأ الاقتصاد في القوة؛ فالمواقع المحصنة، والمراقبة التقنية، وطرق الإمداد، والسيطرة بالنيران، تقلل حجم القوات المطلوبة للإمساك بالأرض، وتحافظ على قدرة التدخل من نقاط ثابتة. وقد ظهر أثر ذلك في توجيه زامير، خلال تموز/يوليو، بتخفيض الانتشار في غزة ولبنان، ونقل كتائب نظامية إلى الضفة الغربية، في ظل ضغط متزايد على القوات النظامية ومنظومة الاحتياط.
وجاء إعلان وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، إقامة ثلاث نقاط ناحال في مواقع مستوطنات سابقة شمال غزة ليضيف بعداً جديداً إلى هذه الوقائع. فنقاط ناحال استُخدمت تاريخياً لربط الحضور العسكري بالنشاط الزراعي والاستيطاني، وتحول عدد منها لاحقاً إلى مستوطنات مدنية. وتزامن الإعلان مع حديث بتسلئيل سموتريتش عن خطط جاهزة لثلاث مستوطنات داخل القطاع، ويكشف ذلك مساراً يتدرج من الإمساك العسكري بالأرض إلى تهيئتها لحضور إسرائيلي طويل الأمد، تحت عنوان حماية الحدود.
الحزام الأمني والعصابات المسلحة المحلية
تمثل المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، بين عامي 1985 و2000، السابقة الإسرائيلية الأقرب، حيث جمع الحزام بين المواقع العسكرية الإسرائيلية وقوة مسلحة محلية تولت الانتشار والحراسة والإدارة تحت الإسناد الإسرائيلي، واستمر خمسة عشر عاماً قبل انهيار جيش لبنان الجنوبي مع الانسحاب في أيار/مايو 2000. وتقدم منطقة التماس في الضفة الغربية صورة أخرى لتحول العائق الجغرافي إلى نظام يومي من التصاريح والبوابات والقيود التي تضبط الوصول إلى البيوت والأراضي والخدمات.
أضافت أحداث قرية تل، قرب نابلس، في 24 تموز/يوليو 2026، شاهداً راهناً على تكامل الاستيطان المسلح والعمل العسكري والإجراءات العقابية. فقد بدأت الواقعة بدخول مستوطنين، كان بعضهم مسلحاً، إلى محيط القرية، ثم وقعت مواجهة قُتل فيها أربعة فلسطينيين وجنديان إسرائيليان، وأعقبها طوق عسكري ومداهمات وتحقيق ميداني مع عشرات السكان واعتقال عدد منهم، بالتزامن مع قرار تسريع البناء الاستيطاني في المنطقة. واكتسبت الواقعة دلالة أوسع مع دعوة إيتمار بن غفير إلى معاملة قرى الضفة على غرار بيت حانون، ومطالبة سموتريتش بجعل قرى تل وعراق بورين وبيت فوريك شبيهة بالمخيمات التي تعرضت للهدم في نابلس وطولكرم.
تكشف الواقعة انتقال أدوات السيطرة بين غزة والضفة، حيث يتحول العنف الاستيطاني إلى مدخل لانتشار عسكري أوسع، ثم تتبعه إجراءات تمس السكان والمنازل والحركة، ويأتي التوسع الاستيطاني نتيجة سياسية وميدانية. وتظهر غزة، في هذا المسار، نموذجاً مكتملاً يجري استدعاء أدواته وتطبيقها بدرجات متفاوتة في الضفة.
داخل غزة، أقر نتنياهو، في حزيران/يونيو 2025، بتفعيل عشائر فلسطينية ضد حماس، ثم وثقت تقارير لاحقة عمل جماعات مسلحة من مناطق رفح وخان يونس الواقعة خلف الخط، وتطلع قياداتها إلى دور دائم في الترتيب الجديد. وتتمثل وظيفتها المحتملة في تقليل كلفة الإدارة الإسرائيلية المباشرة عبر تولي جانب من الاحتكاك بالسكان، وحماية مسارات الإمداد والمنشآت، وجمع المعلومات، ومواجهة القوى الرافضة، فيما يحتفظ الجيش بالمواقع والنيران والمراقبة والتحكم الخارجي.
تتشكل داخل المنطقة الواقعة خلف الخط ثلاثة مستويات مترابطة: مواقع عسكرية تمسك بالأرض، وعصابات مسلحة محلية تؤدي وظائف أمنية، ونقاط ناحال تفتح طريقاً لحضور استيطاني منظم. ويمنح جمع هذه المستويات الخط الأصفر قابلية التحول من ترتيب مرتبط بوقف النار إلى نظام طويل الأمد لإدارة الأرض والسكان.
من مشاريع التوطين إلى غزة القديمة والجديدة
يُقصد بمشاريع تصفية القضية الفلسطينية، في هذا السياق، تحويل قضية الشعب والأرض والسيادة والعودة إلى ملف سكان وإغاثة وإدارة محلية وترتيبات أمنية. وقد ظهرت هذه الوظيفة في محطات متعددة منذ نكبة عام 1948، ثم في مشروع توطين آلاف الأسر من لاجئي غزة في شمال غربي سيناء خلال الخمسينيات، وفي مشروع ألون الذي فصل بين الأرض ذات القيمة الأمنية والكتل السكانية الفلسطينية، وصولاً إلى الصيغ التي منحت الفلسطينيين إدارة محدودة تحت تحكم خارجي في الأمن والحدود والموارد.
عقب السابع من تشرين الأول/أكتوبر، عاد التهجير الخارجي إلى الوثائق الإسرائيلية؛ فقد اقترحت ورقة صادرة عن وزارة الاستخبارات، في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نقل سكان غزة إلى سيناء، وإقامة مدن دائمة ومنطقة تحول بينهم وبين العودة إلى القطاع. أما الصيغة الراهنة، فتقوم على التهجير الداخلي والتحكم في العودة، حيث يسبق إفراغ المناطق إقامة السواتر والمواقع، ثم يرتبط الرجوع بالتدقيق الأمني وهوية الإدارة والشرطة ونوعية الخدمات، ويتحول النزوح، بذلك، إلى أداة في إعادة بناء الخريطة السكانية.
ظهرت الملامح التنفيذية لهذا التقسيم في التخطيط الأميركي خلال تشرين الثاني/نوفمبر 2025، حين دُرست إقامة منطقة خضراء شرق الخط الأصفر، تحت سيطرة عسكرية إسرائيلية ودولية، يبدأ فيها الإعمار تدريجياً، مقابل منطقة حمراء غربه تضم معظم السكان والدمار. وتُترجم غزة الجديدة هذا التصور إلى مناطق يعاد بناؤها وفق قواعد تحدد السكان المسموح لهم بالدخول، وآليات التدقيق، وهوية الشرطة، ومسارات التمويل، فيما تضم غزة القديمة المدن والمخيمات ومواقع النزوح والخدمات المنهكة داخل الحيز الغربي.
توضح بيانات مراكز الدراسات أن دير البلح وخان يونس تستحوذان حالياً على 62% من سكان القطاع و74% من سكان مواقع النزوح، بالتزامن مع انكماش رفح وتراجع الكتلة السكانية في الشمال. ويمنح هذا التوزع السيطرة على الأرض الشرقية أثراً مباشراً في شروط الحياة داخل الغرب، لأن المنطقة المقيدة تضم مساحات زراعية وآباراً وطرقاً ومناطق للتوسع العمراني ومنشآت خدمية. وقد أشار مكتب الأمم المتحدة إلى وجود مكبي النفايات الصحيين في غزة قرب الحدود الشرقية داخل المنطقة المقيدة، وهو ما أدى إلى تراكم النفايات داخل المناطق المأهولة عند تعذر الوصول إليهما.
خطة ترامب: الأساس السياسي للتنفيذ المجزأ
منحت خطة ترامب الشاملة لإنهاء الصراع في غزة، الصادرة في 29 أيلول/سبتمبر 2025، هذا المسار أساساً سياسياً وتنفيذياً. فالبند الخامس عشر أنشأ قوة استقرار دولية تتولى العمل مع مصر و“إسرائيل” والشرطة الفلسطينية على تأمين الحدود، ومنع دخول السلاح، ودعم نزع السلاح، بينما ربط البند السادس عشر انسحاب الجيش الإسرائيلي بمعايير ومحطات وجداول زمنية متصلة بعملية نزع السلاح، مع إبقاء وجود أمني محيطي إلى حين تحقق الشروط الأمنية.
يحمل البند السابع عشر الدلالة الأوضح بالنسبة إلى فكرة غزة القديمة وغزة الجديدة، إذ يتيح استمرار تنفيذ الخطة داخل ما سماه النص “المناطق الخالية من الإرهاب” التي يسلّمها الجيش الإسرائيلي إلى قوة الاستقرار الدولية، حتى في حال تأخر حماس في قبول المقترح أو رفضه. وبهذا، تنفصل جغرافيا التنفيذ عن التسوية الفلسطينية الشاملة، ويصبح ممكناً تأسيس نموذج أمني وإداري وإعماري داخل أجزاء منتقاة من القطاع، بينما تبقى بقية المناطق تحت ضغط الدمار والاكتظاظ وتأخر الإعمار.
عند جمع البنود الثلاثة، يظهر تصور متكامل: تتقدم قوة الاستقرار إلى مناطق محددة، وتتسلم الشرطة الفلسطينية المنتقاة وظائف الأمن المحلي، وتدخل الإدارة التكنوقراطية، ويبدأ الإعمار، ثم يتراجع الجيش الإسرائيلي وفق معايير أمنية متدرجة. ويمنح البند السابع عشر هذه المنظومة قابلية البدء والتوسع الموضعي، وهو ما يجعل الخط الأصفر فاصلاً بين مسارين مختلفين في الحكم والأمن والخدمات وفرص العودة.
نقل قرار مجلس الأمن رقم 2803، الصادر في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، الخطة من مبادرة أميركية إلى إطار دولي معتمد، وأجاز إنشاء مجلس السلام وقوة الاستقرار الدولية، وأقر إدارة انتقالية تعمل إلى جانب لجنة فلسطينية تكنوقراطية. وتمثل هذه النقلة تطوراً في وظيفة مجلس الأمن تجاه حرب غزة؛ فالقرار 2728 ركز على وقف إطلاق النار، والقرار 2735 تناول مراحل التهدئة والتبادل والانسحاب، ثم جاء القرار 2803 ليؤسس بنية حكم وأمن وإعمار ممتدة.
هندسة السلطة فوق الجغرافيا الجديدة
تقوم بنية اليوم التالي على هرم متعدد المستويات؛ يتولى مجلس السلام قيادته السياسية والإشراف على التمويل والإعمار، ويعمل الممثل الأعلى بوصفه حلقة الوصل التنفيذية، ويتولى مركز التنسيق المدني العسكري في كريات غات دمج الخطط العسكرية والمدنية، وتنسيق المساعدات والاستقرار والتعامل مع الدول والمنظمات والقطاع الخاص، فيما تنفذ قوة الاستقرار والشرطة الفلسطينية ترتيبات الأمن داخل القطاع، وتتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة الخدمات والإدارة اليومية.
تكتسب منظومة CMCC أهميتها من كونها غرفة تشغيل الترتيب الجديد؛ فهي تجمع الصورة الأمنية والإنسانية والإدارية خارج غزة، وتربط تدفق المساعدات وحركة القوات وخطط الإعمار بآلية تنسيق تقودها القيادة المركزية الأميركية، مع بقاء القوات الأميركية العاملة فيها خارج القطاع. ويؤدي هذا الترتيب إلى تمركز القرار التشغيلي خارج الجغرافيا الفلسطينية، فيما تعمل المؤسسات الفلسطينية داخلها ضمن صلاحيات محددة.
تشكل قوة الاستقرار الدولية الجسر بين السيطرة العسكرية الإسرائيلية والإدارة الفلسطينية المنتقاة، وتشمل مهامها المعلنة تأمين الحدود، ودعم نزع السلاح، وحماية المدنيين، وتدريب الشرطة الفلسطينية ومساندتها. ويظل انتشارها وتكوينها وقواعد الاشتباك والتمويل والجهة التي تتحمل مسؤولية فرض نزع السلاح مسائل حاسمة في تحديد قدرتها على الانتقال من تصور سياسي إلى قوة فعلية.
أما اللجنة الوطنية لإدارة غزة، برئاسة علي شعث، فتمنح المشروع واجهة فلسطينية إدارية، وتتولى ملفات الخدمات والبلديات والبنية التحتية والاقتصاد والإغاثة. وقد بقيت اللجنة تعمل من القاهرة، وتأخر دخولها إلى القطاع، فيما أعلنت حماس، في 6 تموز/يوليو 2026، حل هيئتها الحكومية والاستعداد لنقل الإدارة إليها. وبقيت السيطرة الأمنية والسلاح خارج هذا الانتقال الإداري، ويفتح ذلك فجوة بين إدارة الخدمات والسلطة الفعلية على الأرض، كما يضع اللجنة أمام احتمال بدء عملها في المناطق التي تسمح بها “إسرائيل” وقوة الاستقرار، وهو ما قد يجعل الخدمات والإعمار وسيلة جذب سكاني باتجاه غزة الجديدة.
تظهر السلطة الفلسطينية في هذه البنية مرجعية مؤجلة؛ فقد ربطت خطة ترامب عودتها إلى غزة ببرنامج إصلاح وتقييم لاحق، بينما تعمل لجنة شعث خارج بنيتها الرسمية، وتستفيد من خبرات موظفين سبق لهم العمل فيها. ويحافظ هذا الترتيب على حضور إداري فلسطيني محدود، ويضع محمود عباس ومؤسسات منظمة التحرير بعيداً عن مركز القرار الانتقالي، كما يمنح الجهات الخارجية قدرة واسعة على تحديد أهلية السلطة للحكم وتوقيت عودتها وصلاحياتها.
التفاوض على السلاح والانسحاب ووحدة القطاع
يمثل تعثر مفاوضات المرحلة الثانية العامل الذي يطيل عمر الخط الأصفر؛ فقد وافقت حماس على تسليم الإدارة إلى لجنة تكنوقراط، بينما بقي السلاح والانسحاب والضمانات السياسية ملفات مترابطة. وخلال حزيران/يونيو 2026، طرح الوسطاء تصوراً يقوم على حصر السلاح وتسليمه تدريجياً إلى جهة فلسطينية، ووضعه تحت إشراف ترتيبات دولية، مقابل جدول انسحاب إسرائيلي، وإدخال مساعدات كافية، وتمكين لجنة شعث من دخول غزة.
توزعت أدوار الوسطاء الثلاثة وفق وظائف متمايزة؛ فمصر تستند إلى الجغرافيا والمعابر والأمن الحدودي واستضافة اللجنة والمفاوضات وتدريب الشرطة، وقطر تستند إلى علاقتها التفاوضية المتراكمة مع قيادة حماس وقدرتها التمويلية، وتركيا تؤدي دور الضامن السياسي تجاه الحركة، وتسعى إلى موقع في ترتيبات الأمن والإعمار. ويكشف الاعتراض الإسرائيلي على مشاركة تركية وقطرية فاعلة داخل القوة الدولية أن الوساطة أصبحت جزءاً من التنافس على هوية غزة التالية للحرب والجهات المؤثرة في إدارتها.
يحمل تمويل الإعمار وزناً موازياً للسلاح والانسحاب؛ فالجهة التي تخصص الأموال وتحدد المشروعات وترتيب المناطق تستطيع التأثير في حركة السكان وفرص العودة. ويضاف إلى ذلك مصير ملكيات الفلسطينيين داخل المنطقة المقيدة، وحرية الوصول إلى الأراضي الزراعية والآبار، وطبيعة المعابر بين المنطقتين، ومعايير اختيار الشرطة وتدريبها ومراقبتها. وتمنح هذه التفاصيل التقسيم مضموناً يومياً يتجاوز الخرائط العسكرية إلى السكن والعمل والخدمة والحق في الأرض.
وفي السادس والعشرين من تموز/يوليو 2026، انتقل مشروع غزة الجديدة إلى طور التنفيذ الذي حاز موافقة الكابينت الإسرائيلي، بعد إقرار السماح لقوة الاستقرار الدولية واللجنة الوطنية لإدارة غزة بالدخول إلى جزء من القطاع، وإطلاق المشروع التجريبي لمجلس السلام في رفح. ويقوم المشروع على إنشاء مساكن مؤقتة، واستعادة بعض الخدمات الأساسية، وتنظيم المساعدات داخل منطقة تقع تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية وخارج سيطرة حماس، مع إخضاع المنتقلين إليها لإجراءات فحص أمني، ثم توسيع النموذج إلى مناطق أخرى عند نجاح مرحلته الأولى.
وبذلك، اجتمعت داخل بقعة جغرافية واحدة عناصر المشروع التي ظلت موزعة بين خطة ترامب وقرار مجلس الأمن ومداولات مجلس السلام: الأرض التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، والقوة الدولية التي تتولى الاستقرار، واللجنة الفلسطينية التي تدير الحياة المدنية، والسكان الذين يجري اختيارهم أمنياً، والإعمار الذي يبدأ بصورة جزئية خلف الخط الأصفر. وفي الجهة المقابلة، تقدم الخطة المصرية التي تبنتها القمة العربية تصوراً لإعمار شامل يحافظ على بقاء الفلسطينيين وملكيتهم ووحدة القطاع، وتتركز نقطة التباين الحاكمة بين التصورين في الجهة التي تضبط العودة والإعمار وتوزيع الخدمات.
خطر تثبيت الانقسام
تقدم حالات قبرص وبرلين والكوريتين والهند وباكستان مقارنات وظيفية محددة؛ فقبرص توضح قدرة المنطقة العازلة والقوة الدولية على تثبيت انقسام يمتد لعقود، وبرلين تكشف أثر المعابر المقيدة في فصل حيز عمراني واحد، والكوريتان تقدمان نموذجاً لتحول خط الهدنة إلى حدود محصنة، فيما يوضح تقسيم الهند وباكستان الصلة بين رسم الحدود وإعادة توزيع السكان.
تجمع غزة بعض وظائف هذه النماذج داخل مساحة أصغر وأشد اكتظاظاً، ويضاف إليها نموذج جنوب لبنان الذي ربط الحزام الأمني بالعصابات المسلحة المحلية، ونموذج ناحال الذي استخدم الوجود العسكري جسراً نحو الاستيطان. وتلتقي هذه السوابق في مسار يجعل الخط العسكري أساساً لترتيب إداري وسكاني وسياسي قابل للاستمرار.
تتقدم الأدوات الميدانية في هذا المسار على التسوية السياسية؛ فالخط الأصفر يرسم الجغرافيا، ووجود الجيش الإسرائيلي يمنحه القدرة على البقاء، والعصابات المسلحة المحلية تخفض كلفة الإدارة، ونقاط ناحال تفتح احتمال الاستيطان، والبند السابع عشر يتيح التنفيذ المجزأ، وقرار مجلس الأمن يوفر الغطاء الدولي، ومجلس السلام يقود المشروع، وCMCC يدير تشغيله، وقوة الاستقرار تحمي انتقاله، واللجنة الفلسطينية تمنحه واجهة إدارية محلية. ويمثل مشروع رفح مختبراً لإدارة الفلسطينيين داخل غزة الجديدة، فيما تعمل نقاط ناحال على تثبيت الحضور الإسرائيلي في الأرض المفرغة شمال القطاع.
أصبحت وحدة قطاع غزة القضية الاستراتيجية الحاكمة في المرحلة المقبلة، ويتطلب حفظها تثبيت الإعمار الشامل، وحرية العودة الداخلية، وحماية الملكيات، ووحدة الإدارة الفلسطينية، وعدالة توزيع الخدمات، وربط الوجود الدولي بجدول انسحاب واضح، وحماية الخطوط المؤقتة من التحول إلى حدود سياسية وسكانية. فاستمرار المسار الراهن يضع غزة أمام كيانين متفاوتين: غزة قديمة مكتظة ومعلقة تحت ضغط الدمار والحاجة، وغزة جديدة منتقاة ومحكومة من الخارج، بينما يعاد تشكيل الأرض والسكان والسيادة تحت عنوان الترتيبات الانتقالية.