غرب آسيا بين حافة الحرب ولحظة فيينا: لماذا ترجح كفة الانفراج؟

غرب آسيا يقف اليوم بين حافّة الحرب ولحظة فيينا. والانفراج، رغم هشاشته، يبدو أرجح من الحرب. لكن هذا الانفراج لن يكون "سلاماً" بالمعنى المثالي، بل تسوية قائمة على توازن المصالح.

0:00
  • مشهد التصعيد... لماذا تبدو الحرب وشيكة؟
    مشهد التصعيد... لماذا تبدو الحرب وشيكة؟

في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت أجواء الحرب الكبرى الفاصلة في غرب آسيا، بعد العجز الأميركي عن إكراه إيران على الاستسلام، ورفض طهران حتى مجرد تمرير ضربة أميركية محدودة لمنشأة جبل الفأس النووية حيث يُظن وجود مواد عالية التخصيب. لكن هذا التصعيد، رغم خطورته، لا يعني أن الحرب هي المسار الأرجح. فالمؤشرات المتقاطعة تشير إلى أن المنطقة تتأرجح بين الحرب والانفراج، وأن كفة الانفراج، وإن كانت هشة، تبدو أرجح. فما هي هذه المؤشرات؟ وما الذي يجعل الانفراج ممكناً رغم كل عوامل التصعيد؟ 

 مشهد التصعيد... لماذا تبدو الحرب وشيكة؟

ثمة ثلاثة عوامل تغذي احتمالات الحرب:

العامل الأول: المأزق الاقتصادي العالمي. الإغلاق الكامل لمضيق هرمز، منذ اندلاع الحرب في الـ 28 من شباط/فبراير 2026، ثم سيطرة صنعاء على مضيق باب المندب، رفعا مستويات الضغط على الاقتصاد العالمي. فمضيق هرمز كان يحمل نحو 20 مليون برميل يومياً، وفقد معظم طاقته التشغيلية. ويمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية، ونسبة مماثلة من تجارة الغاز الطبيعي. هذا الوضع يضع الرئيس الأميركي أمام ضغط انتخابي هائل قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر 2026.

العامل الثاني: المأزق السياسي الأميركي. ترامب شخصياََ لا يستطيع ابتلاع الهزيمة بالعودة إلى مذكرة التفاهم التي وقّع عليها في يونيو 2026، ولا يستطيع ضمان انتصار جولة جديدة من الحرب. وهو نفسه أعلن أنه لن يهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي، في اعتراف ضمني بأن الحرب أضرّت بآمال الحزب الجمهوري، وقد يلجأ بعد الانتخابات للحرب من جديد معزّزاََ من القوى الدولية العميقة، التي تخشى الفشل الأميركي الاستراتيجي، وأن تتحول إيران إلى بوابة العبور نحو نظام دولي جديد.

العامل الثالث: العامل الإسرائيلي. نتنياهو لم ينتصر في الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في الـ 27 من تشرين الأول/ أكتوبر 2026. فقد أظهرت استطلاعات الخروج أن معسكر نتنياهو حصل على 50 مقعداً، مقابل 52-53 مقعداً لمعسكر منافسه آيزنكوت، ما يعني أنه لن يتمكن من تشكيل حكومة. هذا الوضع يضعف قدرة تل أبيب على جرّ واشنطن إلى حرب جديدة، ولو مؤقتاً.

 مؤشرات الانفراج... ؟

في المقابل، ظهرت سلسلة من التحولات غير اليقينية بعد، لكنها تشير كلها في اتجاه واحد: الانفراج.

1. تصريحات توم براك: نهاية عصر الحماية الأميركية

في منتدى الأمن العالمي 2026 في الدوحة، قال المبعوث الأميركي إلى سوريا والعراق، توم براك، إن "حروب تغيير الأنظمة فشلت"، وإن المنطقة باتت أشبه بـ"مكعب روبيك" تتشابك فيه المصالح. والأهم من ذلك، قوله لدول الخليج: "عليكم أن تعتمدوا على أنفسكم. نحن لن نرحل، لكن لن نسيطر، ولن نحمي أحداً". وأضاف أن واشنطن "لم تعد مستعدة لتحمل المسؤولية الأمنية التي اعتمدتها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية".

هذا التصريح ليس مجرد موقف شخصي، بل يعكس تحولاً في المقاربة الأميركية: واشنطن تريد التخفف من الأعباء، والتركيز على الشرق الأقصى، وترك دول المنطقة تتحمل مسؤولية أمنها. وهذا يعني أن واشنطن لن تخوض حرباً جديدة نيابة عن أحد، وأن أي ترتيب أمني إقليمي يجب أن تقوده دول المنطقة نفسها.

2. لقاء طهران: حلف مكة وإيران يتفقان على "أمن المنطقة في أيدي دولها"

في الـ 26 من تشرين الأول/أكتوبر 2026، استضافت طهران اجتماعاً رباعياً ضمّ ممثلين عن "حلف مكة" (السعودية وتركيا وباكستان) وإيران. وقد أسفر الاجتماع عن تفاهم يقضي بـ"إسناد مسؤولية ضمان الأمن الإقليمي إلى دول المنطقة نفسها، بعيداً عن التدخلات الخارجية". وقال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي: "اتفق المشاركون على أن تتولى دول المنطقة مسؤولية ضمان أمنها بنفسها... أشعر بأن أجواء جديدة تتشكل في المنطقة".

هذا التفاهم هو الأول من نوعه بين إيران وحلف مكة، ويشكل تحولاً جوهرياً: فبدلاً من استراتيجية "المواجهة" التي سادت لعقود، يبدو أن هناك اعترافاً متبادلاً بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا بتعاون دولها. وهو ما يتسق مع تصريحات براك حول "مسؤولية دول المنطقة".

3. الملف اليمني: السعودية تلمّح إلى الاعتراف بصنعاء

في السياق نفسه، بدأت السعودية تلمّح إلى تغيير موقفها من اليمن. فبحسب تغريدة الصحافي داود الشريان، المقرّب من ولي العهد محمد بن سلمان، فإن المقترح الإيراني للوساطة في اليمن يتضمن "اعترافاً بأنصار الله كممثلين شرعيين لليمن وتهميش الشرعية". وأقر الشريان بأن هذا الاعتراف "بمثابة تعريف للمشكلة قبل حلّها".

هذا التلميح، رغم أنه لم يُعلن رسمياً، يشير إلى أن الرياض تبحث عن مخرج من حرب اليمن، بعد عجزها عن حماية منشآتها النفطية، وبعد أن أصبحت الهجمات اليمنية تشلّ الحياة اليومية في المدن السعودية، ودخول القوات العسكرية لصنعاء إلى عمق 8 كم داخل جازان وأبها، وهذا بدوره يقلّل من احتمالات انجرار المنطقة إلى حرب أوسع.

4. اجتماع موسكو: قطر وإيران وروسيا... وسطاء جدد

في الـ 27 من تشرين الأول/أكتوبر 2026، جمعت موسكو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على هامش قمة منتدى الدول المصدّرة للغاز. وقد ركّز اللقاء على تداعيات إغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة العالمية.

هذا الاجتماع يعكس صعود دور قطر كوسيط أساسي بين واشنطن وطهران، وصعود دور روسيا كضامن محتمل لأي ترتيبات أمنية في المنطقة. وهو مؤشر على أن الانفراج، إن حدث، سيكون نتاجاً لتعدد أطراف الوساطة، وليس لقرار أميركي أحادي.

من لحظة فيينا 1815 إلى غرب آسيا 2026

قدّم مؤتمر فيينا 1815 النموذج الأقرب المشابه لهذه المرحلة. فبعد الحروب النابليونية التي دمرت أوروبا لأكثر من عقدين، اجتمعت القوى الكبرى (بريطانيا، روسيا، النمسا، بروسيا، وفرنسا) لإعادة رسم خريطة القارة، ليس على أساس "العدالة" أو "الحق التاريخي"، بل على أساس توازن القوى. وقد أسس هذا المؤتمر ما عُرف بـ"نظام المؤتمر الأوروبي"، الذي أدار العلاقات الدولية عبر مؤتمرات دورية، وحافظ على السلام النسبي في أوروبا لعقود.

وما نشهده اليوم شبيه بتلك اللحظة، فإما الحرب الشاملة الواسعة الأقرب إلى الحرب العالمية، وإما الجلوس إلى الطاولة والوصول إلى تسوية جديدة في غرب آسيا، تلحظ الفشل الأميركي الإسرائيلي الاستراتيجي، بإقامة نظام أمني جديد قائم على حجم الأدوار الجديدة، وضمان مصالح دول غرب آسيا بعيداََ عن "إسرائيل".

إذا كان مؤتمر فيينا قد أنتج "نظام المؤتمر" الذي أدار أوروبا لعقود، فإن غرب آسيا قد يكون على أعتاب "لحظة فيينا" خاصة به.

 لماذا الانفراج أرجح؟

هناك ثلاثة أسباب تجعل الانفراج أرجح من الحرب:

السبب الأول: كلفة الحرب أصبحت غير محتملة للجميع. فإغلاق هرمز لم يضرّ بإيران وحدها، بل ضرب الاقتصاد العالمي، وأضرّ بدول الخليج، وأضعف موقع ترامب انتخابياً، وهدد بتفكيك النظام المالي العالمي. والحرب الجديدة لن تحل هذه المشكلة، بل ستزيدها.

السبب الثاني: ظهور إرادة إقليمية للانفراج. لقاء طهران بين حلف مكة وإيران، والتلميحات السعودية تجاه اليمن، ووساطة قطر وروسيا، كلها تشير إلى أن دول المنطقة بدأت تدرك أن أمنها لا يمكن أن يتحقق إلا بتعاونها. وهذا الإدراك هو الأرضية الصلبة لأي انفراج.

السبب الثالث: تراجع قدرة "إسرائيل" على جرّ المنطقة إلى الحرب. فنتائج الانتخابات الإسرائيلية، وضعف نتنياهو، وتراجع الدعم الأميركي للحرب، كلّها تقلّل من احتمالات انجرار المنطقة إلى مواجهة شاملة.

بين الحرب والانفراج؟

غرب آسيا يقف اليوم بين حافّة الحرب ولحظة فيينا. والانفراج، رغم هشاشته، يبدو أرجح من الحرب. لكن هذا الانفراج لن يكون "سلاماً" بالمعنى المثالي، بل تسوية قائمة على توازن المصالح، وربما على حساب بعض الأطراف، فهل ستتقبل القوى الإقليمية والدولية ذلك؟ وهل تتحمل "إسرائيل" المستبعدة من هذه اللحظة تهميشها الذي يعني زوالها فيما بعد؟