عودة فرنسا إلى تشاد: منطق النفوذ الشبكي بدل الحضور العسكري
فرنسا إلى استعادة نفوذها في تشاد والساحل عبر شراكات دفاعية واستخباراتية أقل ظهوراً من القواعد العسكرية التقليدية، وسط منافسة دولية وحرص تشادي على تنويع الشركاء وحماية السيادة.
-
عودة فرنسا إلى تشاد: منطق النفوذ الشبكي بدل الحضور العسكري
يمثل تجديد التعاون الدفاعي بين باريس ونجامينا محاولة فرنسية لاستعادة مواقع استراتيجية كانت قد خسرتها في أفريقيا، ولكن هذه المرة بأدوات أقل ظهوراً وأكثر ارتباطاً بالشراكات المحلية. ففي منتصف أكتوبر 2026، وخلال زيارة الرئيس محمد إدريس ديبي إلى باريس ولقائه إيمانويل ماكرون، وقّع الطرفان إعلان نوايا ينظّم التعاون بينهما في التدريب والخبرة والصناعة والتكنولوجيا الدفاعية. وجاء الإعلان بعد أقل من عامين على قرار نجامينا إنهاء اتفاق الدفاع ومغادرة آخر الجنود الفرنسيين في يناير/كانون الثاني 2025.
فهل ستقود نزعة السعي إلى استرداد النفوذ فرنسا إلى استبدال الحضور عبر أداة القواعد العسكرية على الأرض بمنطق النفوذ الشبكي؟
من خسارة المواقع إلى البحث عن منافذ
كانت نجامينا ركيزة من ركائز الحضور الفرنسي في وسط أفريقيا والساحل، ومركزاً لوجستياً يشرف على فضاء مفتوح على ليبيا والسودان وحوض بحيرة تشاد. وقد وفّر هذا الوجود العسكري الدعم الجوي والاستطلاع والتدريب والإسناد، ونسج، على مدى عقود، صلات متينة مع المؤسسة العسكرية التشادية. وبانسحاب القوات، فقدت باريس وصولاً سريعاً إلى مساحات واسعة، وفقدت امتيازاً سياسياً ارتبط بعلاقتها مع الأنظمة المتعاقبة في نجامينا.
شكّل الانسحاب من تشاد حلقة ضمن سيرورة تدحرج في المكانة والنفوذ عانت منها فرنسا، وآلت في منتهاها إلى طردها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وقد بيّن ذلك التدحرج أن نموذج الحضور الفرنسي في الساحل استند إلى ركنين: حضور وانتشار دائمين على الأرض للضباط والجنود الفرنسيين، ورضى سياسي من الحكومات المضيفة. فلمّا تراجع الرضا وحلّ محله الرفض، خرّ النموذج كله.
في المقابل، باتت تلك الحكومات تنظر إلى بقاء القوات الفرنسية، والأجنبية عموماً، كعبء سياسي وأخلاقي ثقيل، رفضت تجشّم تكاليفه، ولا سيّما على شرعيتها، فطالبت بشروط تعاون جديدة وضعت احترام سيادتها على رأسها.
أمام هذا المعطى السياسي الجديد، واجهت باريس تحديين: تعويض حضور عملياتي فقدته، وترميم، ولو بعضاً من نفوذها، في منطقة باتت شديدة الحساسية تجاه أي حضور عسكري أجنبي، ولا سيّما إن كان فرنسياً.
في ضوء ذلك، يمكن الحكم بأن قيمة العودة إلى تشاد تفوق حجم الاتفاق المعلن، لأنها قد تضمر سعي باريس إلى بعث قناة أمنية مع دولة ذات موقع جغرافي حاسم، وتجريب أسلوب جديد في التعاون يبدأ من ساحة التدريب والتجهيز وتبادل المعلومات، لكنه حتماً لن يتوقف عندها إن استمر.
النفوذ الشبكي: نحو هندسة حضور أقل ظهوراً
يُقصد بالنفوذ الشبكي قدرة فاعل فوق إقليمي على التأثير داخل بيئة إقليمية ما عبر منظومة من الروابط المؤسسية والتقنية والاستخباراتية واللوجستية المنسوجة مع شريك محلي. وتُفعّل هذه المنظومة أساساً عبر برامج التدريب العسكري، وآليات تبادل المعلومات، وعقود التوريد والصيانة، فضلاً عن الصلات المؤسسية التي تتوطد بين الأجهزة العسكرية والأمنية للطرفين على امتداد الزمن.
ولعل أكبر أثر يُرام من هذه الأدوات مجتمعة هو أن تولّد اعتماداً متبادلاً بين الطرفين، بمرور الزمن، يتجاوز عمر أي انتشار ميداني، الذي عادة ما يكون مقيّداً بآجال محددة، وأن تخفف، في الوقت ذاته، الكلفة السياسية والمالية التي غالباً ما تترتب على الوجود الميداني المباشر.
تذهب القرائن إلى أن باريس باتت تميل إلى العمل وفق هذا المنطق، وهي ماضية في تجسيده مع نجامينا، خاصة أن التعاون الاستخباراتي بين العاصمتين استمر خلال فترة القطيعة، ولو بدرجات متفاوتة، ناهيك باستئناف تدريب مشترك محدود بينهما في أبريل/نيسان 2026. فيما ذهبت بعض المصادر التشادية إلى تأكيد مشاركة عناصر فرنسية في تدريب وحدات تشادية، والحديث عن بحث تزويد نجامينا بمروحيات وطائرة نقل وخيارات للمراقبة والاستطلاع.
إن التمحيص في هذا يقودنا إلى استنتاج الوظائف التي تصبو إليها باريس من وراء اعتماد النفوذ الشبكي، وهي نفسها وظائف وجودها في الماضي، لكن بتوزيع جديد. فالتدريب يعيد وصل الروابط المهنية بين الأفراد المحترفين في المجالين العسكري والأمني، والتجهيز يفتح مسارات طويلة للدعم الفني يمكن لفرنسا من خلالها أن تعيد بناء جزء من قدرات القوات التشادية، على النحو الذي يخولها التحكم فيها، ولو جزئياً، في المستقبل. والاستخبارات تؤمّن قنوات المعلومات والاستعلام، وتفتح نوافذ للمخابرات الفرنسية لمعرفة ما يجري في تشاد وجوارها، والتعاون الجوي يضيف المراقبة والإسناد.
ومع ذلك، حري بنا التنويه بأن فاعلية هذه الوظائف مرهونة عملياً بثلاثة عوامل: نوعية الروابط التي ستتكرس، ودرجة اعتماد الشريك عليها، ثم قدرته على تنويع مصادره. فإن كان وجود المدربين والعقود واللوجستيات الفرنسية برهاناً على استمرار التعاون، فإن إثبات النفوذ السياسي يستلزم قياس أثر هذه الروابط في قرارات الدولة الشريكة في المستقبل.
حسابات نجامينا: مقتضيات الضرورة الأمنية وإعادة تعريف الشراكة
تتحرك نجامينا في بيئة أمنية معقدة، تتميز بحضور مكثف لجماعات مسلحة في حوض بحيرة تشاد الممتد عبر أربع دول: تشاد والنيجر ونيجيريا والكاميرون، وحرب أهلية سودانية تضغط بشدة على حدودها الشرقية، وحدود ليبية منفلتة ومفتوحة أمام الشبكات الإجرامية والإرهابية العابرة للحدود. وبالنظر إلى هذه التعقيدات، من المنطقي أن تفكر نجامينا فيما يوفر لها المراقبة والاستطلاع والإسناد الجوي والنقل العسكري وسرعة الاستجابة.
لقد ثبت أن نجامينا، بعد إنهاء اتفاقها القديم مع باريس في يناير/كانون الثاني 2025، سعت إلى توسيع شراكاتها مع موسكو وأنقرة وأبو ظبي، وقد أتاح لها هذا التنويع الحصول على تعاون أمني مع هذه الدول وعلى بعض التجهيزات، مع وجوب التنبيه إلى الصعوبات التقنية واللوجستية التي واجهت نجامينا في تشغيل بعض القدرات المكتسبة، وخصوصاً الطائرات المسيّرة. وكانت صحيفة لوموند الفرنسية قد نقلت عن مصادر تشادية، في يونيو/حزيران 2026، أن مغادرة الفرنسيين خلّفت فجوات في المراقبة الجوية والإخلاء الطبي وإسناد القوات البرية، سعت تشاد إلى تعويضها مع شركاء آخرين.
في تقديرنا، يصلح الاستناد إلى هذا المعطى لتفسير سياق عودة الحوار مع باريس. فشريك يعرف جيداً المجال الجغرافي التشادي والبيئة المحيطة به وتعقيداتها، ويملك خبرة التدريب والتجهيز والاستطلاع، وسبق أن تعاملنا معه، يمكنه سد حاجات يصعب تلبيتها بسرعة عبر بدائل أخرى. هكذا يفكر صناع القرار في نجامينا. ومن المرجح أن السلطات التشادية استثمرت إنهاء اتفاقها السابق مع باريس لإعادة التفاوض على شروط العلاقة، ثم أعادت فتح الحوار معها وأعلنت عنه حين رأت أن الحاجة الأمنية تبرره. كما ينبغي الإقرار أيضاً بأن عوامل الموقع وحدّة التهديدات وحجم الحاجة إلى الدعم الفني تعطي نجامينا أوراقاً تفاوضية فعلية، ومع توافر إمكانية اللجوء إلى شركاء آخرين، فإن ذلك يوسع دائرة خياراتها.
وعليه، تجري العودة إلى الشريك القديم ضمن علاقة ثمة ما يبررها أمنياً، لكن يعاد تعريفها والتفاوض على شروطها، وسيتحدد مداها بمدى قدرة تشاد على توظيف التعاون لخدمة أولوياتها، لا أولويات فرنسا.
الحسابات الفرنسية: استعادة الوصول والحضور
الأرجح أن دافعين يحرّكان باريس في سعيها إلى إعادة بعث علاقتها مع نجامينا. أولهما التوق إلى استعادة الوصول إلى مجال مربوط جيوسياسياً بوسط أفريقيا، ويحيط بليبيا والسودان، ومفتوح على الساحل، ما سيتيح لها المراقبة وجمع المعلومات والتنسيق الأمني. وتعي فرنسا جيداً أن استعادة الوصول إلى ذلك المجال سيضمن لها ترميم الصلات المؤسسية مع الجيش التشادي، وبالتالي ضمان الحضور هناك، لأن ميزة العلاقات التدريبية والتقنية أنها من أطول عناصر النفوذ عمراً، بحكم قابليتها للاستمرار والتجدد عبر مدخل الدورات التدريبية والتجهيز والصيانة.
أما الدافع الثاني، فهو محاولة استعادة المكانة الإقليمية الضائعة. فحالات الطرد المتتالية من دول الساحل منذ 2021 أزاحت فرنسا من موقع الشريك الأمني المركزي في الإقليم، ومن ثم قد يتيح لها التعاون مع تشاد إظهار تقبلها إعادة بناء الشراكات وفق الشروط التي تفرضها الحكومات المحلية، لا وفق الشروط التي تمليها هي، واستتباعاً، إعادة تأسيس حضورها وفق منطق جديد.
في هذا السياق، تزيد المنافسة الدولية المتصاعدة على الشراكات الدفاعية في المنطقة من حرص باريس على عدم فقدان أي احتمالية للعودة إلى المنطقة، ذلك أن عقود التسليح والتدريب هي، بالنسبة إليها، مداخل لإعادة إنتاج الصلات المؤسسية ذاتها التي سبق أن أشرنا إليها، ولترسيخ اعتماد تقني يمتد عبر دورات الصيانة والتحديث، وهو نهج من شأنه جعل الوجود التدريبي والتجهيزي رافعة تتضاعف قيمتها كلما اشتد التنافس على الحضور في هذا الفضاء.
حدود العودة الفرنسية: التعاون أول الطريق والنفوذ نهايته
لا شك أن طريق العودة التي تزمعها فرنسا ليست معبّدة، وهي، على الأقل، مقيدة بخمسة قيود.
أولها سياسي، فقد صار الوجود الفرنسي محل توجس داخلي شديد بعد أن فقد شرعيته التي بُنيت على سردية الروابط التاريخية. وإن كان، إلى غاية الماضي القريب، يُقبل تلقائياً، فإنه اليوم محل مقاومة داخلية شديدة تفرض عليه مسالك تفاوض وإقناع طويلة كي يتحقق. ولعل أكثر ما يحتاجه التعاون الذي تتوخاه فرنسا هو بناء ثقة وتحقيق نتائج ملموسة للشريك، إلى جانب ترتيبات تحترم سيادة الدولة المضيفة وشروطها، وتتجنب ما يعيد صور الهيمنة القديمة، وقد أكدت تصريحات تشادية الحاجة إلى شراكة أوضح وأكثر توازناً.
ثانيها محدودية الإطار، فإعلان النوايا يوفر أساساً سياسياً فقط، أما الالتزامات التنفيذية وحجم الموارد التي ستُسخّر والجداول الزمنية، فتحتاج إلى تحديد دقيق.
ثالثها الاستدامة. فالتدريب والتجهيز والاستخبارات تتطلب موارد بشرية وتقنية ومالية، وصيانة منتظمة، وإمداداً وتحديثاً، وتتضاعف هذه المتطلبات حين يتعلق الأمر بالقدرات الجوية المتخصصة.
رابعها شدة المنافسة، لأن خيارات الأفارقة اتسعت اليوم، خاصة بعد مجيء العرض الروسي السخي، وصارت لديهم فسحة للمقارنة بين العروض وإمكانية توزيع احتياجاتهم على أكثر من مورّد. وبالتالي، فإن احتكار أي طرف للعلاقة الأمنية، كما قد تفكر باريس، بات صعب المنال، إن لم يكن متعذراً.
أما خامسها، فمرتبط بالبيئة الإقليمية المحيطة بالتعاون الثنائي ذاته، وهو قيد يكتسب ثقله من الموقع الجغرافي لتشاد بين حوض بحيرة تشاد والسودان وليبيا وأفريقيا الوسطى، ما يمنح هذا التعاون أهمية تتجاوز إطاره الثنائي. ففي الحوض حاجة دائمة إلى المعلومات والمراقبة والانتشار السريع، وعلى الحدود السودانية تُعقّد الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 البيئة الأمنية، وفي الفضاء الليبي تتحرك الأسلحة والشبكات الإرهابية والإجرامية العابرة للحدود. وتفسر هذه المصالح اهتمام باريس بقناة مفتوحة مع نجامينا، وبالقدر ذاته تجعل ردود الفاعلين الإقليميين المحيطين عاملاً محورياً في تحديد مآل هذا التعاون. فمن المرجح أن تنظر إليه حكومات نيامي وباماكو وواغادوغو بعين الريبة، بحكم ماضي الوجود الفرنسي السيئ على أراضيها وما صاحبه من توترات، فيما تتعامل معه الجزائر وفق حساباتها الأمنية المباشرة وتقديرها لتداعياته على مصالحها الحيوية في المنطقة.
اختبار العودة: من الإعلان إلى الميدان
في الأخير، يبقى الانتقال من الإعلان إلى الميدان مرتبطاً بتحويل النوايا إلى تنفيذ يُقاس بمؤشرات متكاملة، تبدأ بطبيعة برامج التدريب وحجم المشاركة الفرنسية فيها ومدى انتظام التبادل الاستخباراتي، وتمتد إلى اتفاقات التوريد الفعلية للمروحيات وطائرات النقل وأنظمة المراقبة، بما تتضمنه من جداول تسليم وآليات صيانة. ويضاف إلى ذلك مسار التعاون الجوي، بوصفه اختباراً حقيقياً لقدرة الشراكة على سد الفجوات التي أفرزها الانسحاب.
وتبقى الحصيلة هي المحك الأخير بالنسبة إلى الطرف التشادي. فإن تحسنت قدرات المراقبة والاستجابة واللوجستيات لدى نجامينا، فإن ذلك سيعزز استمرار الشراكة، في حين أن تعثر التنفيذ أو اختلال توزيع المنافع كفيل بتقويض ما بُني من روابط واستعادة التوجس من النوايا الحقيقية لباريس من هذه العودة.