عقوق الجغرافيا

غزة تعيش حالة حصار غير مسبوق، مصابة بكسر لا يجبره إلا تحرك الأنظمة العربية لإعادة فتح المعابر، وتسهيل حركة المواطنين من قطاع غزة وإليه.

0:00
  • كيف نعيد الاعتبار إلى الهوية الفلسطينية؟
    كيف نعيد الاعتبار إلى الهوية الفلسطينية؟

عاش الفلسطيني في قطاع غزة منذ عقود ويلات كثيرة، نتيجة الاحتلال الجاثم على الأرض، بل وتعرّض لأبشع أنواع الظلم، حتى وصل الحال مع وصول حركة حماس إلى سدة السلطة، إلى حصار الفلسطيني "أي فلسطيني" ومنعه من السفر، ثم جرى فتح المعابر بشكل جزئي وفق إجراءات غاية في الصعوبة، إذ لا يوجد أي موانئ أو مطارات داخل ذلك القطاع الذي لا يتجاوز ثلاثمئة وخمسة وستين كيلومترًا مربعًا، وحتى مطار غزة الدولي المدمر منذ انتفاضة الأقصى الثانية، لم يكن بديلًا عن المعابر الموجودة على أطراف قطاع غزة، والبحر محاصر بكل أنواع البوارج الحربية، والسماء مغلقة بإحكام، كأن الفلسطيني في عنق زجاجة مغلقة، حتى المعابر مغلقة باستثناء معبر إيرز "الإسرائيلي" وكذلك معبر رفح الفلسطيني المصري. 

ولم تكن دولة الاحتلال تسمح بالخروج من غزة إلا لعدد قليل جدًا، وفق إجراءات أمنية معقدة، بينما كانت الدولة المصرية عاجزة عن فتح المعبر إلا بعد فترة ليست بالقصيرة، ولعدد محدود لا يتجاوز ثلاثمئة فلسطيني كل ثلاثة أشهر، تحت بند الإجلاء لأغراض إنسانية، الأمر الذي جعل فكرة الهروب من غزة حلمًا لجميع الأشخاص الذين يمتلكون الإقامات، وكذلك الحاصلين على منح تعليمية أو عقود عمل. 

لاحقًا، جرى فتح المعبر بشكل شبه يومي، ولكن الأعداد قليلة، ربما لم تكن تتجاوز العدد السابق، ما دفع الفلسطيني المنغمس في البحث عن لقمة العيش، إلى إيجاد أي وسيلة يدفع فيها كل ما يملك لأجل الخروج من غزة، بطرق مختلفة عن تلك التي تتم بشكل شرعي بين حكومة غزة والجمهورية العربية المصرية، وعليه نشأت فكرة مؤسسة "يا هلا" المصرية، والتي كانت تتقاضى قرابة سبعمئة دولار من أجل تقديم موعد سفر الشخص وعدم تأخيره في المعابر، بينما كان هناك أشخاص داخل قطاع غزة يعملون لمصلحة رجال الأمن في المعبر المصري، إذ يقومون بالتنسيق للسفر ممن هم دون الأربعين، من خلال دفع مبلغ ثلاثمئة دولار أميركي كي يُسمح للشخص بدخول الأراضي المصرية، والمعضلة أن كثيراً من الأشخاص الذين أُدرجت أسماؤهم في قوائم المنع لدى الجانب المصري، لا يمكنهم السفر إلا باستثناءات كبيرة، ودفع مبالع تتجاوز ثلاثة آلاف دولار، وقد وصل ثمن خروج الفلسطيني إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة حتى وقت احتلال محور فيلادلفيا أكثر من سبعة آلاف دولار للشخص الواحد، حيث كان الموت يبطش بالجميع، وصار كثير من سكان القطاع يدفعون كل ما يملكون لأجل الهرب من تلك الإبادة. 

واليوم يحاول الفلسطيني الذي تعرض لإصابات بالغة، أو الطالب الذي حصل على منحة دراسية، أو العوائل التي لم يلتئم شملها، الخروج من خلال إجراءات جديدة عملت عليها دولة الاحتلال، من خلال السفر عبر معبر كرم أبو سالم، وبعد موافقات أمنية واستخبارية، قد يكون الهدف منها هو إفراغ القطاع من النخب الموجودة فيه، كما حدث مع بداية الحرب، ولعل السؤال المؤلم هنا: ماذا أبقى الفسدة والجهلة والمؤدلجون من النخب كي تبقى؟ ألا يتحمل المسؤولية عن خروج النخبة من القطاع الفلسطينيون أنفسهم أيضًا؟ وهل كان الإقصاء ونبذ المعارضة داخل التنظيمات هو مقدمة إحداث حالة من العصيان والهرب نحو آفاق أكثر رحابة؟

وهنا، لا بد من الإجابة وفق مفهوم: كيف نعيد الاعتبار إلى الهوية الفلسطينية؟ كيف يمكن لمّ شمل الفلسطيني وتوحيد الصفوف بعد المقتلة التي ما زالت تخطف خيرة أبناء الشعب الفلسطيني؟ وبالعودة مرة أخرى إلى أزمة المعابر التي جعلت حالة التشنج موجودة داخل قطاع غزة، فهي نتيجة إغلاق معبر رفح، إلى درجة صار التساؤل داخل الأراضي الفلسطينية: من الذي يتحكم في معبر رفح؟ وأين دور الحكومة المصرية؟ ولماذا قبل النظام المصري بسيطرة الاحتلال على معبر رفح؟ ألا يؤثر ذلك على الأمن القومي المصري؟ وأين موقف النخبة المصرية من كل ما يجري داخل قطاع غزة؟ فمصر دولة عظيمة، كان ولا يزال لها دور كبير في ريادة المشهد العربي، ولكن هي بحاجة إلى موقف حقيقي وجاد تجاه العبث الحاصل، والإعلان عن فتح معبر رفح من جانب واحد، والسماح للفلسطينيين بالعودة إلى قطاع غزة، والدفع بجعل قضية المعبر قضية إنسانية مرة أخرى، من خلال تكدس المواطنين عند معبر رفح؟ أو الانسحاب من اتفاقات مع دولة الاحتلال قد تفضي إلى وقف حالة الحصار القاتلة لسكان قطاع غزة المنكوب. كما أن المطلوب في حال تم فتح معبر رفح هو إلغاء التنسيقات الأمنية، وتسهيل خروج الفلسطيني من القطاع إلى أي مكان في هذا العالم الصدئ. 

إن غزة تعيش حالة حصار غير مسبوق، مصابة بكسر لا يجبره إلا تحرك الأنظمة العربية لإعادة فتح المعابر، وتسهيل حركة المواطنين من قطاع غزة وإليه ، إضافة إلى العمل بشكل عاجل على إخراج المرضى للعلاج في جميع مشافي الدول العربية وكذلك الغربية. غزة بحاجة إلى إدخال البضائع بشكل إنساني، واتخاذ موقف جاد من التباطؤ "الإسرائيلي" تجاه رفع الحصار والانقلاب على الهدنة التي جرى التوقيع عليها مؤخرًا.