عبد الناصر بعد 56 عاماً على رحيله

لو كان عبد الناصر هو المشكلة، كما يدّعي خصومه، فلماذا عجز الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم من بعده، عن إخراج مصر من أزمتها المزمنة والوصول بها إلى بر الأمان؟

  • رحم الله عبد الناصر، الذي آمن بأن ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة!
    رحم الله عبد الناصر، الذي آمن بأن ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة!

صادف يوم الإثنين الماضي (28/9/2026) ذكرى مرور 56 عاماً على رحيل عبد الناصر (28/9/1970)، وهي فترة زمنية طويلة تكفي لطيّ صفحة الحقبة الناصرية وترك مسؤولية الحكم عليها لمؤرخين يُفترض أن يكون في حوزتهم الآن ما يكفي من وثائق لإجراء تقييم موضوعي شامل لهذه الحقبة المهمة من تاريخ مصر والعالم العربي، بعيداً عن أي أحكام أو انحيازات مسبقة، وهو ما لم يحدث.

فعبد الناصر ما يزال حاضراً بقوة في قلب النقاش السياسي المعاصر، كأنه لم يرحل عن عالمنا قط، خصوصاً وأن بعض خصومه ما زال يعتبره المسؤول الأول عن كل ما عانته مصر من كوارث في الماضي، وعن كل ما تعانيه في الحاضر، وربما عن كل ما سوف تعانيه في المستقبل! أما أنصاره فبعضهم لا يكتفي برفعه إلى مرتبة القداسة، وإنما يرى في مجمل السياسات التي انتهجها إبان فترة حكمة نموذجاً يُحتذى. وتلك ظاهرة تستحق التوقف عندها وتأمّل دلالاتها. 

لو كان عبد الناصر هو المشكلة، كما يدّعي خصومه، فلماذا عجز الرؤساء الذين تعاقبوا على الحكم من بعده، عن إخراج مصر من أزمتها المزمنة والوصول بها إلى بر الأمان، ولماذا ظلّ عبد الناصر حياً في الوجدان الشعبي، بدليل أن صورته ما تزال تُرفع في الميادين في أوقات الحراك وعند الملمّات.

ولو كان عبد الناصر هو الحل، كما يدّعي أنصاره، فلماذا أقدم السادات على هدم إرثه، رغم كونه أحد قيادات ثورة يوليو، وكيف تمكّن من الإجهاز على الإرث الناصري بهذه السهولة، ولماذا صمدت توجهات السادات بعد اغتياله، رغم عجزها عن إنقاذ مصر، بل وتسببها في تعميق أزمتها على مختلف الأصعدة.

تلك أسئلة مشروعة تستدعي البحث عن إجابات من خارج الصندوق، وتستدعي أن نبتعد عن التخندق السياسي والفكري. فالمعضلة التي ما زلنا نحار في تفسيرها لا تتعلق بدور الفرد في صنع التاريخ فحسب، وإنما أيضاً بالأسباب التي أدت إلى تعثر المشروع النهضوي العربي وعدم قدرته على إحداث تراكم يضمن له الاستمرارية.  

لم يكن عبد الناصر مجرد رجل عسكري لديه طموح شخصي للوصول إلى سدة الحكم، كما يعتقد البعض، وإنما كان مهموماً بالشأن العام منذ نعومة أظفاره، وباحثاً في الوقت نفسه عن بوصلة سياسية وأيديولوجية يهتدي بها وتناسب طريقته في التفكير، ما يفسّر مشاركته في إحدى التظاهرات المناهضة للاحتلال البريطاني وهو ما يزال طالباً صغير السن، ثم التحاقه بكلية الحقوق قبل دخوله الكلية الحربية، وانخراطه في تنظيمات وأحزاب سياسية في مراحل مختلفة من حياته، منها جماعة الإخوان المسلمين وحزب مصر الفتاة والحزب الشيوعي المصري (حدتو)، رغم حرصه على عدم البقاء فيها لفترة طويلة، في مسيرة تدل على أنه سياسي التكوين رغم اختياره للعسكرية كمهنة، وربما كأداة لتحقيق مشروع سياسي كان ما يزال قيد التبلور في عقله الظاهر أو الباطن، وكان دائم التردد على مكتبة الكلية الحربية ومهتماً بصفة خاصة بقراءة كتب السيرة الذاتية لكبار القادة والزعماء وأيضاً بالدراسات الاستراتيجية والجيوسياسية. وحين شرع في تشكيل التنظيم السري لحركة “الضباط الأحرار”، عقب عودته من فلسطين ومشاركته في حرب 48، حرص على أن يضم عناصر متنوعة وممثلة لمجمل روافد الحركة الوطنية المصرية. فإذا أضفنا إلى ما تقدم أن قيادة عبد الناصر لهذا التنظيم قبل نجاح “ثورة يوليو”، ثم قيادته للدولة المصرية بعد ذلك، لم تكن أبداً محل تشكيك من جانب أي من أعضائه، لتبيّن لنا بوضوح تام أنه تمتّع بكاريزما ميّزته عن جميع أقرانه، بمن فيهم عبد الحكيم عامر الذي حظي بوضع خاص سمح له بسلوك أخذ شكل التمرد في بعض الأحيان، ما يقطع بأنه ظلّ القائد الحقيقي والوحيد لثورة يوليو التي أصبحت إنجاراتها إنجازات شخصية له وإخفاقاتها إخفاقات شخصية له في الوقت نفسه.

لا يتّسع المقام هنا لحديث مفصّل عن تلك الإنجازات والإخفاقات، لكنها عظيمة على الناحيتين. ويكفي أن نعقد مقارنة سريعة بين طريقة عبد الناصر في إدارة أزمة السويس، التي اندلعت عام 1956 عقب إقدامه على تأميم القناة، وطريقته في إدارة أزمة خليج العقبة، التي اندلعت عام1967 عقب إقدامه على إغلاق مضيق تيران في وجه الملاحة الإسرائيلية.

فبينما أدار عبد الناصر أزمة السويس بحنكة واقتدار، مكّناه من تحقيق نصر سياسي كامل وإجبار بريطانيا وفرنسا و"إسرائيل" على الانسحاب من كل المناطق التي احتلتها، أدار أزمة خليج العقبة بتهور واندفاع مكّنا "إسرائيل" من إلحاق هزيمة كبرى بجيوش ثلاث دول عربية واحتلال مناطق شاسعة من أراضيها. وبينما أدى النصر الذي تحقق عام 56 إلى صعود صاروخي للتيار العروبي بزعامة عبد الناصر، أدت الهزيمة التي لحقت بالجيوش العربية عام 67 إلى تراجع هذا التيار وبداية تفكك العالم العربي، وصعود "إسرائيل" كقوة إقليمية يمكن للولايات المتحدة أن تعتمد عليها  في إضعاف النفوذ السوفيتي في المنطقة.

لا شك في أن المرحلة التي تلت هزيمة 67 شكلت اختباراً قاسياً لمعدن عبد الناصر الحقيقي ولقدرته على القيادة في أحلك الظروف، نجح فيه بامتياز. فقد اعترف عبد الناصر بمسؤوليته عن الهزيمة وقرر التنحّي عن موقع القيادة، لكن الشعب المصري رفض هذا القرار وطالبه بالاستمرار في تحمّل المسؤولية، ورضخ عبد الناصر للإرادة الشعبية وشرع على الفور في إعادة بناء الجيش المصري على أسس جديدة، ومن ثم راح يستعد لحرب بُنيت على عقيدة مفادها أن “ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة”.

وعلى الرغم من استحواذ المهام المتعلقة بإعادة بناء الجيش على الحيّز الأكبر من وقته وتفكيره، وكثرة الأمراض التي ألمّت بجسده المنهك خلال تلك المرحلة العصيبة، إلا أن عبد الناصر كان مدركاً لحقيقة اساسية، مفادها أن النظام السياسي الذي ساد في مرحلة ما قبل الهزيمة وتسبب فيها لا يصلح لإدارة البلاد بعدها، ومن ثم أصبحت الحاجة ماسّة لعملية إصلاحية كبرى تمسّ أسسه وتنقله من إدارة الحزب الواحد إلى شكل ما من أشكال التعددية، ولكن بطريقة مدروسة ومنظمة. صحيح أنه قرر تأجيل عملية الإصلاح هذه إلى ما بعد مرحلة “إزالة آثار العدوان”، غير أن جميع الوثائق الرسمية لهذه الفترة، خصوصاً محاضر اجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي، تقطع بأن عبد الناصر كان جاداً في انتهاج هذا الطريق، لكن إرادة الله شاءت أن يرحل عن عالمنا فجأة وهو في بداية الخمسينيات من عمره، ولذا لم يتمكن من قيادة أي من المعركتين اللتين كان يتوق لخوضهما بكل جوارحه، معركة الثأر من هزيمة عسكرية تكبّدها في 67 ومعركة إصلاح المسار الذي كشفت هذه الهزيمة عن اعوجاجه وعدم صلاحيته.

ليس بمقدور أحد أن يتنبّأ بالمسار الذي كان يمكن لمرحلة ما بعد حرب 73 أن تسلكه لو قُدّر لهذه الحرب أن تُدار تحت قيادة عبد الناصر، الصانع الحقيقي للبنية الأساسية التي جعلتها ممكنة. غير أن الشيء المؤكد أنها كانت ستُدار بطريقة مختلفة. فلم يكن من المتصور عقلاً أن يقدم عبد الناصر على فتح قناة اتصال سرية مع هنري كيسنجر وأن تنقل إليه عبرها رسالة مفادها عدم نية الجيش المصري في تطوير الهجوم عقب العبور، مثلما فعل السادات، كما لم يكن من المتصور أن يتحقق الانتصار العسكري بسلاح سوفياتي, ثم يقوم عبد الناصر بمنح الولايات المتحدة حقاً حصرياً للانفراد بالوساطة في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، وهي الوساطة التي عرفت كيف تسد الطرق كافة أمام السادات، باستثناء طريق واحد بقي مفتوحاً، هو الطريق الذي قاده إلى زيارة القدس ثم إلى مفاوضات كامب ديفيد، التي رعاها الرئيس الأميركي جيمي كارتر ومهّدت لإبرام معاهدة السلام المنفردة مع "إسرائيل".

بخروج أكبر دولة عربية من ساحة الصراع العسكري مع "إسرائيل"، استحال اندلاع حرب نظامية جديدة بين أي من الدول العربية و"إسرائيل"، وهو ما حدث فعلاً ويفسّر كيف أصبحت حرب 73 آخر حرب تخوضها جيوش عربية في مواجهة "إسرائيل". ولأن معاهدة السلام المنفرد بين مصر و"إسرائيل" لم تتمكن من انتزاع تعهد إسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية، ناهيك عن احترام سيادة الدول العربية المجاورة، فقد كان من الطبيعي أن تنتقل الإدارة العسكرية للصراع مع "إسرائيل" إلى أيدي فاعلين من غير الدول، ما يفسّر ظهور حزب الله عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان، الذي أدّى في الوقت نفسه إلى ترحيل قيادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، وبعد ذلك توالى ظهور فاعلين آخرين من غير الدول، كحماس والجهاد في فلسطين وجماعة أنصار الله في اليمن، تصرّ "إسرائيل" على تسميتهم “أذرع إيران الإرهابية”، كي يسهل عليها بعد ذلك شن الحرب، لا على الأذرع وحدها ولكن على “رأس الأفعى ومموّل الجماعات الإرهابية في المنطقة”، أي على إيران التي ترى "إسرائيلط أنها أصبحت العقبة الوحيدة في المنطقة التي تعترض طريق “إسرائيل الكبرى”.

رغم العواصف التي هبّت على المنطقة منذ توقيع السادات على معاهدة سلام منفرد مع "إسرائيل" عام 1979, ما زال البعض يعتقد أن عبقريته هي التي أنقذت سيناء وحررتها من الاحتلال الإسرائيلي، غير أن إصرار "إسرائيل" على التهجير القسري للفلسطينيين، والذي ظهر جليّاً عقب “طوفان الأقصى”، يثبت بما لا يدع مجالاً لأي شك أن إعادة احتلال سيناء ستكون هدفها التالي إذا نجحت في إسقاط النظام الإيراني، لا قدّر الله.

رحم الله عبد الناصر، الذي آمن بأن “ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ بغير القوة”, وغفر للسادات، الذي اعتقد أن الولايات المتحدة “تملك 99% من أوراق الحل”، وتوهّم أنها لن تتردد في استخدام هذه الأوراق للضغط على "إسرائيل" من أجل التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للصراع في المنطقة.