عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: خرائط ما بعد حرب الأربعين يوماً

لأن النموذج الإمبريالي المهيمن ينهار أمام أبصارنا، ويعجز عن حلّ التناقضات التي أوجدها، يستعرض السيد عادل عبد المهدي في هذا المقال خرائطَ المنطقة، ويفنّدُ المسارات التي ستسلكها بعد حرب الأربعين يوماً.

  • تداعيات الحرب على إيران ستشمل الجميع.
    تداعيات الحرب على إيران ستشمل الجميع.

(تنويه: أنهيت هذا البحث في 7/4/2026، أي قبل يوم واحد من تغريدة "ترامب" والاتفاق على وقف إطلاق النار في جميع الجبهات، وأن تكون الورقة الإيرانية قاعدة للمباحثات. وهو ما اعتُبر نصراً تاريخياً للجمهورية وللمقاومة في جميع ساحاتها).

ولعلّ أفضل شاهد على ذلك -بعيداً عن كلام وتعليقات بعض المدلسين والمنهارين- هو كلام  "يائير لابيد" زعيم المعارضة الإسرائيلية الحالي، ورئيس الوزراء الأسبق تعليقاً على وقف اطلاق النار واصفاً إياه: بـ"كارثة سياسية غير مسبوقة وفشل استراتيجي.." وأضاف "حزب الله يقصفنا، وحماس تحكم غزة، والمرشد يُدعى خامنئي".  يتساءل البعض، ماذا لو نقضوا الاتفاق كما فعلوا مراراً؟ فنقول: بأن كل ذلك ممكن، بل هو مؤكد. لكن العدو سيدخل معاركه القادمة، وهو أضعف، وستدخل المقاومة وإيران وهما أقوى.

وقلنا منذ بداية "طوفان الأقصى" إن هذه الحرب طويلة وشاملة وتراكمية. وها نحن نشهد عن طول الحرب وشموليتها للمنطقة. وهي تراكمية، بمراكمة محور المقاومة النجاحات والانتصارات، رغم كل التضحيات والدمار والخسائر. والعدو يتألم، كما نألم ما أجبره في النهاية على طلب وقف إطلاق النار من دون أن يحقق أياً من اهدافه وسياساته. ونقصد بها:

1- إسقاط النظام باغتيال المرشد الأعلى آية الله العظمى السيد خامنئي، قُدس سره.

2- إدخال مقاتلين انفصاليين من الخارج.

3- تدمير مقدرات إيران الجوية والصاروخية والمضادات الجوية والبنى التحتية والجسور والأصول.

4- فتح مضيق هرمز.

5- فشل الإنزال البري، وإرسال أكثر من 155 طائرة إلى مطار مهجور في جنوب أصفهان، بحجة إنقاذ طاقم طائرة مصابة بينما الحقيقة هي تنفيذ الإنزال الذي توعد "ترامب" به. 

فلم يبق بيد الولايات المتحدة وحلفائها إلا المطالبة بوقف إطلاق النار، خصوصاً مع سعة وفعالية وجرأة التصدي الإيراني ومحور المقاومة وبراعة الطروحات وأنماط الإدارة والدبلوماسية والإعلام للمسؤولين الايرانيين، والصمود الأسطوري للشعب الإيراني، الذي لم يغادر الساحات، وحمايته لوطنه بلحمه الحي، إضافة إلى عودة "حزب الله" إلى جنوب الليطاني وتصديه للعدوان. 

أي عدوان جديد، لن يعني سوى الغرق أكثر فاكثر في الرمال المتحركة. بعد أن تغيرت موازين القوى بشكل حاسم لمصلحة إيران والمقاومة.

(في ختام هذا التنوية أذكر بأنني حافظت على البحث المُعد قبل وقف إطلاق النار، من دون إجراء أي تغيير.) 

مقدمة:

ذكرت في مقالة "انتهت الحرب الكبرى، وتبقى المعارك والتسويات الصغرى"، بتاريخ 10/2/2026 المنشورة في فضائية الميادين اللبنانية (المقالات)، أن الحرب الكبرى قد انتهت في "معركة الإثني عشر يوماً في حزيران 2025".

وشبّهت ذلك بهزيمة ستالينغراد في 1942-1943، رغم أن الحرب لم تنتهِ إلا عام 1945. وذكرت في تلك المقالة: "إن خرجت الجمهورية الاسلامية –بالحرب أو بالتفاوض- سليمة في نظامها وعقيدتها وبناها وأدوات ردعها –لاسيما منظومتها الصاروخية- فإنها ستكون البرهان اليقيني من الخط النازل لنظام الهيمنة العالمي.

وهذه نقطة فاصلة في التاريخ البشري المعاصر. فأمامنا نظام قديم يتهاوى، ونظام جديد يتصاعد. ومن هذا المنطلق الحتمي، يجب البناء وتقدير الموقف." والحرب الحالية –رغم كل كلفتها ووحشيتها- هي محاولة يائسة لتغيير هذا المسار. وأن وضع أهداف متخيلة كإسقاط النظام، والاغتيالات، وإثارة الفتنة الداخلية تحولت بالكامل إلى أدوات تعبئة وتصلب للانتقال من الدفاع السلبي، إلى الدفاع الإيجابي بل والهجومي. وهو ما نشاهده الآن على الجبهة الايرانية، وكافة جبهات محور المقاومة ومنها الجبهة اللبنانية.

فكما في الحرب العالمية الثانية، فإن سعة المعارك، وأحجام الخسائر لم تتراجع بعد "ستالينغراد"، ومثلها سعة المعارك وأحجام المعارك الآن يجب أن لا تخفي انقلاب المسارات. وإننا في نهاية مرحلة حاسمة لمصلحة شعوبنا وشعوب العالم.

القسم الأول

أولاً- مفهوم النصر والهزيمة وتعريفهما:

ما زال كثيرون يقيّمون مفاهيم النصر والهزيمة بعدد القتلى والأصول المدمرة، وما يمتلكه كل طرف من قدرات وإمكانيات. هذه القياسات تصح على المعارك بين طرفين متنازلين، كالحروب بين الدول، كما جرى في الحربين العالميتين الأولى والثانية، أما في هذه الحرب ومثيلاتها فإن القياسات يجب أن تتناول عناصر القوة والضعف فيما يصطلح عليه بـ"النظام"، والمقصود هنا "النظام العالمي". لذلك شُنت هذه الحرب، وأعلِن أن هدفها "إسقاط النظام" في إيران. كما شُنت المعارك والحروب الأخرى في منطقة غرب آسيا، لفرض منظومات "الشرق الاوسط الكبير"، و"إسرائيل الكبرى" واتفاقات ابراهام. 

بالمقابل، خاضت الشعوب المُستعمَرة وحركات المقاومة معاركها للتخلص من هذه المشاريع الاستعمارية الصهيونية، بكل مرتكزاتها وأبعادها العسكرية والقيمية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية والإعلامية.

في هذه الحرب يجب أن تقاس موازين القوى بمعايير نجاح آليات عمل الأنظمة أو فشلها. وليس بممتلكات أو قدرات الدول.

فالمسألة هنا هي أنظمة علاقات ومرتكزات وجودية. أنظمة تسمح -بوسائل متعددة- بالسيطرة على الدول والشعوب الأخرى.

وعليه، فإن أي تفكيك لهذه العلاقات وتعطلها بشكل نهائي هو هزيمة أو مقدمات هزيمة. وأي بناء لعلاقات بديلة بشكل مستدام، هو نصر أو مقدمات نصر. هزيمة غير قابلة للتعافي وقلب المسارات، وانتصار ستبنى عليه انتصارات مستدامة ومتصاعدة جديدة. فعندما تتهاوى المرتكزات الأساسية لـ"نظام الهيمنة" ومعه الكيان الصهيوني، تكون الجمهورية الاسلامية والمقاومة قد انتصرت.

ليس بالضرورة بمعنى الزوال والتلاشي، بل بمعنى تراجع فعاليته عن تحقيق أهدافه، أمام ازدياد فعالية المقاومة في الصمود والردع، ما يعني أن دولاً وشعوباً تحررت فعلاً من قبضة نظام الهيمنة الدولي أو الاقليمي، وهو ما سيوسع بالضرورة من فعالية "النظام الجديد" او "النظم البديلة". 

ثانياً: تفكك "الإمبريالية الشمولية" (الاتحاد السوفياتي ومعسكره) مقدمة لتفكك "الامبريالية الرأسمالية" (الولايات المتحدة ومعسكرها):

وهنا نلفت النظر إلى أن المقصود بذلك ليس زوال الدول أو تلاشيها، بل انهيار المنظومة أو النظام.

فنحن نتكلم هنا عن تفكك وانهيار "النظام العالمي" الذي بناه المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، وقيام بديله الذي أساسه المستعمرات السابقة التي تتحرر من قيودها لتحتل مراكز الصدارة. ويقيناً سيستغرب كثيرون ما قد يسمونه بتفاؤلنا المفرط. بينما نراه نحن قراءة واقعية وعلمية تشير إليها كل الوقائع الميدانية والعملياتية.

فمن كان يتصور حتى نهايات ثمانينيات القرن الماضي أن ينهار النظام السوفياتي. أو ما يمكن تسميته بـ"الامبريالية الشمولية"، أو كما كان يسميه الصينيون بـ"الامبريالية الاشتراكية". وفي وقتها، حذرت رسالة الإمام الخميني قُدس سره للرئيس السوفياتي "ميخائيل غورباتشوف" في كانون الثاني 1989، من انهيار الاتحاد السوفياتي. ولم يمضِ عامان إلا وحدث الانهيار. 

لقد أفرزت الحرب العالمية الثانية منتصرين تفاوضوا قبل انتهاء الحرب لإرساء النظام العالمي الجديد. وقد أنهار الركن الاول لهذا النظام، ونحن نشهد الان إنهيار الركن الثاني وهو نظام الهيمنة.

ونشهد استعدادات معلنة وسرية للنظام العالمي الجديد، تماماً كما جرت قبل نهاية الحرب العالمية الثانية مؤتمرات ولقاءات سرية وعلنية ومنها:

· مؤتمرات موسكو (عدة مؤتمرات، بدءاً من عام 1941 )

· مؤتمرات القاهرة، (عدة مؤتمرات، بدءاً من عام 1943)

· مؤتمرات طهران (1943) وهو اول لقاء بين ستالين وتشرشل وروزفلت 

· مؤتمر بريتون وودز. لتأسيس صندوق النقد الدولي والبنك الدولي (1944).

· مؤتمر يالطا 1945 بين ستالين وتشرشل وروزفلت، لوضع الخطط الأخيرة لهزيمة ألمانيا ولأوروبا وتأسيس الأمم المتحدة.

· مؤتمر "بوتسدام" بين ستالين وتشرشل وترومان بشأن الاستسلام الياباني والسياسات المستقبلية (1945).

فالنظام الدولي الذي أسس لحاكمية ثنائية القطبين، والرعب النووي، وحلفي "وارشو" و"الناتو"، وتأسيس الكيان الصهيوني يتفكك –منذ عقود- بالتدريج، ويحل محله نظام جديد. وإن تفكك الاتحاد السوفياتي (القطب الأول) لم يمحَ روسيا من الخارطة. بل انهار نظامها الشمولي. وانهارت معه مقومات السيطرة على أوروبا الشرقية ومناطق شاسعة من العالم.

فهوت حكومات ودول وتفرعات إقليمية ووطنية كثيرة. وانتقلت أحزاب كانت تمثل الأغلبية في بلدانها إلى أحزاب أقلية، بل غيّر كثير منها مبادئه. ويجري –خصوصاً منذ بداية الألفية الحادية والعشرين- انهيار المركز المهيمن الاستعماري العالمي، أي القطب الثاني. وستلتحق به كافة التفرعات الإقليمية والوطنية أيضاً.

وكما أن تلك التطورات كانت ضرورية وأساسية لإعادة التفكيك وإعادة البناء في مضامين المركز وفلسفته ومقاصده، مما سمح آنذاك بإعادة  بناء روسيا بمضامين وفلسفة وعلاقات جديدة داخلية وخارجية. وهو ما سيحصل الآن مع بداية تفكك المركز الامبريالي الاستعماري المهيمن، بما في ذلك في الكيان الصهيوني. وهنا أيضاً لن تمحى الولايات بالمتحدة وبقية الدول التي تشكل "نظام الهيمنة" من الخارطة، لكن أدوارها ومضامينها وعلاقاتها ستتغير أيضاً.

ثالثاً: تراجع فعالية أدوات الهيمنة التقليدية

1- تراجع مقدرات القواعد والقوة العسكرية في المنطقة: إذ أصبحت أهدافاً ثابتة وضعيفة، لا حصوناً منيعة. فهجماتها سرعان ما تغرق في الرمال المتحركة، اكثر منها إخضاع للاطراف المعتدى عليها. فإن من يطالب بايقاف النار هو الطرف المعتدي لفشل أهدافه المُصرح بها.

أ‌- ازدادت الجمهورية تماسكاً وقوة وهجومية. وجددت من شباب الثورة والدولة. وازداد تماسك المؤسسات. وتم اختيار آية الله مجتبى خامنئي مرشداً عاماً بانسيابية ودستورية كاملة. وتم استبدال القيادات التي تعرضت للاغتيال بأصولية وسرعة مذهلة، مما يدلل عن الطابع المؤسسي للدولة، وليس الطابع الفردي. خلافاً لفردية ودكتاتورية "ترامب" و"نتنياهو" والغرف المغلقة التي يحكمون من خلالها.

كذلك عودة المقاومة اللبنانية إلى سابق قدراتها. وعودتها إلى جنوب الليطاني وتصديها للغزو البري الإسرائيلي. وظهور أسلحة جديدة في الميدان. والدخول الاستراتيجي لليمن والعراق. والتأييد الجماهيري الواسع بالضد من العدوان سواء في المنطقة أو العالم.

ب‌- تعرض جميع القواعد الأميركية في المنطقة للهجمات المؤثرة من قبل إيران ومحور المقاومة.

ت‌- إغلاق مضيق هرمز. وعجز الطرف المعتدي عن فتحه. ودلالات هذا الأمر في تقييم القوة الحقيقية وقدرات السيطرة والتحكم. بغض النظر عن حجم القدرات العسكرية والتدميرية لكل طرف. ناهيك بآثاره الاقتصادية والطاقوية والنفسية والمستقبلية.

ث‌- انخراط اليمن في المواجهة سواء لمشاغلة الكيان الصهيوني أو لإخضاع البحر الأحمر وباب المندب للسيطرة. إضافة إلى الأعداد المليونية من المقاتلين، وحسابات ذلك على توازنات الاقليم والمنطقة.

ج‌- مهاجمة أطراف محور المقاومة للعديد من المراكز في داخل الكيان الصهيوني. وفي مواقع أخرى عرقلت إلى حد كبير من إمكانية تحرك جبهات جديدة بالضد من محور المقاومة أو الجمهورية الاسلامية.

ح‌- تراجع الهيمنة الجوية الأميركية والإسرائيلية من اتجاهين. فرغم استمرار التفوق الجوي للطرف المعتدي لكن القدرات الهجومية الجوية لمحور المقاومة قد تحسنت كثيراً. عبر المسيرات والصواريخ البالستية والانشطارية. فلم يعد الفضاء حكراً مطلقاً لطرف واحد. أما الثاني فيتمثل بازدياد المقاومات والمضادات الارضية والجوية وأعمال التشويش الالكترونية في مختلف ساحات محور المقاومة. وإسقاط الكثير من الطائرات المقاتلة أو المسيرات والصواريخ. التي أوجدت ثلمة جدية في التفوق الجوي الأميركي والإسرائيلي. كعامل أساس لعدوانيته.

خ‌- تفكك التحالفات وزيادة التناقضات بين أطراف معسكر الهيمنة.

تراجعت العلاقات بين الولايات المتحدة والناتو. بل يزداد الإنقسام بين دول الناتو نفسها.

فالعديد منها بات ينادي علناً بضرورة انفتاح العلاقات على روسيا، ورفع العقوبات عن نفطها وغازها. كذلك تتفكك العلاقات بين الغرب والكيان الصهيوني من جهة، والكيان الصهيوني والولايات المتحدة على الصعيدين الرسمي والشعبي من جهة أخرى في تطورات بالغة الخطورة.

ومن مظاهر ذلك مثلاً عدا الخلاف في موضوع كيفية التعامل مع الملف الأوكراني، إطلاق أوروبا مشروع "جايا إكس" للفضاء بعيداً عن نظام GPS. وانشاء ما يسمى بنظام "غاليلو". وهو نظام ملاحة عبر الأقمار الصناعية (GNSS) مدني ومستقل يوفر دقة أعلى من GPS. ويديره الاتحاد الأوروبي لضمان استقلالية الملاحة عن الأنظمة العسكرية الأخرى.

د‌- النتيجة، هي أن القوة الصلبة لم تعد مترادفة مع السيطرة.

2- الجانب الاقتصادي والعقوبات: كان التفوق الاقتصادي الأميركي والغربي، وكذلك العقوبات سلاحاً فعالاً في حقبة القطب الواحد، أما اليوم فنشهد الآتي.

أ‌- تجاوزت روسيا بعد 2022 العقوبات الغربية، ووصلت الى نمو اقتصادي لا يقل عن غيرها أن لم يكن أكثر. وطورت إيران اقتصاد المقاومة، وأنشأت شبكة سويفت SWIFT جديدة، وخطوط إمداد بديلة وآمنة لصادراتها النفطية. واستمر النمو الصيني المتميز وتبنت نظام دفع دولي مستقل CIPS. وتوسعت في شبكات طريق "الحزام والطريق"، جنوباً وغرباً. 

ب‌- وكتأكيد للمسارات اعلاه في انقلاب موازين القوى الاقتصادية، نشير أنه حسب بيانات صندوق النقد الدولي، فإن الناتج الوطني الإجمالي GDP (حسب القدرة الشرائية PPP)، لعام 2026 سيكون بالنسبة إلى روسيا 7.3 ترليون دولار في المرتبة الرابعة عالمياً. وبالنسبة إلى إيران سيكون 1.9 ترليون دولار، بالمرتبة 24 عالمياً. بينما ستسجل الصين 43.5 ترليون دولار، لتأتي بالمرتبة الأولى. في حين ستسجل الولايات المتحدة 31.4 ترليون دولار، محتلة المرتبة الثانية. 

ت‌- النتيجة: فقدت العقوبات الكثير من قدرتها لإخضاع الدول، إلا اللهم تلك الدول التي تبالغ في مخاوفها، ولا تسعى لتفعيل البدائل لمقاومتها. فأصبحت العقوبات ترتد على اصحابها أيضاً.

3- تمكنت شبكات التواصل الاجتماعي الى حد كبير-بواسطة روح التحدي والشجاعة والابداع  للكثير من الشباب والشابات والمتصدين- ومن خلال التظاهرات والوجود في الساحات والميادين وشتى الفعاليات، ومن خلال المنصات والتعليقات ونشر الصور الحقيقية من تحييد وتفنيد الجزء الاعظم من سرديات واكاذيب وروايات العدوان. ونشر صور الاعتداءات والمجازر والابادة الجماعية وعدالة القضية التي يقاتلون من أجلها.

رابعاً: تفكك المركز المتروبولي (الغرب نفسه):

فالنموذج الامبريالي يقوم على مركز قوي يستنزف الاطراف. لكن المركز نفسه ومعه الكيان الصهيوني، يتفكك من الداخل.

1- انهيار التوافق السياسي الداخلي: الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين في أمريكا. وظهور حركة اغلبية تدين الكيان الصهيوني. وتقف ضد الحرب. ونزول حوالي 9 مليون متظاهر لادانة سلوك الحكومة الامريكية والتضامن مع ايران وفلسطين ولبنان. والأمر نفسه في صعود اليمين المتطرف في اوروبا وحركات الانفصال. وخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. كذلك نزعات الانفصال في اسكتلندا، كاتالونيا، كاليفورنيا، الخ.

2- الأزمة الاقتصادية الداخلية: تضخم، ديون، وانهيار الخدمات العامة في جميع الدول الرأسمالية من دون استثناء.

3- استنزاف الموارد البشرية: عودة الكثير من الكفاءات الى بلدانها في الجنوب، وظهور الكثير من السلبيات والتأثيرات السياسية في الجامعات والنظم التعليمية في العالم الغربي.

4- النتيجة: اصبح استنزاف "المراكز المتروبولية" لـ "المستعمرات السابقة" أقل فعالية وأقل مردوداً وربحاً، واكثر تكلفة مما يقود الى انهيارات من داخل المراكز نفسها.

خامساً: بروز بدائل هيكلية لنظام الهيمنة العالمي: في النقل والطاقة والتكنولوجيا 

1- ظهور ممرات جديدة للنقل وسلاسل التوريد، كطريق الحرير او الممرات القطبية، او السيطرة الجديدة على ممرات الخليج كمضيق هرمز والبحر الاحمر، الخ.

2- يبني تكتل بريكس (بما في ذلك ايران والسعودية ومصر وتركيا) نظاماً موازياً للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

3- في الطاقة، بدأت روسيا والصين والخليج بتسعير النفط والغاز بعملات غير الدولار (اليوان، الروبية، الريال، الخ)، ما يهدد "البترودولار" الذي يُعد واحداً من مصادر هيمنة الدولار العالمية.

4- تكنولوجياً، أنتجت الصين معالجات 7 نانومتر(وحدة قياس أطوال متناهية الصغر، تعادل جزءاً من مليار جزء من المتر) رغم العقوبات.

5- النتيجة: تهاوي الاحتكار التقني والتجاري والعملاتي قطعة قطعة، والذي كان أساس نموذج الهيمنة.

سادساً: أزمة شرعية النموذج الأخلاقية:

سوّق نموذج الهيمنة ويسوّق نفسه عبر شعارات "الديمقراطية، حقوق الانسان، والحريات وإنفاذ القوانين والعدالة"، وهو ما عرته وقائع كثيرة، منها:

1- كشفت غزة للعالم تناقضاً صارخاً: دعم ابادة جماعية تحت شعار "حق الدفاع عن النفس"

2- أثبتت حرب اوكرانيا ان الغرب يتنازل عن مبادئه (مصادرة اصول روسية، قصف خط انابيب نورد ستريم، الخ).

3- كشفت ملفات "ابستين" عن مدى الانهيار الخلقي لزعماء نظام الهيمنة.

4- تكشف الأحداث والكوارث التي تحصل في العالم أن المساعدات الأميركية والغربية مشروطة وانتقائية، وتعتمد على مدى خدمتها لدول العدوان من خلافه. ولعل أفضل تعبير هو قيام الولايات المتحدة في مطلع 2026، بسحب دعمها أو عضويتها، من 66 منظمة وهيئة دولية منها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة، كانت هي التي أسستها لتحقيق مآربها، لتتخلى عنها لأنها إما لأنها باتت مكلفة لها، أو بدأت بتطبيق فقرات في ميثاقها وضعت في حينها للتجميل، وصار تطبيقها بالضد من مصالح الولايات المتحدة، وهذه أمثلة منها:

- اتفاق باريس للمناخ

- منظمة اليونسكو

- مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة

- صندوق الأمم المتحدة للسكان وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.

- وكالة غوث اللاجئين (الأونروا)

-  USAID. المنظمة الامريكية لتقديم المساعدات لبقية الدول.

- ومنظمات اخرى كالوكالة الدولية للطاقة المتجددة، ولجان الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية، ومنظمات تعني بالديمقراطية وحقوق الإنسان. 

5- الشرعية والأخلاقية والجوانب القانونية: يضطر نظام الهيمنة لانتهاك كل ما ادعاه من تشريعات وقوانين ومحاكم وقيم وادعاءات اخلاقية. كما حصل مع محكمة العدل الدولية وإدانة الكيان الصهيوني بالإبادة الجماعية. وإصدار محكمة الجنايات الدولية مذكرات إلقاء القبض على المسؤولين الإسرائيليين، لتقوم الولايات المتحدة بفرض عقوبات على القضاة الذين أصدروا هذه المذكرات.

6- النتيجة: الشعوب في الجنوب العالمي –بل وفي الغرب نفسه- لم تعد تصدق الشعارات. كما انهارت الشرعية الاخلاقية التي كانت غطاء للهيمنة.

سابعاً: عجز النموذج عن حل مشاكله الذاتية:

ينهار تحت أبصارنا النموذج الإمبريالي الهيمني، ويعجز عن حل التناقضات التي يخلقها بسبب الطبيعة المتناقضة لآليات عمله. فالسعي للربح الفاحش، والسعي للتفرد بالعالم، من شأنه تحطيم كل أسس الحياة الطبيعية لكل البشر. 

1- التغيير المناخي: تسببت الرأسمالية الاحتكارية، في تغير مناخي يهدد البشرية كافة. وهي عاجزة عن حله، لان الحل يتطلب تغييراً جذريا لمنظومات الدوافع والحقوق، وثقافة تضع الانسان كاولوية وليس المادة والربح والتفوق كاولية.

2- الهجرة الجماعية: استنزاف الجنوب يولد موجات هجرة لا يمكن للشمال احتواؤها. فالقضية ليست مجرد الرغبة في الانتقال من البلدان الفقيرة الى البلدان الغنية، بل تحمل معها تاريخاً طويلاً من النهب والاستعمار والاستعباد. فالهجرة نوع من الثأر التاريخي باستعادة حقوق منهوبة تُشعر شعوب الجنوب إنها ملكها، وتم نهبها بوسائل وطرائق مختلفة.

3- الجائحات: انتجت نموذجاً للرعاية الصحية قائماً على الاحتكار والربح والامتيازات، فانهار وقت الحاجة. يكفي أن نقارن بين ما قادت إليه جائحة كورونا في الولايات المتحدة والصين. فرغم فارق التعداد السكاني بين البلدين، لكن ضحايا الكورونا في الولايات المتحدة مثلت 17.14% من مجموع الضحايا في العالم، بينما لم تبلغ نسبة الضحايا في الصين إلاّ 0.075% من الضحايا في العالم.

4- الأوبئة الاقتصادية (تضخم، بطالة، تشرد) حيث يعالجها النموذج في جميع بلدانه بطباعة المزيد من النقود، وزيادة المديونية العامة مما يضخم المشكلة.

5- النتيجة النهائية: الانهيار ليس سيناريو مستقبلياً، بل عملية قيد التنفيذ نراها في: العجز عن حسم المعركة مع ايران والمقاومة (لم تعد القوة العسكرية كافية). التخلي عن اوكرانيا (لم تعد الموارد كافية). تفكك الكيان الصهيوني وصمود الشعب الفلسطيني وتراجع مشاريع تهجيره والسيطرة على الارض وبناء "اسرائيل الكبرى". صعود الصين وبلدان المستعمرات السابقة (لم يعد الاحتكار التقني قائماً). وفشل العقوبات (لم يعد النظام المالي خاضعاً لمركز واحد). عمل النظام ذاته هو من الاسباب الرئيسية لانهياره. لانه يولد الضد ونقيضه، الذي يرتد عليه. وهو بعد خسارة جزء مهم من مستعمراته وموارده، بات يستهلك ذاته.

ثامناً. ماذا بعد نظام الهيمنة:

ما سيبقى بعد نظام الهيمنة ليس الرأسمالية المتوحشة، والشرطي العالمي ونظام الهيمنة والكيان الصهيوني المتنمر على جميع بلدان وشعوب غرب آسيا، أو بقية قارات العالم. بل عالم متعدد الحضارات والأقطاب من دون امبراطورية واحدة تمسك بخناق الجميع.

لن نقف طويلاً عند التفاصيل وحسابات الأرباح والخسائر لدينا أو لدى الطرف الآخر. بما في ذلك التضحيات والخسائر الكبيرة التي نتحملها. لن نقف عند موقف هذه الحكومة أو تلك. لن نقف عند مآلات الهجوم على الجمهورية الاسلامية وحركات المقاومة. وهل ستحقق الجمهورية والمقاومة جميع مطالبها أو بعضها أو أي ترتيبات أخرى. لن نقف عند التطورات السلبية أو الإيجابية في بلداننا. فهذه كلها أمور مهمة، لكنها ليست الأساسية لرؤية التغير الحقيقي والجوهري الذي حصل ويحصل فعلاً.  

ما يحصل هو تغير بنياني أصاب النظام الدولي وقياداته الرئيسية ونقصد بها الولايات المتحدة والمعسكر الغربي والكيان الصهيوني.

فكل الأمور الأساسية أو الفرعية اليوم تعتمد على هيكلية هذا النظام.

وأن جميع الدول والمناطق والحقائق العالمية ستتغير بتراجع دور الشرطي الغربي والهيمنة العالمية، وفقدانها بعد معركة "وعد صادق" قابليتها لتجديد مثل هذه الحروب المكلفة لها. والتي عندما تبدأها لا تعرف كيف تخرج منها.

فنجاحات "نظام الهيمنة" في مناطقنا والعالم كلها ظرفية ومؤقتة، ولا تعكس التطور على الصعيد العالمي. بينما نجاحات المقاومة وانتشارها وتطورها، هي التي تعبر عن تلك التغيرات. فخسائر الجبهة الثانية قابلة للتعويض وإعادة التركيب والبناء، بل وتحقيق قفزات نوعية في النوع والعدد. أما الانهيارات والخسائر على جبهة "نظام الهيمنة" ودولها، ومنها الكيان الصهيوني، فإنها نهائية وغير قابلة للترميم.

ليس لأنها لا تمتلك مقدرات ذلك. بل لأن ترميمها سيتطلب وقتاً طويلاً. ستتمكن خلاله جبهة التحرر والمقاومة قد بنت مقدرات إضافية تزيد من الهوة، لغير صالح "نظام الهيمنة". مما يجعل كامل جهد المستعمرين والصهاينة هباءاً منثوراً.

إذ يجب أن نتذكر أن بناء "نظام الهيمنة" لقدراته لم يأت فجأة وبقرار واحد. بل جرى خلال قرون، وجاء نتيجة مراحل وأعمال متعددة. بدأت باستخدام القوة الهمجية أمام شعوب مستضعفة وضعيفة تم الاستيلاء على خيراتها ومواردها عنوة وبالقتل والاستيطان والإبادة. ثم بالاستعمار بشكليه القديم والجديد. وبنظم السيطرة الاقتصادية والفكرية والاحتكارية والقيمية والسياسية، والتي لم يعد "نظام الهيمنة" يمتلك مقدرات أو إمكانيات تكرارها.

فنحن نصل إلى نهاية مرحلة تاريخية. من شأنها تغيير جوهر العلاقات وطبائعها. ومضامين للأنظمة الوطنية، والمؤسسات العالمية وطبيعة العلاقات الأممية، للانتقال من مرحلة التبعية والاستعمار والشرطي العالمي والعقوبات والحصار والحروب الظالمة، إلى مرحلة تحقيق الانتصارات والندية ومزيد من العدالة وانهاء المعايير المزدوجة، وتدافع الحضارات. بدل فرض حضارة واحدة على حساب جميع الحضارات الأخرى.

القسم الثاني

في هذا القسم سنعالج أمرين: ماذا سينهار، وما هي البدائل. ولكن هناك ملاحظة نراها مهمة:

ملاحظة سابقة للنقاش: يعتمد الكثير من القرارات والسياسات التي تتبعها الحكومات أو القوى السياسية على فهم خاطىء يرتب أخطاءً خطيرة. فهمٌ يعتمد الرؤية السائدة أو الماضية المعتمدة. فكل حرب يشترك فيها الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ودول الناتو بشكل مباشر أو غير مباشر –خصوصاً تلك التي تجري في منطقتنا- هي حرب وجودية ووشاملة.

إن لم تغير من الأوضاع جذرياً بالحرب نفسها، فإنها ستغيرها بعد أن تأخذ نتائج الحرب آثارها ومفاعيلها. فكل الكلام عن النأي بالنفس، أو الحياد سيكون بالنسبة لبلدان المنطقة وشعوبها مجرد هروب إلى الأمام. خصوصاً وإن هذه الحرب عالمية وشاملة بنوع قواها وأهدافها للعالم والمنطقة. فالجميع في العالم، وخصوصاً في منطقتنا، معني بشكل مباشر بهذه الحرب. أما أن يقف مع العدوان والكيان أو يقف ضدهما. فكلفة الحياد السلبي عالية جداً.

تداعيات هذه الحرب ستشمل الجميع بعيداً عن الاماني والتصورات، أو السياسات التي لا ترتقي بنفسها لتحديد موقفها الحقيقي والمسؤول في صراع يستهدفها ويخصها مباشرة. 

1- ماذا سيتفكك او سينهار ويتراجع في منطقتنا.

أ‌- خرائط سايكس/بيكو وما بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية: تمزقت هذه الخرائط في تعريف حدود وسيادات الدول عملياً ونظرياً. انهارت عملياً مع تجاوز الأعداء والإرهاب لكل هذه الخرائط والحدود. فقد تجاوز الكيان الصهيوني والولايات المتحدة والناتو والدول الغربية والارهاب متمثلاً بدولة العراق والشام، كل الحدود (الاستعمارية أساساً) التي رسمتها اتفاقات سايكس/بيكو والحربين العالميتين. فهؤلاء جميعاً يتحركون ويتعاملون مع المنطقة ككل واحد.

ويربطون بين دولها وقواها، ويواجهونها بقيادات وخطط وسياسات ومواقف ومشاريع موحدة مشتركة (الشرق الاوسط الكبير، "اسرائيل" الكبرى، ....). فقواهم في كل بلد، ما هي سوى جزء مرتبط ومتكامل مع مجمل قواهم وقدراتهم ومصالحهم في المنطقة والعالم.

ب‌- مشاريع التطبيع والاتفاقات الابراهيمية وغيرهما: انهارت الآن وتوقفت كل هذه المشاريع الكلية والشمولية التي كانت منسجمة مع الطبيعة الهجومية للعدو، والطبيعة الانكفائية المستسلمة للانظمة. مشاريع وإن سارت عبر سياسة القضم التدريجي واستغلال النقاط الاكثر رخاوة في بلداننا، لكنها كانت في إطار رؤية كلية وشاملة كمشاريع التقسيم والاحتلالات الجزئية ومشاريع الأرض مقابل السلام. ومشاريع حل الدولتين، ومشاريع التطبيع، والتي في جوهرها تمثل هيمنة الكيان الصهيوني لفلسطين ومحيطه العربي والاسلامي.

ت‌- سيتراجع الكيان الصهيوني تراجعاً دراماتيكياً. فستزداد الهجرة العكسية، والخلافات بين مكوناته المجتمعية. التي لا يوجد ما يوحدها سوى مطامع الاحتلال والنهب والتوسع. فإن تقلصت هذه أو تلاشت فلن يجمعهم سوى التنازع والتصارع. ليحمل بعضهم بعضاً مسؤولية الهزائم، "ليقضي الله امراً كان مفعولا، والى اللهِ تُرجع الأمور".  

ث‌- ستنهي هذه الحرب الوجود العسكري الفعال، وكل أشكال الاحتلال الظاهرة والباطنة والقواعد العسكرية في المنطقة. فهذه الحرب قد أنهت الكثير من المقومات الموضوعية والذرائع والحجج الذاتية للاحتماء بالأجنبي على حساب شعوبنا واوطاننا. 

· تدمير أقسام مهمة من القواعد العسكرية الأجنبية التي تطلب بنائها أكثر من 4 عقود (بعد حربي الخليج الاولى والثانية). فوجودها الأساس هو لدعم الكيان الصهيوني والمشاريع الاستعمارية وليس لحماية شعوب ودول المنطقة. بل برهنت الأحداث أن وجودها يقود لفتنة كبرى بين دول وشعوب المنطقة. وبهذا الصدد يصرح "ترامب": في 31 آذار 2026 قائلاً: "نستخدم قواعدنا العسكرية في المنطقة ولا أحد سيفعل لنا شيئاً. لا نهتم سواء علموا بما نفعل عندهم ام لم يعلموا".

· التبني الرسمي لاستراتيجية أمنية أميركية جديدة سواء بالوثيقة الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض في ـتشرين الثاني/نوفمبر 2025، أو وزارة الحرب في كانون الثاني/يناير 2026، والتي تتبنى سياسة انكفاء الولايات المتحدة نحو الشمال الغربي للكرة الارضية. والمطالبة بكندا وغرينلاند وبنما وغيرها. وتبني نظرية مستحدثة "برؤية ترامبية" استعمارية استيلائية  لمبدأ "مونرو" 1823. ذلك المبدأ الذي كان تحررياً الى حد ما في وقتها بوقوفه بوجه القوى الأوروبية الاستعمارية من التدخل في شؤون الأميركيتين، واعتبار أي تدخل اعتداء على الولايات المتحدة، مقابل عدم تدخل الاخيرة في الشؤون الاوروبية أو مستعمراتها. 

· الانقسام الذي برز علناً بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية. واتهام ترامب للزعماء الأوروبيين بأنهم لا يدعمونه في حربه ضد الجمهورية الإسلامية وتوجيه الإهانات لهم، وبأنه يفكر بالانسحاب من حلف الناتو. يقابله رفض عدد من الدول كاسبانيا وايطاليا والى حد أقل فرنسا وبريطانيا من السماح للطائرات الأميركية بالمرور فوق أجواء تلك البلدان، ما قاد الزعماء الأوروبيين للتفكير في بناء نظامهم الخاص للأمن الوطني. يضاف إلى ذلك خلاف جوهري فيما يخص الموقف من الحرب في أوكرانيا. 

ج‌- انهارت إلى حدود كبيرة الفتنة الطائفية الشيعية- السنية، وثقافة العداء للجمهورية الإسلامية.

قاد تمسك إيران بالدفاع عن فلسطين، وتحالفها مع المقاومة الفلسطينية وبقية القوى المقاومة للهيمنة وللصهيونية، واستمرار الخطاب الوحدوي الاسلامي عملياً الى انهيار كل البناءات الضالة التي حاول أنصار الفتنة بثها في ثقافة شعوبنا.

ومما سارع في ذلك هو المستوى المتخلف للاعتداءات المتكررة ولحملات الكذب والتهريج للطرف الآخر. واستسلامهم المطلق أو شبه المطلق للخطط والممارسات الصهيوأميركية. لهذا نلاحظ انحيازاً عظيماً من شعوب المنطقة، بل من أغلب الشعوب في العالم مع الجمهورية الإسلامية وحزب الله ووقوف كبار العلماء والمثقفين والنخب إضافة إلى شرائح الشعب مع محور المقاومة ونبذ النزعات الطائفية والفتنوية.

ح‌- انهيار مفاهيم التبعية، واعتبار أن التحالف مع المعسكر الغربي والتماشي مع الكيان الصهيوني ونظام الهيمنة هو الطريق العقلائي والواقعي لبناء بلداننا وازدهارها وتقدمها. ولا شك أن انهيار هذه المفاهيم سيكون ملازماً لانهيار الكثير من المقومات الاقتصادية والنقدية والسياسية والمسلكية والقيمية. وستضعف آليات "البترودولار"، وأنظمة العقوبات والحصار الاقتصادي، والكثير من نظم التنمية والتعليم والتلقين الجماعي للقيم الغربية والاستعمارية.

2- البدائل:

أ‌- سايكس بيكو: لا يعني انهيار خرائط سايكس بيكو والحربين العالميتين، انهيار الدول والحدود بالأساس. بل بانقلاب الأولويات والمضامين. ليحل التوجه نحو الداخل الوطني والاقليمي أمنياً واقتصادياً وسياسياً وقيمياً كأولوية، بدل حاكمية التابعية والخضوع لمصالح الهيكلية العالمية المهيمنة والصهيونية. بكل ما يستتبع ذلك من دورات تختلف من حيث مرتكزاتها وسياقاتها وأهدافها عن الدورات السابقة وأدوارها الوظائفية لخدمة الكيان الصهيوني ونظام الهيمنة. وهو ما سيقود بالضرورة في مراحل لاحقة إلى خرائط سياسية ومجتمعية وقيمية جديدة.

ب‌- القوات الأجنبية والقواعد العسكرية: سيقود انسحاب القوات الأجنبية وإخلاء القواعد العسكرية إلى تغير جذري في موازين القوى الوطنية والمناطقية. فانسحابها أو تراجعها يعبر عن انقلاب القوى بكل أبعادها. وهذا سيعني منظومات أمنية جديدة. وعقائد عسكرية تختلف نوعياً من حيث التعبئة والتسلح والدفاع عن العقائد الحالية.

ت‌- الكيان الصهيوني: لا يختلف اثنان إننا كنا أمام متلازمة تقول إن قوة نظام الهيمنة هو قوة للكيان الصهيوني، وقوة الكيان الصهيوني هي قوة لنظام الهيمنة. وبعكس ذلك فإن ضعف أحدهما وتراجعه هو ضعف للآخر. فما بالك عندما يكون التراجع شاملاً ومزدوجاً. فهناك أزمة بنيانية ووجودية في الغرب وأوروبا، خصوصاً مع الحرب في أوكرانيا ومجرياتها التي تشير إلى تصاعد دور روسيا وحلفائها.

وأزمة النظام العالمي في أفريقيا وآسيا وتقدم دور الصين وحلفائها. فالتفكك وعلامات الضعف السياسي والاقتصادي والردعي العسكري تظهر في جميع القارات والساحات وفي جميع المرتكزات والسرديات والمقدرات الاقتصادية والعسكرية والسياسية والقيمية. بما يطوق الكيان الصهيوني ويضعفه. 

فما شهدناه منذ النكبة عام 1948 وقبلها، وإلى بداية الألفية الثانية، هو تقدم نظام الهيمنة والكيان الصهيوني. كما أن ما شهدناه منذ بداية الألفية وإلى المواجهات في بداية العقد الثالث من هذا القرن هو بداية الانقلاب في موازين القوى لصالح محور المقاومة، لنصل إلى مرحلة الحسم واليقين في انقلاب المعادلة بمعارك "طوفان الأقصى" و"طريق القدس" واليمن والعراق و"وعد صادق".

وسيظهر تراجع الكيان الصهيوني بأشكال متعددة. يقابل ذلك، تقدم قوى التحرير من فلسطين ولبنان وسوريا والأردن ومصر وبقية مناطق ومساحات الأمة. 

ث‌- منظومة جديدة في غرب آسيا:

· من المتوقع أن نشهد تغير مضامين وادوار الكثير من المؤسسات الاقليمية كـ"منظمة المؤتمر الاسلامي" و"الجامعة العربية" وغيرهما. وظهور فلسفة جديدة للمنظمات الحالية، أو حتى ظهور منظمات ومؤسسات جديدة بديلة. لتتحول الى مؤسسات تخدم اولاً وأساساً لبلدان المنطقة وشعوبها.

· تراجع دور الحكومات والأنظمة المتخاذلة أمام "نظام الهيمنة العالمي"، أو دور التشكيلات الأقليمية كـ"مجلس التعاون الخليجي" بتفكك منطق هذه الأنظمة أو التشكيلات، أو تغير فلسفتها من فلسفة فوقية مرتبطة ومستظلة بالولايات المتحدة والغرب، إلى أنظمة او منظومات إقليمية منسجمة مع بقية منظومات المنطقة الجديدة المعبرة عن تيارات التحرر والاستقلال.

وعودة الدور الرئيس للمراكز والحواضر الكبرى الذي كانت تمارسه قبل دخول الاستعمار والصهيونية، التي جعلت من منطقة غرب آسيا منطقة خرجت منها جميع الديانات السماوية، واعتبرت مهد الحضارة البشرية، وأحد أهم مراكز التقدم والقوة عالمياً، في جميع مراحل التاريخ.

كبلدان وادي النيل. ووادي الرافدين. والشام وفلسطين. والمغرب العربي. وبلاد الحرمين والجزيرة، واليمن والبحرين. أي البلدان ذات العراقة التاريخية. وتراجع، او احتواء المراكز التي استقوت على المنطقة عبر اهتمام الدول الاستعمارية بتنمية مواردها في الطاقة، او منافذها الاستراتيجية على حساب البلدان صاحبة الموارد والحضارات الكبرى التي شكلت تاريخياً إرث المنطقة وقوتها. والتي قاد اضعافها واستنزافها الى اضعاف المنطقة بكاملها. 

· تغير طبيعة الصراعات أو التدافعات الداخلية بين دول المنطقة. لا نقول إن هذه الصراعات أو الخلافات ستختفي لكن مرتكزاتها الخارجية ودوافعها والقوى المنخرطة فيها ستختلف من حيث النوع والأهداف ووسائل تغذيتها. فما سيتغير أساساً هو الطابع التبعي والسيادي لتتحول خلافات وتدافعات تعيشها جميع الأمم المستقلة المتكاملة المقومات.

ستتجه شعوب ودول المنطقة إلى الاهتمام بداخلها وبيئتها ومصالحها أساساً. وستؤسس علاقات أمنية واقتصادية وقيمية ومجتمعية فيما بينها.

ومع امتداداتها الإسلامية والآسيوية والأفريقية والمشرقية أساساً. علاقات تفضيلية وازنة مع تلك الامتدادات، بدل العلاقات المهيمنة السابقة. فمركز الثقل سيختلف، لينتقل من الغرب إلى الشرق أساساً.

· لا شك أن سهولة السفر والإقامة والعمل ستختلف عما يُعمل به الآن. حيث دولنا وتشريعاتنا منفتحة تماماً مع "متروبولاتها"، أي حواضر وعواصم الدول الغربية، بينما نراها متشددة ومغلقة مع أبناء إقليمها. ستنقلب المعادلة لتعطي الأولوية لجوارنا وأبناء إقليمنا. فالأمور ستتجه نحو المزيد من الانفتاح بين بلدان المنطقة وشعوبها. وهو ما يمثل عودة الى المناخات التي كانت سائدة قبل أن ينجح الاستعمار والصهيونية في تقسيم المنطقة وتجزئتها بالشكل الذي جعل شعوبها طوائف تتقاتل وتتنازع فيما بينها، ليأتي الاجنبي حكماً وقاضياً وحاكماً لها.

· والأمر نفسه في شؤون الأمن، والطاقة، والمياه، والبيئة، وضرورة تماهي التشريعات الوطنية بما يخدم مصالح المواطنين بغض النظر عن جنسياتهم، ليتنعموا بالثروات والموارد الطبيعية العظيمة التي تمتلكها بلدان وشعوب غرب آسيا وامتداداتها.

· ستفرض الأحداث وتولي شعوب المنطقة للمسؤوليات الكبرى، موقفاً محدداً من العلاقة بين قوميات وهويات المنطقة كبيرها وصغيرها. ونشير هنا بشكل خاص إلى القضية الكردية التي واجهت الظلم والتهميش لفترات طويلة. فتم ارتكاب شتى الأخطاء بحقها. ليتم التحجج بالأخطاء التي ترتكبها -نتيجة محاصرتها- لتعميق السياسات المعادية المتبادلة.

فالموقف من القوميات والهويات المختلفة لابد أن يؤسس على أساس معادلة يخدم شطرها عجزها، وبالعكس. لتحكم هذه المعادلة بإزالة أي تعاون أو علاقات مع الخارج الأجنبي على حساب بقية شعوب المنطقة، من جهة، ومن الجهة الأخرى الاعتراف بكامل الحقوق التي يراها أبناء هذه الهويات، والمساوية للحقوق التي يتمتع بها الآخرون. فلا وصاية، ولا مفهوم للأقلية والأكثرية في التأسيس للعلاقات الأساسية بين هذه القوميات والهويات. بل حقوق مساوية للآخرين، ما دامت لا تمس بأمن ووحدة الأقليم وبلدانه وشعوبه.

· لا شك أن صمود وانتصار الجمهورية الإسلامية وتجديد دماء الثورة والدولة، والدور الذي لعبته في الدفاع عن فلسطين وقضايا التحرر الأخرى سيلعب دوراً اساسياً في عودة التحام الدول العربية بالدول الإسلامية كإيران وتركيا وافغانستان وباكستان وبقية البلدان الإسلامية. لتعود تلك الشبكة العقائدية والثقافية والمجتمعية بكل أبعادها الاقتصادية والقيمية للتأثير على توجهات شعوب ودول المنطقة. فمن يجد القوة في أمته سيستغني عن القوة الأجنبية المُشتراة.

· ستنزع عن جميع الممرات الجوية والبرية والمائية الاستباحات المفروضة عليها اليوم فرضاً بسبب الهيمنة الاستعمارية والصهيونية. فهناك قوانين دولية تميز بين المجالات السيادية والاقليمية والاقتصادية والمرور البريء والحر. وفيما يخص الممرات البحرية خصوصاً في منطقة الخليج مثلاً "يفرق القانون الدولي للبحار (اتفاقية 1982) بين الممرات المائية بناءً على السيادة. حيث تخضع المياه الإقليمية لسيادة الدولة الساحلية (12 ميلاً) مع حق "المرور البريء"، بينما الممرات الدولية (المضائق) تضمن مروراً عابراً أوسع للسفن والطائرات. أما المياه الدولية خارجها فهي حرة.

عندما تُرفع يد الأجنبي والفتن، وتتراجع معارك الكراهية والانقسام، فإن روح التسامح والتصالح مع الذات والآخرين ستجد مكانها المناسب.

تماماً كالنظرة التي تلازمت عند فتح مكة. وقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم "من دخل دار ابي سفيان فهو آمن". وبناء مواثيق ومرتكزات مفاهيمية توحيدية. واحترام المذاهب والشعائر والعقائد والثقافات لكل الأطراف. فمفهوم الوحدة يجب أن يكون ضمانة للتنوع، وليس أداة لملاحقة ومحاربة الاختلاف والتعدد.

· ستبرز نماذج مرنة وصلبة في آن واحد، تتمكن من بناء كيانات متباينة في طبيعتها في إطار الوحدة العامة للمنطقة كما عرفتها قبل دخول الاستعمار عليها. بناءات طبيعية تعيش خلافاتها وصراعاتها بمنطقها الذاتي، كما تعيش وحدتها وامتداداتها ومنافعها بتكامل وبانتفاع جماعي.

القسم الثالث

1- توقيتات التغييرات: لا نجد تصوراً ونظرية أفضل من نظرية ابن خلدون (1332م-1406م) الواردة في مقدمته حول نشوء الدول ومراحل تطورها وانهيارها. لهذا سنلجأ الى مباني هذه النظرية للوصول إلى تصور يقترب من الواقعية للمهل الزمنية التي يمكن أن تأخذها عملية الانهيار، وقيام البدائل التي نتكلم عنها.  

- تعتمد النظرية الخلدونية على مفهوم "العصبية" كعمود فقري لقيام الدولة (او المُلك) ولزوالها.. والعصبية هي من العصب الموحد للجماعة (الديني، أو القبلي، أو العائلي أو الهوية). أي ما يمكن تسميته بالتعابير المعاصرة بـ"روح الأمة" أو "ضميرها". ويذكر أبن خلدون خمس مراحل أو أطوار للمُلك، أو الدولة، أو الحضارة، وهي:

أ‌- طور (التأسيس) الظفر بالبغية، وغلب المدافع والممانع، والاستيلاء على المُلك، وانتزاعه من أيدي الدولة السالفة قبلها. فيكون صاحب الدولة.

ب‌- طور (التوحيد) واستبداد الحاكم على قومه والانفراد دونهم بالمُلك. وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنياً باصطناع الرجال، واتخاذ الموالي والصنائع والاستكثار من ذلك، لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبه.

ت‌- طور الفراغ والدعة (الترف والاستقرار)، لتحصيل ثمرات المُلك، مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال، وتخليد الآثار وبُعد الصيت. وتشييد المباني الحافلة والمصانع العظيمة، والهياكل المرتفعة، وبث المعروف في أهله. هذا مع التوسعة على صنائعه وحاشيته في أحوالهم بالمال والجاه. واعتراض جنوده وإدرار ارزاقهم وإنصافهم في اعطياتهم لكل هلال، حتى يظهر أثر ذلك عليهم في ملابسهم وشَكّتهم (سلاحهم أو دروعهم) وشاراتهم يوم الزينة. وهذا الطور آخر أطوار الاستبداد.

ث‌- طور القنوع والمسالمة (القناعة والتقليد) ويكون صاحب الدولة مكتفياً بما حققه سلفه. مقلداً إياهم. ويرى أن الخروج عن تقليده فساد أمره. وأنهم أبصر بما بنوا من مجده.

ج‌- طور الإسراف والتبذير (الانهيار) ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلفاً لما جَمَع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه. وفي هذا الطور تحصل في الدولة طبيعة الهرم، ويستولي عليها المرض المزمن. الذي لن تتخلص منه، أي ان تنقرض.

- ويرى ابن خلدون أن في كل مرحلة هناك جيل أو أجيال تحمل مشروعه. ويعتبر أن مدة الجيل الواحد تقدر بحوالي 40 عاماً. وهي تعادل متوسط عمر الإنسان الكامل من الولادة حتى بلوغه سن القوة والكفاءة واكتمال العقل والخبرة. وبناء على ذلك، فان عمر الدولة أو الحضارة (المراحل الخمس) يستغرق عادة ثلاثة أجيال متتالية. أي ما مجموعه حوالي 120 عاماً:

1- الجيل الأول هو جيل المؤسسين أو أصحاب العصبية الأولى. يحتفظون بخصال القوة والخشونة والتضحية. وفيه تنهض الدولة وتتمدد.

2- الجيل الثاني وهم أبناء المؤسسين. عاشوا في النعيم والمُلك وورثوا السلطة من دون كدح. يبدأ عندهم الضعف. لكنهم لا يزالون يذكرون سيرة ابائهم ويحاولون تقليدهم جزئياً. وتبدأ الدولة بالتحول إلى الرفاهية والاستبداد.

3- الجيل الثالث. وهم أحفاد المؤسسين. نشأوا مترفين. ونسوا تماماً معنى القوة والتحدي. واستسلموا للعادة والتقليد فقط. هنا تصل الدولة الى مرحلة الهرم والانهيار، وتصبح فريسة سهلة لدولة او عصبية أو حضارة جديدة تحل محلها. 

- المقارنة بعصرنا: سنحاول مقاربة الفترة المعاصرة لكل مرحلة لما يعادل 40 عاماً من الأزمان الماضية. ولأن ابن خلدون بنى تقديره وفق أعمار الأجيال. وعليه يكون المقترح المعاصر لأعمار الأجيال قد يعادل 15-20 عاماً. أي ثلث أو نصف الفترات السابقة.

فعمر الإنسان آنذاك كان أقصر من عمر الإنسان المعاصر. وعليه، باعتماد هذه المقاربة ستكون الدورة الحضارية المعاصرة لأعمار الإمبراطوريات المعاصرة هي في برج 50 سنة كحد أدنى، و75 سنة كحد إعلى. وسبب ذلك، تغير الظروف، وسرعة انتقال المعرفة والتغيير التكنولوجي وتقدم الافكار والمنجزات والمؤسسات والمنتجات. وإن دورات الصعود والهبوط أصبحت أسرع مع جيل اليوم. الذي هو جيل الانترنت والذكاء الاصطناعي، والعولمة وانتشار المعلومة، وتآكل التشكيلات الاجتماعية (العصبية) التي تحولت الى ولاءات سياسية واعلامية واقتصادية سريعة التغير.

وبالمقاربة يمكن تطبيق:

أ‌- الفتح والتأسيس. 15-20 سنة لقيام قيادة حازمة شعبية عالية، ونمو سريع.

ب‌- الاستبداد بالسلطة. 15-20 سنة لتركيز وإضعاف المعارضة.

ت‌- الفراغ والدعة (الرفاهية). 15-20 سنة. حيث الترف الاجتماعي (مجتمعات استهلاك ورفاهية) والانشغال بالمكاسب لا بالتوسع.

ث‌- السلم والاستقرار الظاهري. 5-10 سنة. وتكون قصيرة (نفس الجيل الثالث). وتشهد جموداً إدارياً وتقليداً للماضي.

ج‌- الانهيار. وهو سريع 2-5 سنوات (أزمة حادة، وتآكل سريع للشرعية).

لاشك أن ابن خلدون لم يضع ساعة توقيت جامدة، بل تحدث عن "أحوال غالبية". المعاصرون الذين طبقوا نظريته مثل "مالك بن نبي" قالوا "العبرة بتتابع الحالات، وليس بعدد السنين". يعني لو حدث انهيار في 30 سنة بسبب الحرب أو الثورة فهذا لا ينقض النظرية، بل يثبت تسارع الوتيرة. 

2- في أي مرحلة نحن: نستطيع القول بأن مرحلة التأسيس قد بدأت في الفترات التي سبقت القرن العشرين. ولاشك أن روحية المنفعية والعنصرية والاستعمارية مثلت "العصبية" الغربية التي وحدت الوحشية الغربية والصهيونية وحققت لها مصادر القوة، وهو ما يمكن اعتباره المرحلة الأولى.

وكذلك يمكن اعتبار مرحلة السيطرة والتمكن، أو ما يقابل المرحلة الخلدونية الثانية قد تحققت في القرن العشرين، خصوصاً مع الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وتمثل مرحلة الخمسينيات والثمانينيات من القرن العشرين مرحلة الرفاه ومجتمعات الاستهلاك، وهو ما يمثل المرحلة الثالثة من مرحلة الترف والرياش الخلدونية. 

ويكون الانتصار على الاتحاد السوفياتي وإعلان فوز الليبرالية ونهاية التاريخ والرجل الأخير في التسعينيات، وما تلاها مقابلاً للمرحلة الرابعة من تحقيق السلم والاستقرار الظاهري. 

لتبدأ المرحلة الخامسة، أي مرحلة الانهيار في العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين. مع صعود الصين والحرب في اوكرانيا. واخيراً "طوفان الاقصى" والحروب في فلسطين ولبنان وغرب اسيا. وأخيراً وليس آخراً، العدوان الذي شنته الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية، والذي ستخرج منه إيران منتصرة، ومعها محور المقاومة وأحرار المنطقة والعالم.

بكلمات أخرى، إذا انطلقنا من أن العالم قد تجاوز المراحل الثلاث الأولى، فإننا عشنا أو نعيش الآن المرحلتين الرابعة والخامسة. أي مرحلة تفكك الإمبرياليتين "الشمولية" و"الليبرالية" كمرحلة رابعة. لتكون المرحلة الخامسة، هي مرحلة الانهيارات الجزئية أولاً، ثم الانقلاب الكامل والانهيارات النهائية. 

وحسب هذه الرؤية سيستغرق تغير الخرائط السياسية والمواقف ومضامين الحكومات والمؤسسات والتحالفات والمحاور الجديدة خلال الـ 3-5 سنة الجارية. أما الانقلاب على صعيد النظام الدولي، واحتلال أقطاب العالم الجديد مواقعهم وأدوارهم فقد تأخذ 5-10 سنة. ونذكّر في الختام، أن المقصود بالسنوات هو التعامل معها كوحدات Units، وليس كأرقام Numbers.

أي رؤية السنوات في إطار كلي وتصوري ومفاهيمي، وليس كحسابات رقمية فقط.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.