عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: انتهت الحرب الكبرى، وتبقى المعارك والتسويات الصغرى

العالم منقسم، ومن لا يجد له مكاناً إلى الطاولة، سيكون على قائمة الطعام، أين نحن من كلّ هذا؟ السيّد عادل عبد المهدي يرسم في مقاله عبر الميادين نت خريطة الجبهات المفتوحة في العالم، والمسافة الفاصلة بيننا وبينها.

  • نصف الحرب تكسب في الميدان، ونصفها تُكسب مع تأييد البيئة المحيطة والمساندة.
    نصف الحرب تكسب في الميدان، ونصفها تُكسب مع تأييد البيئة المحيطة والمساندة.

بعد "طوفان الأقصى"، وحرب الإبادة الإسرائيلية والتوحّش والاغتيالات، وبعد المقاومة البطولية في غزة والضفة ولبنان والصمود الأسطوري، وبعد موقف يمن العزّ وإغلاقه البحر الأحمر أمام السفن الذاهبة إلى "إيلات"، وإرغامه الحاملات الأميركية على الانسحاب من البحر، وبعد موقف المقاومة في العراق، ولو بشكل أقل، لكنه المؤثّر بما يحمله العراق من طاقات، وبعد موقف الجمهورية الإسلامية في ايران في الوعد الصادق 1 و2، وخصوصاً بعد الوعد الصادق 3 في حرب الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025، وبعد انتقال المعارك إلى الأرض التي يقف عليها العدو غاصباً.

وبعد نتائج حرب أوكرانيا، وبعد التباعد المتزايد بين أوروبا وكندا وبلدان أخرى من جهة، والولايات المتحدة من جهة اخرى، وبعد تعمّق الأزمات الاقتصادية والمجتمعية والسياسية والشرعية والأخلاقية في الولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً، بما في ذلك في "إسرائيل"، وبعد الإدانات الدولية وتحوّل الشارع الغربي والعالمي لمصلحة فلسطين بما في ذلك بين مسيحيّي ويهود العالم، وبعد التصاعد المتسارع للصين واتفاقات "بريكس" و"شنغهاي".

وبعد التغيّر النسبي في مواقف دول المنطقة من التطبيع واتفاقات أبراهام، وبعد التقارب السعودي الإيراني، والمصري الإيراني وغيرهما، وبالمقابل، ورغم اغتيال كبار القادة وفي مقدّمتهم سماحة الشهيد السيد حسن نصر الله قُدّس سرّه، ورغم ما جرى في سوريا من انقطاع خطوط التواصل بين لبنان وسوريا والعراق وإيران، ورغم مشاريع "إسرائيل الكبرى" أو مشاريع "مجلس السلام"، ورغم ما يجري من ضغوطات سياسية وحملات إعلامية، ورغم "الارمادا" الأميركية والغربية والإسرائيلية لترهيب إيران، وبعيداً عن كلّ الضجيج الذي يريد أن يسلب العقول السليمة ليأخذ بها إلى عالم الأوهام والتهديدات والسرديات المضلّلة، يمكن بعد كلّ ذلك، ورغم كلّ ذلك..

يمكن أن نقسّم عالمنا الحالي جبهتين رئيسيتين: الأولى هابطة بكلّ المعايير رغم قوتها وبأسها، والثانية صاعدة بكلّ المعايير، رغم الكثير من عوامل الضعف فيها.

نظام الهيمنة العالمي أو النظام القديم، والعودة للتوحّش المكشوف: ويمكن تسمية هذه الجبهة بـ "جبهة الرأي".. فقادتها ومنظماتها ودولها يعفون أنفسهم من أية ضوابط أو قواعد أو أعراف أو قوانين دولية تحكم سلوكهم. وهم يرفضون أية أحكام أممية، حتى تلك التي تصدر من محاكمهم ذاتها.

وهم يتخلّون عن منظمات وهيئات أسسوها هم، لتكون إطارات تمكّنهم من الهيمنة على العالم بأسره. هؤلاء يعودون –اليوم- إلى أصولهم الأولى في التوحّش. وعمل كلّ ما يحلو لهم. كما كانوا يفعلون منذ القرن السادس عشر حتى القرن العشرين. فقراراتهم وسياساتهم هي قناعات وآراء خاصة، كما يعبّر الرئيس ترامب نفسه بذلك. ليكون لسان حاله، كما لسان حال "نتنياهو: "بأنني العالم، والعالم أنا".

هذه الجبهة يمكن وصفها كما يحلّلها البروفسور الإسرائيلي المعروف "ايفال هراري" (الذي وضع كتباً عن تطوّر الإنسان والمجتمعات الإنسانية قبل 50000 عام، كتباً أصبحت هي الأكثر مبيعاً خلال العقد الأخير)، قائلاً في إحدى محاضراته قبل أيام: "لماذا تنهار المجتمعات المتقدّمة"؟ فيجيب "لأنها تعيش الوهم الجماعي، الذي يتحوّل إلى عقيدة تقود إلى انهيار الحقيقة".

"طوفان الأقصى" وحرب الإبادة. وانكشاف الوجه الحقيقي لـ"إسرائيل" والدعم الأميركي غير المحدود، هي التي قادت لهذا التحوّل العالمي في الشارع والجامعات الغربية والعالمية. فانهيار الحقيقة الوهمية لديهم وانكشاف الحقيقة الأصيلة، هما ما جعلا غزة سيّدة العالم. ووفّرا الوقود الحقيقي لمقاومة هيمنة النظام العالمي، الذي أسس "إسرائيل" والذي يحميها ويديمها. 

لهذا يشهد الغرب ونظام الهيمنة العالمي تطوّرات وجودية بنيوية، يقول معظم العلماء والباحثين الجادّين إنها غير قابلة للحلّ. وإنها قد بدأت، وستتعمّق أكثر فأكثر. تطوّرات من شأنها إنهاء النظام القديم وبناء نظام جديد. بل إنّ كلّ المؤشرات تشير إلى أنّ تلك الانهيارات تتسارع أكثر من اللازم بسبب السياسات الجوفاء التي تتخذها تلك القيادات والدول.

بدأنا نشهد بالفعل تفكك العلاقات بين أوروبا وأميركا. وتراجع حلف "الناتو". وازدياد الأزمات الاقتصادية والقانونية والحقوقية والسياسية والمجتمعية والأخلاقية داخل كلّ دولة، وفيما بينها.

ومن دون الدخول في التفاصيل، يقدّم لنا رئيس وزراء كندا "مارك كارني" أبرز مثال، عبر منصة منتدى دافوس العالمي، قائلاً: "إنّ النظام العالمي انتهى ولن يعود وإنّ قوة النظام لا تأتي من حقيقته، ولكن من استعداد الجميع للتصرّف كما لو كان صحيحاً، وإنّ القوي يستطيع أن يفعل ما بوسعه والضعيف يجب أن يعاني، وإنّ دولاً ككندا ازدهرت في ظلّ ما نسمّيه النظام الدولي القائم على القواعد.. انضممنا إلى مؤسساتها، وأثنينا على مبادئها، واستفدنا من إمكانية التنبوء بها. كنا نعلم أنّ قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت خاطئة جزئياً. أنّ الأقوى سيعفي نفسه عندما يكون ذلك مناسباً.. وكنا نعلم أنّ القانون الدولي ينطبق بصرامة متفاوتة، اعتماداً على هوية المتهم أو الضحية. كان هذا الحال مفيداً. وساعدت الهيمنة الأميركية على وجه الخصوص بتوفير المنافع العامّة.. تشاركنا في الطقوس. وتجنّبنا إلى حدّ كبير ذكر الفجوات بين البلاغة والواقع. هذه الصفقة لم تعد تعمل، ونحن في خضمّ تمزّق وليس مرحلة انتقالية ولا يمكنك العيش ضمن كذبة المنفعة المتبادلة من خلال التكامل، عندما يصبح التكامل مصدر التبعيّة".

وأضاف "أنّ الدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها أو تزويد نفسها بالوقود أو الدفاع عن نفسها، لديها خيارات قليلة. عندما لا تحميك القواعد عليك حماية نفسك، والكنديون يعرفون أنّ افتراضاتنا القديمة والمريحة بأنّ جغرافيتنا وعضويتنا في التحالف تمنح الرخاء والأمن تلقائياً لم تعد صالحة". 

"القوى الوسطى يجب أن تعمل معاً لأننا إذا لم نكن إلى الطاولة فنحن على قائمة الطعام.. نحن نعلم أنّ النظام القديم لن يعود. يجب ألّا نحزن عليه. الحنين ليس استراتيجية".

ويصرّح الرئيس الفرنسي ماكرون يوم العاشر من الشهر الجاري قائلاً: "إنّ إدارة ترامب معادية للاتحاد الأوروبي وترغب في تفكيكه". وتعزيزاً لهذه الرؤية تنشر صحيفة "الغارديان" البريطانية استطلاعاً جرى في كانون الثاني/يناير 2026، يتناول النظرة السلبية أو الإيجابية نحو الولايات المتحدة، بين عامي 2016 و 2026، فكانت النتائج كالاتي:

في المملكة المتحدة، كان أكثر من 50% ايجابياً، ونحو 30% سلبياً (وأصبح 64% سلبياً). وفي الدنمارك، كان نحو 55% إيجابياً، ونحو 30% سلبياً (وأصبح 84% سلبياً). وفي فرنسا، كان أكثر من 50% إيجابياً، وأقل من 40% سلبياً (وأصبح 62% سلبياً). وفي ألمانيا، كان أكثر من 45% إيجابياً، وأكثر من 35% بقليل سلبياً (وأصبح 72% سلبياً). وفي إيطاليا وإسبانيا لم يجرِ الاستفتاء في 2016. وفي 2026 كان السلبي 63% في إيطاليا و66% في إسبانيا.  

1- أين ثقل "إسرائيل" من هذا التحوّل؟

بالنسبة لـ"إسرائيل"، فقد انتقلت من قوة إضافية رابحة للغرب عندما كان الأخير قوياً. لتتحوّل –مع الخط الهابط العالمي للغرب- إلى عبء كبير مادياً وأخلاقياً وقانونياً وسياسياً، خصوصاً بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية. يقول القس الأميركي جون شيهان: "كلما يقول شخص بأنّ إسرائيل هي صديقنا الوحيد في الشرق الأوسط، لا أستطيع إلا أن أفكّر بأنه قبل "إسرائيل"، لم يكن لدينا أعداء في تلك المنطقة".

تعيش "إسرائيل" اليوم قلقاً وجودياً جماعياً، وليس فردياً أو استثنائياً كما كان في السابق. فهي باتت مهدّدة في عقر قلاعها. مهدّدة بالمقاتلين الشجعان الذين لا يهابون الموت.

"إسرائيل" مهدّدة بالانقسامات الداخلية الحادّة، مهدّدة بالأزمات الاقتصادية التي جعلتها تعتمد كلياً على الولايات المتحدة الأميركية بعد أن كانت تمثّل استثماراً ناجحاً لها في المجالات كافة. مهدّدة بكثرة الخسائر البشرية من قتلى ومصابين التي تقع في صفوفها، وفقدان ثقة مجتمعها بجيشها، ورفض الحريديم التطوّع في صفوف "الجيش". مهدّدة بالهجرة العكسية التي تجاوزت كلّ الخطوط الحمر، مهدّدة بتراجع المعنويات والضياع والفساد الذي جعل جنودها ومواطنيها يُهرِّبون الأسلحة، ويبيعون الأسرار، ويصوّرون المواقع.

تُهدّدها الصواريخ والمسيّرات التي باتت تطال أكثر مواقعها حساسية وتحصيناً. تهدّدها القوى الكامنة التي تمتلكها شعوب الأمّتين العربية والاسلامية، إضافة إلى أحرار العالم. يهدّدها محيطها المعادي لها. وتشعر بالتهديد حتى من دول وتشكيلات تعتبرها، أو كانت تعتبرها، حليفاً أكيداً لها.

فالحلم الإسرائيلي يتهاوى. وهنا تنطبق على الإسرائيليين أيضاً تحليلات "يوفال هراري"، ولكن بشكل مقلوب. فالحقيقة الفلسطينية التي كشفتها حرب الإبادة في غزة، والتوحّش اللامتناهي الإسرائيلي، دمرت نظرية مظلوميتهم، لتحطّم العقيدة وسرديتها التي ربّوا عليها أجيالهم المتعاقبة، ولتزيل في النهاية الأوهام التي كانت تعيشها شعوبهم. وهذا ما يفسّر الانقلاب السريع والجذري في مواقف شباب وشعوب المعسكر الغربي بمجمله. وخروج التظاهرات الحاشدة في كلّ أرجاء العالم.

2- جبهة المستقبل بما فيها جبهة المقاومة

يولد اليوم أمام أعيننا نظام عالمي جديد. نظام قد لا يكون فيه شرطي عالمي. ودول استعمارية أو مهيمنة تفرض شروطها على الآخرين.

وهنا نتوقّف قليلاً لنقول إننا نحلّل انهيار نظام عالمي متكامل، وقيام عالم جديد. وعندما نتكلّم عن هذه العملية الكبرى فلا نقصد أنّ هذه الأمور يجب أن تقاس بمعنى السياسات اليومية. بل يجب أن تقاس بمعنى التحوّلات التاريخية الكبرى التي ستأخذ مديات غير قصيرة لتتحوّل إلى حقائق ذات مقبولية عامّة.

لكنّ الواجب هو تبيان تباشيرها ومبانيها. لأنّ حسن التشخيص المسبق، هو الذي يقود إلى حسن تقدير الموقف، ووضع السياسات التكتيكية انطلاقاً من الرؤى الاستراتيجية. بخلاف ما يفعله البعض الذين يغرقون في الأحداث اليومية بحجة الواقعية وقوة العدو، ويتغافلون عن هذه التطوّرات الكبرى. فتراهم يخافون من إشاعة، ويتطيّرون من تهديد، ويستسلمون لإملاءات العدو وأوامره.

نرى أنّ العالم يسير نحو عالم حضارات وأمم ودول متجاورة. فلو جاز لنا تصوّر العالم كدولة واحدة. فإننا سنقول بأنّ هذا العالم سيسير نحو عالم كونفدرالية أو فيدرالية كونية Cosmic Federalism ليحطّم العالم المركزي المتحكّم ببقية الشعوب طوال القرنين الأخيرين، والذي مهّدت لهما -قبل ذلك- قرون التوحّش والغزو والاستيلاء والاستعباد والنهب والاستيطان المباشر. ويمكننا في هذا العالم أن نرى المستويات الآتية، على الأقلّ في المنظور المتوسط أو حتى القريب نسبياً:

- نظام عالمي غير مركزي يُنهي المركزية الأورو-أميركية التي قامت على التدخّل في شؤون الدول السياسية والسيادية. يحترم ذلك الجانب من ميثاق الأمم المتحدة الذي ينصّ على أنّ من حقّ أيّ دولة أن تقيم النظام السياسي الذي يناسبها، وحظر التدخّل في شؤونها.

إذ تنصّ المادة 2/1: "تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها". وتنصّ المادة 2/4: "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهمم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضدّ السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة". وتنصّ المادة 2/7: "ليس في هذا الميثاق ما يسوّغ للأمم المتحدة أن تتدخّل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما".

كما يؤكّد إعلان مبادئ القانون الدولي بالقرار 2625 لعام 1970 "عدم جواز التدخّل في الشؤون الداخلية لأيّة دولة" فـ"لكلّ دولة حقّ غير قابل للتصرّف في أن تختار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي"، و"لكلّ دولة واجب الامتناع عن التدخّل في الشؤون الداخلية لأيّة دولة أخرى". 

فلا تظهر مركزية النُظم الدولية إلا في الشؤون الشمولية. كقضايا المناخ، وتدمير أسلحة الدمار الشامل، والصحة العامة، وتبادل العلوم، وشؤون الفضاء الخارجي، ومحاربة الفقر والإرهاب، وكلّ ما هو مشترك ويتطلّب توافقاً عالمياً شاملاً.

نظام جديد تتكون أثقاله من الشعوب والحضارات المختلفة، وليس من مراكز قوى الهيمنة أساساً. نظام جديد تغيب عنه المضامين الاستعمارية والاحتلالية والنهب والمركزية الاستعمارية والفردية والتدخّل والعقوبات والحصار.

ولا تستخدم فيه القوة ضدّ طرف يهدّد السلام الجماعي أو يقوم بالإبادة الجماعية، إلا وفق معايير دولية واضحة، لا تستخدم ازدواجية المعايير، أو أحادية الانتماءات والولاءات.

- نظام ستتقدّم فيه القوى الصاعدة خصوصاً من دول المستعمرات القديمة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. متمثّلة اليوم بمجموعات "بريكس" و"شنغهاي" وغيرهما. دول باتت تمتلك القدرات الاقتصادية والعلمية والثقافية والمجتمعية الأكثر حيوية والأكثر عدالة.

- نظام ستتفكّك فيه عوامل التبعية التقليدية، وسيشجّع تقدّم القوى الصاعدة، الدول الخائفة والضعيفة، لتتحرّر –ولو تدريجياً- من عوامل الخضوع والتبعية. فعوامل التدخّل والهيمنة والنهب الخارجي ستضعف. وستزداد التعاملات المتكافئة. مما سيولّد دورات إنتاج مفاهيمية وقيمية واقتصادية واجتماعية وعلمية وتنظيمية، تُحدث التراكمات الإيجابية التي من شأنها إحياء مرتكزات سيادتها الحقيقية، وحضارتها وإنجازاتها.

- نظام تعيد فيه الولايات المتحدة الأميركية والدول الوسطى –أو ما يسمى اليوم بالغرب- عملية تجديد الذات. فالغرب بمنجزاته الكبيرة، وبعد تحرّره من النزعات الإستعمارية والعنصرية والاستعلائية والاستيطانية والصهيونية، هو شريك طبيعي لبقية القارات والحضارات والشعوب ومناطق ودول العالم الأخرى.

3- الحرب الكبرى حُسمت في حزيران 2025:

صحيح أنّ معركة أوكرانيا قد مهّدت الطريق لتراجع الولايات المتحدة، ولتفكيك موقف "الناتو" والدول الأوروبية. وصحيح أنّ نهضة الصين وتقدّم بركس وشنغهاي قد وفّرا أرضيّة العالم الجديد، وتعمّق أزمة النظام القديم بكلّ أبعادها العسكرية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية والقانونية، وصحيح أنّ "طوفان الأقصى" ومعارك غزة والضفة ولبنان واليمن والعراق وإيران قد بيّنت صلابة محور المقاومة ووحدة الساحات، وصحيح أنّ تفاعل الشارع العالمي مع فلسطين، وإدانة "إسرائيل" بجرائم الحرب والإبادة الجماعية، وأنها قد وضعت "إسرائيل" ومن يقف معها في المسار المتهاوي من التاريخ، وصحيح أننا خسرنا خيرة قادتنا ومقاتلينا شهداء في طريق هذا النصر..

الصحيح أيضاً أنّ معركة الاثني عشر يوماً في حزيران 2025 مع الجمهورية الإسلامية في إيران –وتتصل بها صواريخ اليمن على الحاملات الأميركية والكيان الصهيوني- كانت بمثابة  معركة "ستالينغراد" في الحرب العالمية الثانية.

فما دام استخدام النووي سيبقى بعيداً عن الاستخدام، رغم اعتقاد البعض أنّ "إسرائيل" قد تستخدمه اذا ما شعرت بتهديد وجودي حاسم. وما لم تحصل مفاجآت كبرى في الحملة التي تقودها "الارمادا الأميركية" الحالية، والتي تراجعت سقوفها كثيراً بعد القضاء على المؤامرة الداخلية وضرب "الستارلينك"، ومع إستحالة الاجتياح البري الذي يتطلّب بحسب رأي اللوتينيت كولونيل الأميركي "دانيال ديفيد" إلى 300000-400000 جندي ينزلون إلى البرّ الإيراني، ومع إعلان إيران تغيير عقيدتها الحربية من ضربة مقابل ضربة، إلى ضربة مقابل حرب لا سقوف لها، مع ذلك كلّه، وبسببه، دخلت الولايات المتحدة المفاوضات وفق الشروط الإيرانية لتكون في عُمان وليس تركيا.

مفاوضات حافظ الطرفان فيها على الاحترام المتبادل والكلمات المحسوبة جيداً، كدليل بأنها الخيار الأكثر واقعية في مثل هذه الظروف. وسننتظر الأيام لنرى التطوّرات، خصوصاً مع زيارة "نتنياهو" لواشنطن.

فإن خرجت الجمهورية الإسلامية -بالحرب أو بالتفاوض- سليمة في نظامها وعقيدتها وبناها وأدوات ردعها – ولا سيما منظومتها الصاروخية - فإنها ستكون البرهان اليقيني من الخط النازل لنظام الهيمنة العالمي. وهي ستخرج منتصرة إن شاء الله. فالولايات المتحدة و"اسرائيل" والغرب عموماً يمتلكون قدرات عسكرية هائلة، قد تكون هي الأقوى عالمياً.

لكنّ القوة من دون الإرادة البشرية، والشرعية العدلية والعقلائية والأخلاقية، هي حديد بارد، وقوة نارية هائلة ترتد على مطلقيها، كما يقولون. وهذه نقطة فاصلة في التاريخ البشري المعاصر.

فأمامنا نظام قديم يتهاوى، ونظام جديد يتصاعد. ومن هذا المنطلق الحتمي يجب البناء وتقدير الموقف.

4- المعارك والتسويات الصغرى:

وكالمعتاد عندما يظهر في الأفق نظام عالمي جديد ويتراجع النظام القديم فإنّ الدول والأنظمة التي كانت تدور في فلك النظام القديم سترى اضطراب مساراتها ومرتكزاتها، بالمقابل سترى دول وأنظمة أخرى حالة انتعاش محمولة بزخم التيارات الصاعدة للعالم الجديد.

- بعض الأنظمة المعتاشة على النظام القديم ستدخل في مراحل الفراغ والفوضى. مما سيهدّد باضطرابات لفترة من الوقت. إلى أن تبرز من داخلها قوى تستطيع التحكّم بمساراتها، أو تأخذ بيدها وتحتويها قوى إقليمية أو دولية أكبر منها. هذه الأنظمة والدول ستكون عموماً تلك التي ستستمر بإنكار ما يجري حولها، واضعة مصيرها كلياً، تبعاً لمصير غيرها.

- وأخرى ترتّب أمورها إدراكاً منها لما يحصل في العالم اليوم. فتجري تسويات وتحالفات جديدة. تساعدها في التماشي مع التطوّرات الجديدة. لتبني لنفسها نظاماً يتعايش مع الأوضاع الجديدة.

- وثالثة قد تنهار نهائياً وتفقد علّة وجودها.

- وفي جميع هذه الحالات. لن يكون - لا الانهيار ولا الصعود - خطياً وآلياً. صحيح أنّ جميع هذه المنظومات والدول لم تتكوّن أساساً بفعل فاعل داخلي فيها. بل هي نتاج تطوّر الأوضاع العالمية بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. لكنه من المعروف في العلوم الاجتماعية/الاقتصادية/السياسية أنّ هذه التشكيلات تحوز إلى حدّ ما استقلالية دفع ذاتية تنفصل فيه عن المصدر الأساس المولد لها.

وعليه قد نرى اتجاهات في حركتها تسير بالضدّ من المسار العامّ أحياناً. أو نرى سرعة تأثّر أقل من سرعة التحوّلات العالمية. وفي كلّ الأحوال فإنّ المحصّلة النهائية، ستُظهر هذه الدول والأنظمة وقد تماهت عاجلاً أم آجلاً مع المسارات العالمية، الصاعدة أو النازلة. وهذا الأمر يشبه مثلاً قضية الدولار. فلا شكّ أنّ الدولار ما زال هو العملة الرئيسية في التجارة الدولية، لكنّ دوره شهد تراجعاً على صعيد الاحتياطيات المالية الأساسية كدليل على تراجع الثقة به. فتراجع إلى أقلّ من 58% من الاحتياطات بعد أن كان قبل عقود قليلة أكثر من 70%. بينما نراه في دولنا يتصاعد. فالعوامل هنا تختلف عمّا هي عليه عالمياً. لكن لن يمرّ وقت طويل إلا وتستقر الأمور يحسب القاعدة العامة الكبرى والأساسية.

- نرجّح أنّ تقسيمات سايكس-بيكو، إن لم تختفِ كخرائط سياسية، فإنها ستختفي كتعاملات بين شعوب وبلدان المنطقة. فـ"داعش" حطّمت سايكس-بيكو. كذلك فعلت "إسرائيل" وتبعتها الولايات المتحدة حيث صرّح توم برّاك بأنّ سايكس-بيكو قد انتهت.

أفكار مثل "إسرائيل الكبرى" و"الشرق الأوسط" الجديد، واستخدام قوى الإرهاب لقلب الأوضاع في لبنان أو في العراق أو في غيرهما. كلّها مشاريع عابرة للحدود. مشاريع تعيش تحت حقيقة مظلة منظومة الهيمنة العالمية، أو في ظلّ أوهامها.

وبعد تراجع مجمل هذا النظام، الذي أسس لسايكس-بيكو وتقسيماته، فستنهار الكثير من الأسس التي قام عليها النظام الإقليمي. وفي إطار مثل هذا التفكّك نرى ما يحصل في العديد من بلدان المنطقة كالسودان وليبيا. أو ما حصل لقطر في حزيران/يونيو 2017 من قطع معظم دول الخليج ومصر العلاقات معها. وفرض الحصار عليها بتهمة دعم الإرهاب والتعامل مع إيران. أو تفكّك التحالف السعودي/الإماراتي في اليمن مؤخّراً، إلخ. 

ففترة التجزئة قد بنت حقائق محلية غير بسيطة. لكننا نعتقد أنّ التيارات الكبيرة لا بدّ أن تهزم التيارات الصغيرة، لمصلحة شعوب المنطقة. وأن تستعيد الشعوب علاقاتها وارتباطاتها التاريخية، وأن تتمتّع بحرية الانتقال والعمل والإقامة والتصاهر وغيرها من أمور عاشتها المنطقة لآلاف السنين. 

5- أين موقف محور المقاومة من هذه التطورات؟

بالطبع لن تجري الأمور بشكل ميكانيكي. فالتراجع الحاصل على صعيد عالمي قد يقابله أحياناً تقدّم على بعض الصعد المحلية. ولو إلى حين. 

أ‌- لا شكّ لدينا أنّ دول محور المقاومة ستكون من الدول الصاعدة التي ستحملها الأمواج الإيجابية لترتقي مراتب في النظام الإقليمي والعالمي. كما لا شكّ لدينا أنّ قوى المقاومة داخل بلدانها ستجد توسّعاً في بيئتها ومواقفها التي ستنعكس إيجاباً في إطارات دولها وأنظمتها.

ب‌- نعتقد أنّ "طوفان الاقصى" وما تلاه من مقاومة وصمود وتداعيات في فلسطين وفي محور المقاومة بمجمله، وفي حرب الاثني عشر يوماً، هي أحداث خطيرة قد أدخلت تطورات مهمة على استراتيجية المقاومة.

فالردع الذي كانت تمثّله غزة ولبنان قبل "طوفان الأقصى"، انتقل إلى ردع تمثّله الجمهورية الإسلامية واليمن وإلى حدود أقل العراق بصواريخهم ومسيراتهم. ومع الاستنزاف الذي يحصل في داخل الكيان والإحساس بأنهم يعيشون حرباً دائمة، فإنّ حقائق جوهرية قد تغيّرت.

"إسرائيل" لا تستطيع انتظار "طوفان أقصى" جديد، ولا تتحمّل بناها تقدّماً ميدانياً تضطر فيه لدفع كلف بشرية كبيرة، لا هي ولا حلفاؤها. ومع تقدّم البرنامج الصاروخي على الملف النووي، حيث يقع النووي ضمن سياسية الردع، بينما بات الصاروخي سلاح المعارك الجارية.

فـ"إسرائيل" لا تستطيع تحمّل الصواريخ وهي تنهال على رأسها، وإنّ كلّ وسائل دفاعها أو هجومها غير قادرة على إيقاف ذلك. 

ج- فإن لم تحلّ "إسرائيل" هذه المعضلة التي تواجهها. من خلال حملة "الارمادا الأميركية" الأخيرة، أو جولات المفاوضات الأميركية الإيرانية، أو أي خيار آخر، فإنها ستكون أمام خيارين: 

- أن تنكفئ على نفسها وتعزّز دفاعاتها. وهذه لا تعني خسارة بل هزيمة كبرى. فالاحتلال والاستيطان لم يؤسّسا ليكونا سجناً لمن كانوا يحلمون بمجتمعات اللبن والعسل. بل يعتمد مشروعهم على اقتضام لجزء ليقودهم لاقتضام المزيد. وصولاً لـ "إسرائيل الكبرى". لهذا بقي كيانهم من دون دستور، ومن دون حدود.

- أو الخروج الطائش إلى خارج حدود الكيان الحالي. وهذا ما تقوم به حالياً. وقد حقّقت نجاحات في سوريا، وتسعى لتحقيق شيء مشابه في لبنان أو في غزة وغيرهما. لكنها هنا ستصطدم بمصالح واعتبارات جديدة. وستكون مضطرة للتعاون والتحالف ودعم من قد يتحوّلون إلى أعدائها. فأولئك إن بقوا ضعافاً فلا فائدة منهم. وإن مكّنتهم "إسرائيل" بمصادر القوة المعنوية والمادية، فقد ينقلبون عليها.

والانقلاب هنا أقرب من بقاء الموالاة. فهذه قوى تختلف من حيث نشأتها وواقعها وارتباطاتها ومطامحها النهائية عن "إسرائيل". لذلك ستبرز لهذه القوى طموحاتها ومشاريعها الخاصة. هكذا هو وضعهم مع مجاميع "أبو شباب" في غزة. أو في تردّدهم من دخول حرب برية في لبنان. أو مع المجاميع في سوريا. وإنّ بعض الأفكار التي يطرحها توم برّاك، كاستثمار المجاميع الإرهابية لمهاجمة حزب الله في لبنان أو الحشد الشعبي في العراق، كلّها خيالات الجولات الأخيرة البائسة، لحروب خاسرة.

د- هناك نقطة مهمة لفهم التطوّرات الجارية في الانتقال من مرحلة إلى أخرى. وذلك عندما نتكلّم عن تحمّل إيران ودول المحور الآن مسؤولية الردع، بعد أن كانت هذه هي مسؤولية غزة ولبنان. فدور إيران ودول المحور، كان في البداية دعم قوى المقاومة. لكنه مع تطوّر الضغوطات على مقوّمات سيادتها وقوتها، بالقيود التي يريدون فرضها على برنامجها الصاروخي والملف النووي، فإنه إضافة لموضوع فلسطين، الذي هو في صلب عقيدة الثورة الإسلامية، فإنّ قضية الأمن الوطني والسيادة والكرامة الوطنيتين، ستصبح جزءاً عضوياً من استراتيجية المواجهة.

فإن قبلت إيران بذلك فسيتراجع دورها عن أصغر دولة من دول المنطقة، وهذا مناقض لأيّ منطق. فإثارة "إسرائيل" والولايات المتحدة والغرب قضايا سيادية بهذا العمق لا يخصّ إيران فقط. بل إن ازداد التوحّش "الإسرائيلي" والحماقات الغربية، فإنّ حساسيات كثيرة ستتحرّك لتربط بين القضية الفلسطينية والقضايا الكبرى لدول المنطقة والعالم. 

ه- وهنا يأتي دور دول ومصالح أخرى في المنطقة. فمصالح تركيا أو مصر أو دول الخليج أو باكستان وغيرها من دول المنطقة غير مصالح "إسرائيل".

فالتعامل مع "إسرائيل" في الملف الفلسطيني شيء، قد تغلّفه بعض الأنانيات. لكنّ التعامل مع المصالح والحساسيات الأخرى لقوى المنطقة شيء آخر. فهذه القوى تحاربت وتصالحت. واتّحدت وانقسمت، خلال الآف السنين. كما يتصالح ويختلف أبناء البيت الواحد. خلافات غير وجودية قد تتجاوز وتظلم، لكنها لا تمحي أدياناً وشعوباً.

المشروع الإسرائيلي هو مشروع استيطاني، إحلالي، يريد إزالة القائم وإحلال شيء آخر مكانه. وهذا فارق نوعي يشكّل أزمة المشروع الإسرائيلي.

فتركيا تاريخياً وحاضراً لها مصالح مع غربها وشمالها وفي المتوسط ومع اليونان وقبرص المتحالفتين مع "إسرائيل" أكثر مما لديها مشكلات مع شرقها. بل يجمعها مع محور المقاومة علاقتها الإيجابية المتميّزة بحماس. ومصر التي تزيد من تسلّحها وعديد جيشها والتي مهما بلغ تهاون الحاكم فيها لكنه لا يستطيع أن يتجاوز المواقف الصلبة للشعب المصري المؤيّد للقضية الفلسطينية.

بهذا المنطلق يجب أن نصبر على بقيّة الملفات، التي لا ننكر أنها تشكّل نقاط ضعف في عملية المواجهة، وتشجّع العدو على العدوان علينا. 

و- ما دام هناك محتلّ في فلسطين سواء انكفأ أو توسّع، فإنّ المقاومة طويلة الأمد في فلسطين تبقى هي المشروع الأساس المطروح أمام قوانا وشعوبنا.

ز- إنّ الظروف التي سمحت بقيام المقاومة في فلسطين، وحزب الله، أو الحشد الشعبي والفصائل في العراق، أو موقف اليمن وإيران لم تأتِ من فراغ. إنها جاءت كردّ فعل.

فالإرهاب والاحتلال والعدوان هي الأفعال التي تسبّبت وتتسبّب في ردود الفعل هذه. فالقتال أمرٌ مكروه، لكنه قد كتب على  الذين يرفضون الاعتداء كما يرفضون أن يُعتدى عليهم. فالقتال ليس هواية أو مهنة إلا للمرتزقة أو المعتدين. فإن وفّر القانون والنظام ما ينهي الاحتلال أو الإرهاب أو العدوان، فإنّ تصدّي الناس والقوى سيكون واجباً كفائياً ليس إلا.

أما إن عجز القانون والنظام عن توفير المتطلّبات التي تنهي كلّ ذلك - عملياً وحقيقة - فإنّ التصدّي يصبح واجباً عينياً وشرعياً ووطنياً لا مفرّ منه. وهنا يجب أن نقف عند موقفين اثنين.

- شرعية تلك المنظمات التي تسلّحت وأصبحت لها بيئة تحميها وترفدها. كما في فلسطين بسبب الاحتلال الإسرائيلي. وكما في لبنان إذ تطوّرت المقاومة بعد غزو لبنان في 1982، وتخلّف الدولة عن تحرير الأرض، بل الذهاب إلى التطبيع، فقامت هي بتحرير الأرض عام 2000 والدفاع عن البلاد أمام الاجتياح الإسرائيلي في 2006، و2023-2026. وكما في العراق إذ جاء تشكيل الفصائل والحشد الشعبي بعد العدوان والاحتلال وعمليات القاعدة ثم "داعش". 

- رفض الخطط والتصوّرات الإسرائيلية والأميركية والغربية لإخضاع الدول صاحبة السيادة عن التمتع بكامل حقوقها المكفولة بموجب المواثيق والمعاهدات الدولية، فقوة السرديات الاستعمارية يجب أن لا تعمي دولنا وشعوبنا عن حقوقها.

دعم المقاومة المسلحة في فلسطين حقّ وليس إرهاباً. وحقّ الاستخدام السلمي للطاقة النووية أو توفير وسائل الدفاع الوطني التقليدي أو السيبرياني أو الصاروخي او غيرها كلّها حقوق سيادية.

فمن يهدّد أمن المنطقة ليس دولها أو الشعوب فيما بينها، بل "إسرائيل" والدول الأجنبية البعيدة التي تعتقد أنّ العالم ملكها. وتسعى بسبب هيمنتها الإعلامية وقدراتها العسكرية والاقتصادية ونفوذها السياسي أن تفرض منطقها. ونرى أنّ من واجب شعوبنا ودولنا أن تدرك أنّ كلّ هذا بدأ بالتغيّر، وعلينا جميعاً استثمار هذه الظروف. 

ح- هذه الحرب كُسبت وستُكسب بالنقاط. و"النصر الناجز" قد يحصل فجأة. هذا هو منطق "حرب المقاومة طويلة الأمد". فعملية الاستنزاف يجب أن تستمر قطرة فقطرة، ويجب مواجهة مغامرات العدو، أينما أمكن ذلك.

والأصابع ستبقى على الزناد، والسلاح الذي باليد يجب الحفاظ عليه. ولا بدّ من استمرار بناء القدرات وتطويرها، والإبداع في ابتكار الجديد منها، بما يردع العدوان ويجعله يتراجع وينكفئ.

سابقاً كان يراد جرّنا إلى حروب واسعة وخاطفة. اليوم قد تكون الاستراتيجية قد تطوّرت، مع تطوّر الأوضاع الدولية، وتطوّر قدراتنا، ومعرفتنا بالمواضع التي تؤلمه أكثر. فإن حاول شنّ الحرب، فالردّ قد لا يكون السن بالسن، بل بحملة شاملة تؤلمه بلا سقوف أو محددات. كل ذلك مع مراعاة أجواء التعبئة والوحدة بين شعوبنا وبلداننا.

نصف الحرب تكسب في الميدان، ونصفها تُكسب مع تأييد البيئة المحيطة والمساندة.

ط- يجب أن يكون واضحاً لنا جميعاً بأنّ الأحداث ومجرياتها على الأرض لن تكون واضحة كما ندّعيه على الورق. ففي جبهة القوى الهابطة قد تحصل مفاجآت غير متوقّعة لتنقلب بعض القوى والقيادات فجأة على كلّ ما مارسته واشتهرت به سابقاً.

كما ستحصل في جبهة القوى الصاعدة أحداث معاكسة. وقد تحصل الكثير من التصدّعات بين أطرافها. فالوعي والتعبئة لدى مختلف الأطراف ليسا بالمستويات ذاتها. إذ تشير كلّ التجارب إلى أنّ المراحل الأخيرة من كفاحات الشعوب قد تشهد تراجعاً، وأحياناً انهيار خيرة المنظمات والحركات والقادة، منظمات ورجالات صمدوا في أشرس المعارك، لكنّ عوامل عديدة قد تقع فينهارون قبل الوصول إلى خط النهاية.

عند النظر للوضع الراهن المطروح أمامنا، وإذا ما نظرنا من خلال عيون عدونا للاشتباكات الراهنة التي يلخّصها "نتنياهو" بـ 7 أو 8 جبهات. فإنّ فيها جميعاً اشتباكات ساخنة وباردة من جهة وسعياً لتسويات من جهة أخرى.

اشتباكات بلا حسم نهائي لأحد الطرفين، وتسويات بلا نتيجة حقيقية. مما يترك ساحاتنا قلقة ومتوترة، تسمح بتكهّنات ورويات وطرح مخاوف في معظمها أوهام وسرديات كاذبة. وإذا ما استذكرنا موازين القوى الحقيقية التي تؤكّد نفسها أكثر فأكثر على نطاق عامّ.

"إسرائيل" رغم كلّ المجازر التي ارتكبتها ولا تزال، فإنها لم تحقّق أياً من أهدافها. فهي تألم مثلنا. ولعلّ ألمها أشدّ وأكثر قسوة عليها وجودياً.

فهي تعيش لعنة العقد الثامن كما في رواياتهم، ونحن نعيش "وعد الآخرة"، كما في الآية الكريمة من سورة الإسراء.