عادل عبد المهدي يكتب للميادين نت: إيران.. تكامل اقتصاد "الدولة الوطنية" و"الاقتصاد الرديف"
كيف تصمد إيران؟ سؤال يجيب عنه السيّد عادل عبد المهدي، عبر محاولة تقديم أمثلة لدحض مقولة انهيار الاقتصاد الإيراني، وتفنيد الأوهام التي يزرعها الغرب في أذهان الرأي العام. ما سرّ هذا البقاء حتى الآن؟
-
إيران.. تكامل اقتصاد "الدولة الوطنية" و"الاقتصاد الرديف".
كأي إقتصاد، يمر الاقتصاد الإيراني بأزمات. فهو يتعرض لضغوط قاسية. ففيه نقاط قوة، ونقاط ضعف. وعليه لا يكفي طرح بعض عوامل القوة للكلام عن عظمة النظام أو قوته وتطوره. كما لا يمكن طرح بعض عوامل الضعف للكلام عن انهياره. فلتقييم قوة أو صمود نظام معين لا بد من الذهاب إلى مرتكزاته وتقييم مدى متانتها وديمومتها، أو العكس. لذلك سنطرح في القسم الأول قساوة الخسائر نتيجة الحروب والحصار والعقوبات، ودلالات ذلك في الحكم على مقومات صمود النظام. وكذلك سنطرح بعض المؤشرات الإقتصادية التي تشير إلى قوة النظام. وفي القسم الثاني سنتناول بنية النظام، لفهم ديناميكيته، التي إن لم يضعها المتابع في حساباته فإنه سيقدم رؤية مرتبكة وناقصة. فيرى الجزء الظاهر ويغيب عنه الجزء الباطن، أو الظلي المكمل.
القسم الأول: الحروب والعقوبات وآثارها
من لا يضع في اعتباره الخسائر التي تعرض لها النظام الايراني من خلال الحروب والحصار والعقوبات، لن يستطيع تقييم متانة وقوة النظام.
1- كلف عامة لحروب وعقوبات على مدى 47 عاماً
أ- حرب الخليج الأولى (1980-1988): أكثر من مليون قتيل وجريح ومفقود. وخسائر تجاوزت 500 مليار-تريليون دولار. ودمار البنى التحتية بما فيها البنية التحتية النفطية.
ب- الحروب والمواجهات الإقليمية (2024-2026): خسائر نتيجة الضربات الأميركية الإسرائيلية وبقية التكاليف المتعلقة بهذه الحروب تراوح تقديراتها بين 270-500 مليار دولار.
ت- تقدر الخسائر التراكمية النفطية بحدود (1) تريليون دولار. كما بلغت خسائر الناتج الوطني الإجمالي (3) تريليونات دولار.
ث- تقدر الخسائر في الأصول المجمدة في الخارج بحدود 120 مليار دولار.
الحصيلة: بحساب بسيط يمكن الكلام عن خسائر تقدر بـ (5) تريليونات دولار خلال العقود الأربعة الماضية خسرتها إيران في هذا الجانب الرقمي فقط، من دون الخسائر البشرية سواء من شهداء أم من جرحى وأسرى، أم هجرة وعدم العودة.
وفي بناها التحتية، وفي التداعيات الشعبية والمؤسساتية التي تتسببها هذه الانسدادات والخسائر، وفي رحيل رؤوس الأموال، وعدم مجيئها للاستثمار في البلاد، وفي تراجع حركة السياحة سواء الدينية أم الثقافية أم التراثية. لهذا ليس غريباً أن يتقلص نصيب الفرد من الدخل القومي من 9486 دولاراً عام 1976 قبل الثورة، إلى 2623 دولاراً عام 1988. وليس غريباً أن تنهار العملة وترتفع البطالة ويزداد الفساد، وتزداد نزعات التذمر والانقسام في المجتمع. رغم ذلك استطاع الاقتصاد الإيراني الصمود، بل استطاع تحقيق مكاسب في مجالات لا يسلط الإعلام المعادي الضوء عليها عادة.
2- حقائق عن مؤشرات أساسية في الاقتصاد الإيراني.
أ- تقدم معدلات النمو الاقتصادي:
2023: 5.0% (تقديرات صندوق النقد)
2024: 3.7% (تقديرات صندوق النقد)
2025: 3.1% (كما قدرته التوقعات آنذاك)
هذه الأرقام تتجاوز بالفعل معدلات نمو العديد من الدول الأوروبية. فقد سجلت ألمانيا مثلاً ناقص 0.2% في 2024، ومن المتوقع أن تحقق 0.3% فقط في 2025 . كما سجل الاقتصادان الإيطالي والفرنسي نمواً يدور حول 1% فقط.
ب- الدين العام الإيراني كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي:
2017: 45.04% (أو 33.5% حسب Trading Economics)
2024: 36.80%
وهذا معدل منخفض، رغم العقوبات والحصار والحروب. خاصة بالمقارنة مع مصر (84% في نهاية 2025) والمغرب 70% في 2024) من دون الكلام عن الولايات المتحدة (حوالى 120% من الناتج الوطني) أو اليابان (أكثر من 250%).
ت- معدل البطالة:
2017: 12.23%
2024: 9.19 %
2026 (الربع الأول): 7.6%
ث- تطور القطاعات الإنتاجية: وهو ما سنتكلم عنه في قسم آخر من هذا البحث.
ج- ميزان مدفوعات فائض: مقال رأي في موقع Ynetnews الإسرائيلي يعترف صراحة بأن إيران لديها فائض في ميزان المدفوعات يصل إلى 3.4% من الناتج المحلي (حوالى 18 مليار دولار سنوياً)، وهذا مؤشر قوي على قدرة الاقتصاد على توليد عملة صعبة رغم العقوبات.
كيف نفسر هذه "المفارقة"؟ الواقع الإيراني يبدو للغريب متناقضاً: ففي الوقت الذي تتكلم فيه المصادر الرسمية الإيرانية عن انخفاض البطالة مثلاً، فإن المصادر الغربية تؤكد مثلاً أن البطالة بين الشباب (15-24 سنة) تبلغ 19%. ونعتقد أن هذه الاختلافات سببها طرق الحساب، وحالة الصراع، و"البروباغندا" السياسية.
ففي طرق الحساب مثلاً، تركز المصادر الغربية على مدينة محددة، ثم يعمم الرقم، بمساعدة حملات البروباغندا والمؤسسات المعادية، أو يتم التركيز على شريحة ثم يعمم، أو يتكلم عن أزمة السكن التي تتناول نسبة 20% من السكان ويتم تعميمها، وهكذا.
لذلك لكي نبقي البحث موضوعياً، فإننا سنعتمد الحقائق التي يؤكد عليها الخصوم من ناحية، ومن الناحية الأخرى اعتماد القرائن الميدانية التي تعزز صدقية البيانات الرسمية الإيرانية.
الاقتصاد "المقاوم" ذو الأولويات المختلفة:
· الدولة توجه الموارد والاستثمارات إلى القطاعات الحيوية والأمنية كأولوية وطنية.
· هذه القطاعات تخلق فرص عمل وتولد قيماً مضافة، لكنها قد لا تترجم بالضرورة إلى تخفيف العبء عن الاقتصاد والمواطنين على حد سواء.
· التضخم والتفاوت الطبقي: معدل التضخم التراكمي (الذي قفز إلى 48.6% في 2025) يعني أن أصحاب الدخل المحدود يفقدون قيمة مداخيلهم بسرعة، حتى لو كان النمو الاقتصادي إيجابياً.
· الطبقات الوسطى والفقيرة هي الأكثر حساسية، بينما المستثمرون والتجار يقيسون أوضاعهم حسب معدلات أرباحهم.
· اقتصاد الظل: أصبح جزءٌ عظيمٌ من الاقتصاد الإيراني بعيداً عن الأنظار، ولا تنعكس قيمته بدقة في الإحصاءات الرسمية. وهو ما سنتعرض له لاحقاً ببعض التفصيل.
· سياسات الدعم (الغاز، النقل، السلع الأساسية) تخفف الصعوبات، لكن لا تلغيها، خاصة مع تآكل قيمة العملة.
· مقارنة عادلة مع أوروبا: صحيح أن نمو إيران (3.7%) يفوق ألمانيا (-0.2%) وفرنسا (1.1%)، لكن هذه الدول تعاني من ركود تضخمي مختلف تماماً. هي لا تواجه حصاراً اقتصادياً، ومستوى معيشة مواطنيها لا يزال مرتفعاً جداً بالمقارنة مع إيران. فالنمو الإيراني يأتي من قاعدة منخفضة، وبعد انكماشات سابقة، وهو نمو يقوده قطاع النفط والصناعات الدفاعية. وإن النمو في القطاعات الأخرى بطيء ويتطلب وقتاً ليعطي ثماره المجتمعية.
· الحصيلة أن هناك صورة "للصمود" راسخة وقوية. فصورة الانهيار الشامل التي يروجها الإعلام الغربي هي تبسيط وخداع للعقول. فهناك تقدم حقيقي في مؤشرات كلية (نمو، دين عام، بطالة، ميزان مدفوعات)، وهناك صناعات وطنية ومنها الدفاعية متطورة تُذهل العالم. وهناك علاقات تتطور مع شبكة علاقات خارجية واسعة استطاعت اختراق الحصار والعقوبات.
المناعة الاقتصادية الإيرانية التي تمنع الانهيار
هناك مدخلان أو مداخل وليس مدخلاً واحداً. وسنضرب مثالاً بالنسبة للمواطن الفرد، والمعيار المطلوب تبنيه لتقييم وضعه الاقتصادي. وسنرى كيف تختلف التقييمات. فتأتي إيران في المرتبة 116 عالمياً إذا ما قيس دخل مواطنها بالسعر الاسمي، بينما ستحتل المرتبة 24 إذا ما احتسب بالقدرة الشرائية، وهو المعيار الأصح.
أ- دخل الفرد الاسمي (بالدولار/سنة): حسب بيانات "YCharts" والبنك الدولي التي ستظهر المعدل المنخفض لدخل الفرد الإيراني بالأسعار الجارية.
-
دخل الفرد الاسمي (بالدولار/سنة): حسب بيانات "YCharts" والبنك الدولي.
ب- دخل الفرد بالدولار وفق تعادل القدرة الشرائية (PPP): وستبين المستوى المقبول لدخل المواطن، رغم العدوان والحصار.. Trading EconomicsوWorldometer.
-
دخل الفرد بالدولار وفق تعادل القدرة الشرائية (PPP).
نظرة سريعة لقدرات إيران الاقتصادية والمجتمعية
حسب البيانات العالمية نحاول هنا تقديم بعض الأمثلة لقوة إيران اقتصادياً ومجتمعياً على الصعيد العالمي. وهذه ليست دراسة شاملة، بل محاولة تقديم أمثلة لدحض مقولة انهيار الاقتصاد الإيراني، وزراعة الأوهام في أذهان الرأي العام، وهذه أمثلة ليس إلا:
1- القطاع النفطي والغازي: المرتبة 6 عالمياً بإنتاج النفط بنحو 4.6 ملايين برميل/يوم. وثالث أو رابع أكبر احتياطي نفطي في العالم. وثاني احتياطي للغاز الطبيعي: الثاني عالمياً، بعد روسيا. وهو أهم ركيزة للاقتصاد الايراني.
2- القطاع الصناعي: قدرت القيمة المضافة للقطاع الصناعي بحوالى 80.5 مليار دولار عام 2023. وسجلت القيمة المضافة للقطاع الصناعي نمواً بنسبة 6.5% خلال فترة التسعة أشهر المنتهية في أواخر 2023. وبلغت القيمة المضافة لنصيب الفرد من الإنتاج الصناعي حوالى 825 دولاراً عام 2022. وهذه أمثلة:
- إنتاج السيارات: تحتل المرتبة 17 عالمياً، وتنتج 1.1 مليون سيارة سنوياً. وتجاوزت صادراتها 132 مليون دولار سنوياً في 2022.
- العدد الزراعية (الجرارات وآلات الحصاد، الخ): تحتل المرتبة 12 عالمياً في إنتاج الجرارات بحوالى 25-32 ألف جرار سنوياً. وتصدر إلى 20-25 دولة. وتحتل المرتبة 10 في تصنيع حصادات محلية.
- الأجهزة المنزلية: تنتج إيران وتصدر الثلاجات والغسالات والمكيفات، وتحتل المرتبة 15 وهي مكتفية ذاتياً تقريباً. وتبلغ صادراتها 300-400 مليون دولار سنوياً.
3- الطاقة النووية: تواصل إيران رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، حيث وصلت إلى مستويات عالية تبلغ 60% وبلغ مخزونها حسب التقارير الدولية 440.9 كلغ. وكانت الوكالة الدولية قد رصدت سابقاً جزئيات يورانيوم مخصبة بنسبة 83.7%. وهي تمتلك كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسب مختلفة تقدر بـ 11 طناً. وتشير التقارير إلى امتلاك إيران أكثر من 7000 جهاز طرد مركزي في منشأة نطنز وحدها. والمنشأة مصممة لاستيعاب أكثر من 50 ألف جهاز طرد مركزي.
4- صناعة السجاد: تتمتع إيران بمكانة تاريخية وريادية عالمياً في صناعة السجاد اليدوي. وتصدّر سجادها لأكثر من 100 دولة في العالم. وبلغت إيراداتها حوالى مليار دولار سنوياً وتستحوذ على 30% من السوق العالمية. وتقوم صناعة السجاد اليدوي باستخدام حوالى مليون نساج إيراني.
5- الزراعة: تحتل المرتبة 12 عالمياً، وقيمة إنتاجها الزراعي 70-75 مليار دولار. وتنتج 130 مليون طن سنوياً (أكثر من أي دول في الاتحاد الأوروبي)، ما يوفر لها الاكتفاء الذاتي وأكثر. وتبلغ قيمة صادراتها السنوية 6.2 مليارات دولار. وهذه أمثلة:
- تحتل المركز 13 عالمياً في إنتاج القمح، حيث تجاوز إنتاجها 13-14.5 مليون طن سنوياً (2023-2026)، والرز 2.2 مليون طن سنوياً.
- الورود الزهرة والمنتجات المرتبطة: أفضل 20 دولة في إنتاج الورود المقطوفة. وأفضل 5 في إنتاج ماء وزيت الورد. والأولى عالمياً من حيث تنوع أصناف الورد العطري التقليدي. ويتم تصدير ماء الورد بقيمة 400 مليون دولار.
- الزعفران: الأولى عالمياً. إذ تنتج 430 طناً سنوياً وتشكل 92-95% من الإنتاج العالمي. وتصدر بقيمة 250-300 مليون دولار سنوياً.
- إنتاج الفستق الحلبي: الأولى عالمياً بالتناوب مع أميركا، رغم فارق الجودة وظروف الحصار. وتنتج 350 ألف طن سنوياً. وتمثل 40% من السوق العالمي. تبلغ صادراتها 2.2 مليار دولار.
6- الثروة الحيوانية والسمكية:
- اللحوم الحمراء: تنتج إيران ما يقارب 829.5 ألف طن من اللحوم الحمراء حسب أرقام (2023-2025). وبذلك توفر حوالى 90% من احتياجاتها المحلية.
- الدواجن : ويتم إنتاج أكثر من 2.7 مليون طن من لحوم الدواجن سنوياً. وتعتبر رائدة في إنتاج النعام وتنتج 3 آلاف طن من لحوم النعام سنوياً. وتستثمر جلودها في صناعاتها.
- إنتاج البيض: تعد إيران منتجاً رئيسياً للبيض، بقدرة إنتاجية تفوق 1.6 مليون طن سنوياً وأكثر من 3500 طن يومياً. أي حوالى 60 ألفاً من بيض الدجاج يومياً.
- الأسماك والروبيان: تنتج 1.37 مليون طن. وتحتل إيران المرتبة الأولى عالمياً في إنتاج سمك التراوت. وتصدر من الكافيار الإيراني حوالى 5.5 أطنان سنوياً إلى 33 دولة.
- الحليب: تعد إيران لاعباً رئيسياً في إنتاج الألبان والحليب في منطقة غرب آسيا. ويتجاوز إنتاجها السنوي من الحليب الخام 13 مليون طن سنوياً.
7- البتروكيماويات: تشير تقديرات عام 2025-2026 إلى أن الطاقة الإنتاجية الاسمية لصناعة البتروكيمياويات الإيرانية تبلغ حوالى 100 مليون طن سنوياً وتسعى لرفعها إلى 131 مليون طن بحلول عام 2028 إلى 131.5 مليون طن لتصبح الأعلى إقليمياً من دون منازع. وتجاوزت صادراتها 13 مليار دولار في العام 2025.
8- إنتاج الحديد والصلب: في المرتبة 9 أو 10 عالمياً. وتنتج 32 مليون طن سنوياً متقدمة على إيطاليا وكندا وفرنسا. وتأتي الأولى في الشرق الأوسط في إنتاج الحديد الإسفنجي. وقيمة صادراتها 6 مليارات دولار.
9- الإسمنت: المرتبة 7 عالمياً. والإنتاج السنوي 68 مليون طن، والصادرات بقيمة 1.2 مليار دولار.
10- النحاس: 7 عالمياً. وإنتاجها 320 ألف طن سنوياً
11- الأدوية البشرية: في المرتبة 13 عالمياً من حيث عدد المصانع المعتمدة عالمياً. وتحتل المركز 10 دولياً في إنتاج اللقاحات ومنها لقاحات ضدالكورونا وشلل الأطفال، والتكنولوجيا الحيوية.
12- الطاقة المتجددة (الرياح والطاقة الشمسية): المرتبة 18 عالمياً، والسعة المركبة 1.2 جيجاواط، وتحتل المرتبة 15 في تصنيع الألواح الشمسية photovoltaic panels
13- السياحة: تحتل المرتبة 19 عالمياً. وبلغ عدد الوافدين لشتى الأغراض كالسياحة التراثية والدينية والثقافية 7.399 ملايين في عام 2025.
14- السكك الحديدية: تحتل المرتبة 17 عالمياً لنقل الركاب، بخطوط بطول 14000 كيلومتر.
15- الأقمار الاصطناعية إطلاق وتصنيع محلي: ضمن أفضل 12 دولة في العالم قادرة على تصنيع وإطلاق قمر اصطناعي إلى الفضاء الخارجي. وقد أطلقت نحو 26 قمراً اصطناعياً يعمل منها 13 الآن في مداراته المحددة.
16- إنتاج الصواريخ: تمتلك إيران حسب التقديرات الغربية في 2026 ترسانة صاروخية تتجاوز 20 ألف صاروخ بالستي وكروز وسعة إنتاجية عالية تقدر بنحو 3000 صاروخ شهرياً، بكلفة 1-2 مليون للصاروخ الواحد.
17- الطائرات من دون طيار: ضمن أفضل 10 دول من حيث القدرة الإنتاجية، وتقف بجانب الولايات المتحدة والصين وروسيا بقدرة إنتاج تبلغ 10000 طائرة شهرياً، و400 طائرة انتحارية يومياً. وهناك تقديرات أن صادراتها خلال 6 سنوات حتى عام 2028 ستبلغ 6.5 مليارات دولار.
18- صناعة السفن التجارية والعسكرية: ضمن أفضل 20 في بناء السفن الصغيرة والمتوسطة. تهدف إلى بناء 4000 سفينة متوسطة وكبيرة خلال 10 أعوام باستثمارات وسوق تزيد قيمتها على 20 مليار دولار. وتشمل ناقلات النفط والفرقاطات الحربية والغواصات المتوسطة (لديها الآن 28-30 غواصة).
19- الاقتصاد المشفر Cryptoeconomy: بلغت قيمته 7.8 مليارات دولار في 2025 بما في ذلك عمليات التعدين والتداول. وتعد إيران من أكبر المراكز العالمية في تعدين البيتكوين. وتمثل 2-5% من إجمالي قوة التعدين، حيث تستخدم لتجنب العقوبات وتمويل الواردات.
20- السينما والرواية والموسيقى والرسم والفن التشكيلي: في السينما في المرتبة 15 عالمياً في عدد الجوائز الكبرى (في دورات الأوسكار في كان، فينيسيا، برلين، وضمن أفضل 10 في العالم في الموسيقى التقليدية.
21- الرياضة: ضمن أفضل 5 دول في المصارعة الحرة. وضمن العشر الأوائل في رفع الأثقال والكاراتية (الكاتا والكوميتيه). وفي المرتبة 20-24 في كرة القدم. ومراكز متقدمة في كرة الطائرة واليد للرجال والنساء على حد سواء. وجاء ترتيبها في الموقع 21 في الدورة الأولمبية في باريس في 2024 بحصولها على 12 ميدالية. منها 3 ذهبية و6 فضية و3 برونزية. كما حققت المرأة المرتبة الأولى في التايكواندو بحصولها على لقب بطولة آسيا. والمرتبة الأولى في بطولة العالم في إسبانيا بكرة اليد. كما تنافس على المراكز الأولى في رياضة المعوقين (البارالمبية) خاصة في ألعاب القوى، ورفع الأثقال، وكرة القدم للمكفوفين، والرماية حيث حاز ت المرتبة الأولى، الخ...
22- ومنتجات كثيرة حرفية وزراعية وخدمية، وأنشطة لا يمكن عدها وحصرها، فالأمثلة أعلاه هي لإعطاء صورة عامة وليست بحثاً دقيقاً عن قدرات الاقتصاد الإيراني والفعاليات المجتمعية كافة.
القسم الثاني: اقتصاد الدولة الوطنية، واقتصاد الظل
1- اقتصاد الدولة الوطنية: وفي إيران هناك بعض السمات لفهم اقتصاد الدولة التي تختلف عن بعض السمات في بقية دول ما يسمى الجنوب، وأخرى تلتقي بها، والتي لا بد من التذكير بها:
أ- إنه اقتصاد معلن، تتوفر عنه إحصاءات وبيانات تصدرها المؤسسات المسؤولة الوطنية أو الأجنبية. وهو اقتصاد يرتبط بالداخل الإيراني مستهدفاً تحقيق برامجه الوطنية. لكنه كاقتصاد دولة يرتبط بالضرورة بشبكة المنظومات العالمية، التي هي بطبيعتها شبكات تخضع في نهاية التحليل لنظام الهيمنة العالمي، والنظام الرأسمالي المتوحش، ما سيشكل ضغطاً كبيراً على الدولة الإيرانية، والمسؤولين فيها والرأي العام بشرائحه المختلفة.
ب- إيران –كما هو معلوم- لها نظام ديمقراطي ودستوري. لكنه نظام مقيد ومسيطر عليه، مثل الكثير من الأنظمة في العالم (بما في ذلك العالم الغربي). أي إن الطبقة الحاكمة تمر بمرشحات تكشف عن إخلاصها للنظام لخوض الانتخابات وتبوّء المراكز. وليس كما هو الأمر في الكثير مما يسمى الديمقراطيات في دولنا التي تتغير فيها الأنظمة من فلسفة وولاء إلى فلسفة وولاء مضادين تماماً، خلال حدث واحد، أو مدة قصيرة محددة.
ت- من سيدخل المنافسات الانتخابية في إيران، سيكون إما من المستقلين، أو من التيار الإصلاحي أو التيار المحافظ. وهناك اختلافات داخل إطار المفاهيم الموحدة للنظام التي أقرها الدستور ونظام ولاية الفقيه. أي التناقض في إطار الوحدة. وهنا قد تختلف المواقف إزاء القضايا الداخلية أو الخارجية حسب اختلاف الاجتهادات والتجاذبات والظروف. وهو ما يتطلب التنبيه إليه، لكي لا تسحب المواقف الجزئية على المواقف العامة، أو العكس.
2- اقتصاد الظل: ومع اقتصاد الدولة، هناك اقتصاد آخر قد يتقدم عليه أهمية خصوصاً بالنسبة للداخل وعلاقاته بالخارج. إنه اقتصاد رديف، قد تتجاهله الإحصاءات، رغم أن له تأثيرات مباشرة بالوقائع.
هذا الاقتصاد يقوم على أسس وبناءات خاصة به. ورغم اعتراف النظام به، لكنه قد يدخل أحياناً في تعارض مع عمل "اقتصاد الدولة"، خصوصاً عندما تكون بعض مفاهيم الدولة متماهية مع المفاهيم التي تسللت إليها عبر التاريخ والعلاقات من التطبيقات الغربية وفلسفتها.
أو عندما تدخل بعض عوامل الفساد في "اقتصاد الظل"، أو عندما يتجاوز الحدود المرسومة له. وهذا الاقتصاد يجد مرتكزاته الأساسية في عدة مرتكزات لعل أهمها مرتكزان أساسيان:
1- فلسفة الثورة الإسلامية أولت الثورة منذ بدايتها اهتماماً خاصاً للقطاعات التي تمنحها الأولوية في خططها. وهي القطاعات الأساسية الاستهلاكية والخدمية والإنتاجية، ومن حيث شرائح الشعب. وهنا يشترك "اقتصاد الدولة" و "اقتصاد الظل" في تنفيذ الخطط المتعلقة بهذه الأولويات.
أ- الأمن الغذائي: بالحفاظ على أسعار المواد الغذائية الأساسية في متناول أبسط الشرائح.
ب- التعليم: كانت نسبة الأمية في فترة الشاه 64% من السكان (حسب البنك الدولي). وكانت بين النساء 83%. وهي اليوم تقترب من الصفر بين الشباب. وقفز عدد الطلبة في الجامعات من 175 ألف طالب في عهد الشاه (30% فقط من الإناث) إلى أكثر من 4.5 ملايين طالب اليوم، أكثر من نصفهم من الإناث. وتحتل الإناث أكثر من 60% من مقاعد الجامعات المرموقة فيما يسمى STEM، أي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وتحتل إيران المرتبة الخامسة عالمياً في البحث العلمي في مجال تكنولوجيات النانو، وتنافس الولايات المتحدة والصين.
ت- الصحة والرعاية الصحية: كذلك المستشفيات العامة ودور الرعاية الصحية والولادة والأمومة وغيرها. وهناك إقرار عام بأن المؤسسة الصحية بعد الثورة حققت قفزة نوعية كبيرة. فارتفع معدل العمر من 50 عاماً في فترة الشاه، وحققت اليوم معدل 77 عاماً، وهو من أعلى المعدلات في المنطقة. وهناك شبكة واسعة من "بيوت الصحة" تغطي القرى والمناطق النائية. كما حققت ايران اكتفاءاً ذاتياً في مجال الأدوية رغم الحصار والعقوبات. فهي تنتج 97% من احتياجاتها الدوائية. وتعتبر بلداً مصدراً للأدوية في المنطقة.
ث- الطاقة والنقل والمياه: تم إيصال شبكات الغاز والكهرباء والماء والمجاري إلى جميع القرى النائية تقريباً. ويمثل الغاز والوقود سعراً منخفضاً جداً مقارنة بمعظم بلدان العالم. ومُدت آلاف الكيلومترات من الطرق، وخطوط السكك الحديدية والطيران والناقلات البحرية.
ج- السكن: هناك برامج دعم واسعة للسكن للطبقات المحرومة، رغم أزمة السكن في المدن الكبرى. علماً أنه بجانب الدولة فإن الكثير من المؤسسات الدينية والوقفية تسهم في توفير السكن للطبقات الفقيرة. كما أن هيكلية السكن تختلف جذرياً عما نعرفه في الغرب، أو حتى في العديد من بلدان المنطقة. ففي إيران يملك 68.3% من السكان وحداتهم السكنية (في مصر تبلغ النسبة 56%، رغم عدم وجود عقوبات). ويسكن 8.5% بمنازل حكومية مجاناً، أي إن 76.8% من السكان لا يعانون من مشكلة سكن. بينما يمثل من يملك سكناً في ألمانيا مثلاً 47.2% فقط، وأن عدداً كبيراً منهم يدفعون ما يسمى Mortgage وهو الأقساط التي يدفعها للمصرف مقابل قرض الشراء. يُضاف إلى نظام "السرقفلية" المعمول به في إيران ودوره في المسألة العقارية، وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.
فالمستفيد الأساس من الثورة الإسلامية هو الطبقات المحرومة. فبحسب بحث لجامعة فرجينيا، فإن 28% من الأسر الحضرية في إيران كانت تحت خط الفقر في عام 1978، في مقابل 66% من الأسر القروية تحت خط الفقر. فالمواطن الإيراني اليوم، رغم التحديات، يعيش أطول، ويتعلم أكثر، ويتمتع بخدمات أفضل من أهله قبل الثورة. هذا لا يعني إنكار الأزمات والنواقص، لكنه يعني أن صورة "الانهيار" التي يروّجها الإعلام الغربي هي كاريكاتور غير دقيق.
إيران تدفع ثمناً باهظاً لسيادتها واستقلالها واتخاذها المسار الذي نهايته حلول مستدامة، لا بناءات هشة ومشاريع سرابية تنهار مع أول عاصفة.
اقتصاد الظل أو الاقتصاد الرديف: أنظمة اقتصاد الدولة والقطاع الخاص المُعلنة ليست هي الاقتصاد الوحيد في البلاد. بل هناك شخوص وأنظمة اقتصادية تعمل أيضاً ولها إنجازاتها. لكن لا يتناولها الإحصاء. وإن الكثير من الاقتصاديين لا يولون لهذا الاقتصاد الاهتمام الكافي، بل يركزون على بعض الآثار السلبية الناتجة عنه من دون ذكر إيجابياته.
ونعتقد أن هذه النظرة فيها الكثير من الغفلة وسوء ترتيب الأولويات. فالآثار السلبية الناتجة عن الخضوع للنظام الاقتصادي العالمي هي الأكثر ضرراً والأكثر عدوانية، وهي التي تسمح لنظام الهيمنة العالمي وللرأسمالية العالمية المتوحشة بالإبقاء على سيطرتها على بقية البلدان، وعلى محاصرة اقتصادياتها واستحلابها، وتفعيل العقوبات والحصار متى ما شاءت، وكيفما شاءت مصالحها. فاقتصاديات "الظل" أنماط اقتصادية/مجتمعية كانت هي الفاعلة في مجتمعاتنا عبر التاريخ. وهي التي دمرها الاستعمار لتحلّ مكانها أنماطه المقيدة. وهي أنظمة برهنت عن صمودها رغم الضغوط، وبرهنت عن فائدتها وإمكانية تطويرها لتصبح الأكثر حداثة وتطوراً. ويمكنها أن تكون مكملة لنموذج اقتصادي حديث يكون لمصلحة الإنسان، كل إنسان. وليس لمصلحة السوق والسلعة ومجرد الربح والطمع. وهذا موضوع يجب أن تنفتح عقولنا لإنتاجه، لأن فيه خلاص بلداننا من الهيمنة الأجنبية، ومن الفقر والتفاوتات الطبقية، وهلمّ جرّ.
الأنظمة الخمسة: سنتناول الآن ما نعتقده أهم 5 أنظمة في النظام الاقتصادي والمجتمعي الإيراني. وبالطبع هناك شخوص اقتصاديون آخرون، وأنظمة أخرى:
1- الأوقاف والحقوق الشرعية:
أ- تعتبر الأوقاف في إيران من بين الأكبر والأكثر تنوعاً في العالم الإسلامي، حيث تشمل مساحات شاسعة من الأراضي والعقارات والمزارع والمؤسسات الاقتصادية، وهي من أهم القطاعات الاقتصادية من حيث العمالة والاستثمارات والاقتصاد الداخلي البديل، من دون الكلام عن المقامات الدينية وإقامة الشعائر والزيارات، التي تمثل دورات اقتصادية عظيمة غير محسوبة.
· هناك مئات الآلاف من الرقبات (قطع الأراضي أو الممتلكات) الموقوفة، يقدرها البعض بأكثر من مليون رقبة موقوفة بين مسجد ومدرسة ومستشفى وأرض زراعية وسكنية ومشروع ومنشآت ومستشفيات ومصانع في مختلف محافظات البلاد، وتقدر أصولها بأكثر من 50 مليار دولار وتسيطر على 30% من الأراضي الزراعية في عموم البلاد، وهي منظمة مستقلة عن الدولة وتقدم تقاريرها إلى السيد الولي، وهو الذي يعين رئيسها.
وتتمتع بحصانة خاصة وهي غير خاضعة لرقابة أجهزة رقابة الدولة. وتمتلك الأوقاف مساحات ضخمة من الأراضي الزراعية والحدائق والمباني التجارية والسكنية في مختلف المدن والمستشفيات والمصانع والمزارع. وتدير منظمة الأوقاف والشؤون الخيرية شؤون الأوقاف، وتعتبر العتبة الرضوية في مدينة مشهد واحدة من أضخم المؤسسات الوقفية في العالم.
وتمتلك مساحات هائلة من الأراضي والشركات والمصانع والمزارع وتدير ميزانية ضخمة. بحيث يقدرها البعض بأنها تعادل ميزانية 4 وزارات كبرى. ولتبيان حجم الأوقاف تبين الإحصاءات أن المساجد والمدارس الدينية تتجاوز 17000 مسجداً لأهل السنة فقط، وهم يمثلون حوالى 17% من السكان.
· وتؤدي الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة بشتى أشكالها دوراً كبيراً في تنشيط الدورة الاقتصادية. وهي حقوق تدفع مباشرة من قبل المؤمنين إلى الهيئات الدينية العليا من دون المرور بالإحصاء أو التسجيل الرسمي، ليتم صرفها في أوجهها الشرعية المعروفة. وهي عموماً الشرائح العفيفة المتواضعة اقتصادياً، وتقديم المساعدات الضرورية وإقامة المشاريع والمنشآت الخدمية المفيدة، ما يولّد حركة للأموال والمصالح لها تأثيرها المباشر في حركة الاقتصاد. يُضاف إلى ذلك الزيارات والمواكب وإقامة الشعائر التي تنفق فيها أموال طائلة لخدمة المواطنين، ما يرفع من مستويات المعيشة من جهة ويولد حركة اقتصادية غير بسيطة. فالمؤمنون الذين يسددون الخُمس يدفعون 20% من أرباحهم السنوية الصافية. أي ما يزيد على مؤونة السنة للمكلف وعائلته.
ومثلها الزكاة وزكاة الفطرة والصدقات والنذورات وغيرها من حقوق واجبة أو تطوعية يتكفل فيها المؤمنون عبادة. وتصرف في أوجهها الشرعية التي قاعدتها تعزيز التكافل الاجتماعي، ومقدار الزكاة 2.5% من المال المدخر. وقس على ذلك.
2- المؤسسات الحامية للنظام
أ- الجيش والحرس الثوري والبسيج (قوات التعبئة الشعبية): حجم القوى البشرية (حسب تقديرات 2026):
· الجيش النظامي حوالى 610,000 مسؤول عن حماية الحدود التقليدية والأمن العام.
· الحرس الثوري حوالى 150,000-200,000 يرتبط بقائد الثورة.
· قوات الباسيج حوالى 600,000. وترتبط بالأساس بالحرس الثوري.
ب- الميزانية العسكرية: في ميزانية 2026، خصصت الحكومة 16% من الموازنة العامة (حوالى 10 مليارات دولار) للقوات المسلحة والأمنية.
عدا الميزانية الرسمية يُسمح في إيران للمؤسسات الحكومية والجمعيات الخيرية (كالبنياد بعناوينها المختلفة، كبنياد البناء، وبنياد الشهيد، إلخ) والقوات المسلحة بالاستثمار في المصالح الاقتصادية. بما في ذلك الاستثمار في الخارج. وهذا محور اقتصادي مهم يُحاط عموماً بالكتمان لخطورته. لكنه يحرك قطاعات واسعة من الاقتصاد (الذي يقدره البعض بنصف الاقتصاد) والأموال والعمالة. بما في ذلك في تجارة النفط و الصناعات الحربية.
الترتيب العالمي: صُنفت إيران في المرتبة 18 عالمياً من حيث حجم صادرات الأسلحة الرئيسية في 2024. وعلى الرغم من العقوبات، تعلن طهران عن علاقات تجارية مع حوالى 35 دولة في المجال العسكري.
وتدير إيران الصادرات عبر منصة "ميندكس" (Mindex)، وهي ذراع التصدير لوزارة الدفاع، والتي تعلن عن أكثر من 3000 منتج، بما في ذلك صواريخ بالستية ومسيّرات "شاهد" وقطع بحرية . ولمواجهة الحظر المالي، بدأت إيران رسمياً في كانون الثاني/يناير 2026 بقبول العملات المشفرة والمقايضة كوسائل دفع مقابل الأسلحة المصدرة.
ومع تراجع الصادرات الروسية بنسبة 64% بسبب الحرب في أوكرانيا، وجدت إيران فرصة ذهبية لملء الفراغ. ويرى مركز "أتلانتيك كاونسل" أن إيران في طريقها لتصبح مصدراً بديلاً لروسيا في سوق الأسلحة العالمي. يمثل هذا القطاع العمود الفقري لاقتصاد "المقاومة"، الذي تحول من مستورد إلى مصدر، وإن الاستثمار فيه ليس فقط للأمن، بل أصبح أداة جيوسياسية، جيو- اقتصادية بامتياز.
3 - 4: "البازار" و "السرقفلية": وهو شكل من أشكال اقتصاديات "الظل" أو "الاقتصاد الموازي" أو "الرديف". فـ"البازار" و "السرقفلية" في إيران ليس مجرد سوق أو نظام علاقات تجارية تعاهدية فقط، بل هو أيضاً نظام اجتماعي-اقتصادي متكامل له قوانينه وأعرافه وعلاقاته مع الدولة، ومع المؤسسة الدينية في نمط استثمار الأموال (خارج الربا)، وبين الكتل الاقتصادية والأفراد، الأغنياء منهم ومحدودي الإمكانات.
ت- "البازار" ليس مجرد "قطاع" بل هو نظام متكامل يتحكم في جزء كبير من التجارة الداخلية والخارجية:
- في منتصف السبعينيات، كان البازار يسيطر على نحو ثلثي تجارة التجزئة في إيران، مع حوالى 250,000 تاجر في طهران وحدها .
- الوضع الحالي: على الرغم من صعود نفوذ المؤسسات الحامية للنظام التي يُقال إنها تدير 40-70% من الاقتصاد، فإن البازار لا يزال يتحكم في نسبة كبيرة من تجارة الجملة والتجزئة، خاصة في المدن التقليدية.
ث- "السرقفلية": وهي نظام تمويل خارج السيطرة المصرفية.
- هذا نظام فريد في إيران (ودول الجوار) والسرقفلية (الوديعة) هي "حق العمل" أو "حق المحل" أو "الاستثمار" أو حق إيداع مبلغ يحصل عليه فائدة شهرية (1-2%) الذي يدفعه المستأجر أو المودع للتاجر أو للمالك مقدماً (وديعة عموماً كبيرة)، مقابل أن يكون الإيجار الشهري رمزياً جداً أو مقابل استثمار المال مقابل ربح محدد يتحقق مع ضمان استرداد المبلغ كاملاً. وعند انتهاء العقد، يستعيد المستأجر كامل مبلغ السرقفلية من المالك، أو يأخذه من المستأجر الجديد إذا نقل حقه في حالة الإيجار، أو يستعيد وديعته في حالة الاستثمار.
ج- تنتقل هذه المبالغ الضخمة نقداً (أو عبر حوالات غير مصرفية). وهي لا تدخل في النظام الضريبي، ولا تسجل في حسابات البنك المركزي، هي أموال تعمل في الظل، تعزز السيولة الموازية.
البازار والسرقفلية: دائرتان متكاملتان وتخلقان اقتصاداً موازياً.
ح- السرقفلية توفر آلية تمويل، كما أنها نظام تمويل عقاري بعيداً عن غلو الفوائد المصرفية والفوائد الربوية، وهو ما يساعد على حل إحدى المشاكل الكبيرة في السكن والقروض الاستثمارية وإيجار المحال، واستثمار الادخارات بإيداعها لدى التجار والمستثمرين لقاء أرباح تحققها هذه الاستثمارات.
خ- الأموال المدفوعة كسرقفلية (ودائع) تدور في الاقتصاد الحقيقي. والأرباح من الاستثمار والتجارة والعقارات والمشاريع الإنتاجية، تساعد على توليد دورة موسعة، أي بتحقيق فائض إضافي لا دورة بسيطة تراوح مكانها.
د- نعم هناك بعض السلبيات والأمور التي تحتاج إلى معالجات، لكن سلبيات الطغيان أو التبعية أخطر، وأكثر. وقد صدرت مبادرات لمعالجة الثغرات، كقانون "العلاقات بين المالك والمستأجر لعام 1997"، بدلاً من قوانين 1956 و1976).
ذ- ومن حسنات هذا النظام أنه يشجع على ممارسة محمودة، وهي عدم استيلاء شخص اقتصادي واحد على الاقتصاد، وهو عموماً الدولة. كما أن هذا النظام حفظ المصالح الوطنية في ظروف محددة، وأبعد الأصول الوطنية عن تجاوزات "اقتصاد الخارج".
5- شبكات الصرافة والحوالة (صرافی ها)
جزء أساسي من اقتصاد الظل الإيراني، وهو نظام رسمي وغير رسمي، أسهم كثيراً بشكل رسمي وغير رسمي بتجاوز الحصار المفروض على إيران بسبب العقوبات
وبسبب خروج معظم البنوك الإيرانية من نظام SWIFT. كما يعمل النظام على عمل "بطاقة السائح" التي تمثلها "يوكارد" أو "ماه كارد" ليتم الدفع أو السحب من أجهزة الصرف الآلي ATM ونقاط البيع POS. وهي تمثل تسهيلات دفع وشريان حياة لمعظم الإيرانيين، خصوصاً للأسر التي تعتمد على تحويلات المغتربين، خاصة مع انسداد القنوات الرسمية بسبب العقوبات.
إعادة تقييم: "اقتصاد المقاومة" أو "اقتصاد الظل"
حسب الدراسة الأكاديمية في دورية "International Journal of New Political Economy" فان اقتصاد الظل يمثل 31.83% من الاقتصاد الإيراني. أي حوالى ثلث الاقتصاد. وفي الواقع قد يكون أكثر من ذلك بكثير. فـ"اقتصاد الظل" يمكن قراءته، من منظور ما خارج استعماري، كـ "اقتصاد وطني موازٍ" نشأ كرد فعل على هيمنة "اقتصاد الخارج أو الدولة المرتبطة بالسوق الرأسمالي العالمي.
- البازار والسرقفلية والأوقاف والصيرفات والقوى الحامية للنظام: هم أحد حراس الثروة الوطنية، رغم بعض السلبيات. والدولة في بلدان الشرق غالباً ما تكون أداة في أيدي النخب المرتبطة بالرأسمالية العالمية، تستنزف الثروات الوطنية عبر عقود النفط، والخصخصة، والاقتراض من المؤسسات المالية الدولية (صندوق النقد، البنك الدولي) التي تفرض شروطاً تقيد السيادة الوطنية، رغم أن إيران قطعت شوطاً غير بسيط في تحرير اقتصادها من الكثير من شروط الارتباط بنظام الهيمنة العالمي، فهم يمثلون –إذا شاء البعض- رأسمالية وطنية تبقى أرباحها داخل البلاد، وتعيد تدويرها في الاقتصاد المحلي، خلافاً للشركات التي تجد مغذياتها من التماهي مع منظومات نظام الهيمنة العالمي.
- من هذا المنطلق، يكون التهرب الضريبي ليس دائماً "فساداً"، بل قد يكون رفضاً ضمنياً إما لتغول الدولة، أو لسياسات ينظر إليها جزء من المجتمع على أنها جزء من الخضوع لشروط النظام العالمي الذي يستنزفهم. فالتردد أمام الرقمنة والشفافية الضريبية هو رفض للاندماج في اقتصاد عالمي يريد "تسليع" كل شيء وجعله خاضعاً للمراقبة الدولية.
- فالقوى الحامية للنظام مثلاً، لم تنشأ كشركة رأسمالية، بل كمؤسسة عقائدية مهمتها حماية الثورة، وإن دخولها في الاقتصاد (عبر مشاريع البنية التحتية، والاتصالات، والطاقة) كان رد فعل على عقود طويلة من طبقات الكومبرادور Comprador التي ترتكز مصالحها للتماهي مع الخارج أساساً. وما عزز مشروعية عمل القوى الحامية للنظام هو إجراءات الحصار والعقوبات التي فرضت على البلاد، ما تطلب بناء منظومات ذكية تعرف كيف تتجاوز العقوبات وتلتف عليها.
- وإن نقد هذه الظاهرة من الداخل الإيراني لا ينطلق بالضرورة من منظور ليبرالي، بل من منظور عدالة اجتماعية.
- فالأموال التي تخرج مع "اقتصاد الظل" إلى الخارج، غالباً ما تعود إلى البلاد لشراء بضائع وسلع. هي ليست "هروباً لرؤوس الأموال" بالمعنى الكلاسيكي، بل دورة تمويل خارجية تمكن البلاد من تجاوز الحصار. فهذه آليات صمود في وجه الضغوط الاستعمارية.
- خلافاً للنفط الذي تبيعه الدولة بأسعار عالمية وتُحوّل عائداته إلى حسابات مصرفية قد تُجمد (كما حدث مراراً)، فإن "اقتصاد الظل" يعتمد على العلاقات المباشرة والشخصية المعروفة والمنظورة، لا على تلك التي تبقى مخبأة خلف الأبواب المغلقة والنوافذ الصغيرة.
- التهرب من العقوبات الذكية: عبر شبكات الصرافة غير الرسمية والعلاقات التجارية التاريخية مع الخارج، ما ساعد في استمرار تدفق السلع الأساسية إلى إيران رغم الحظر المصرفي.
- كما ساعد التمويل المحلي في غياب الاستثمار الأجنبي المباشر (الذي كان سيأتي بشروط)، في توفر التمويل اللازم للعديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ما حافظ على دوران العجلة الاقتصادية.
الخلاصة: رؤيتان متكاملتان وليستا متناقضتين: إنها وسيلة فعالة للتخلص من العقوبات. وبدائل حقيقية لمقاومة الشبكات الأجنبية الداخلية والخارجية التي تفرض شروطها، وشبكة فعالة لإدامة الدورة الاقتصادية. فهما وجهان لعملة واحدة.
أ- الرؤية الأولى (النقدية) تقول: البازار والسرقفلية، تشكلان نظاماً غير رسمي يتهرب من الضرائب ويقاوم الشفافية، ما يحرم الدولة من موارد تستيطع إنفاقها في مشاريعها المختلفة.
ب- الرؤية الثانية (التحررية) تقول: هذا النظام نفسه هو الذي مكّن إيران من الصمود أمام 40 عاماً من العقوبات والحروب، لأنه حافظ على دورة أموال داخلية وخارجية لا يمكن السيطرة عليها من قبل العدو.
ت- أما الحقيقة المركبة فهي أن إيران تواجه تحدياً مزدوجاً: خارجياً، بمواصلة الصمود في وجه ضغوط استعمارية لا تزال مستمرة، وداخلياً ببناء نظام اقتصادي أكثر عدالة وشفافية، داعم للمواطنين، ويوفر الحاجات الأساسية للمواطنين، كل المواطنين. وهذا الوضع لا يعالج بنفس المعايير التي تسهم في إخضاع الأنظمة وربطها بالشبكة الاستعمارية الخارجية. بل بالتمرد عليها في المواقع المخترقة من الخارج، والمطلوب مقاومتها، وبناء بدائلها.
- فالبازار يقدم نظاماً ائتمانياً قائماً على الثقة الشخصية والسمعة. التاجر يمكنه الحصول على بضاعة بالدين (نسیئة) لتباع وتسدد لاحقاً، ما يدوّر العجلة التجارية من دون الحاجة إلى البنوك التي تعاني من العقوبات والتجميد. هذه المرونة تنقذ آلاف الأعمال الصغيرة من الانهيار، أو تمكن المزارع من تمويل موسمه الزراعي من التاجر ليأخذ كل منهما حصته عند الحصاد، وهكذا.
- توزيع المخاطر والتضامن: في أوقات الأزمات (مثل انهيار العملة)، يتماسك تجار البازار عبر شبكات عائلية وعشائرية. إذا أفلس تاجر، يمكن لأقاربه أو شركائه في "حلقة" تجارية دعمه، ما يمنع الانهيارات المتسلسلة التي قد تحدث في اقتصاد رأسمالي بحت.
- امتصاص الصدمات الخارجية: البازار يعمل كـ"ممتص صدمات" لاقتصاد الخارج. عندما تنهار العملة، يظل البازار قناة لتداول السلع الأساسية بأسعار لا تزال في متناول الناس نسبياً، لأنه يعتمد على آليات تسعير مرنة لا تراعي التكاليف الهامشية الجامدة.
- تجاوز العقوبات بذكاء: تجار البازار طوروا عبر قرون شبكات تجارية مع الدول المحيطة وغيرها. هذه الشبكات تسمح باستيراد البضائع عبر طرق تستطيع تجاوز الحصار والعقوبات، متجنبة التعقيدات المصرفية والجمركية التي تفرضها بالضرورة الشبكة المرتبطة بالنظام الرأسمالي المتوحش العالمي.
وعليه فإن الشخوص الاقتصاديين الآخرين بجانب الدولة في مجتمعاتنا يدافعون عن أنفسهم بأشكال متعددة من اقتصاديات الظل. فهم لا يعادون دولتهم، لكنهم يعادون الإجراءات الغبية والمستنسخة المتسللة إلى عقل الدولة بنسختها الغربية، وتحاول أن تبني البدائل التي ستحمي في النهاية الدولة ذاتها، وتدفعها أكثر نحو الاندماج بداخلها ووطنيتها بدل الخضوع أكثر لخارجها وتبعيتها.
ث- هذه الأنظمة (البازار والسرقفلية والأوقاف والمؤسسات الحامية للنظام ومكاتب الصيرفة) هي "اقتصاد البقاء" في مواجهة العقوبات والحصار، أو "اقتصاد الدولة" عندما يتماهى مع اقتصاد الخارج. هذه الأنظمة خلقت شبكة أمان غير رسمية امتصت صدمات الحروب والعقوبات والانهيارات النقدية على مدى 40 عاماً. لو لم تكن هذه الآليات موجودة، لكان الاقتصاد الإيراني انهار فعلاً تحت وطأة الضغوط.
فنحن نناقش جوهر الصراع الفكري حول مسارات التطور في العالم غير الغربي. ونطرح إعادة النظر في الافتراضات التي نبني عليها أحكامنا.
وبخصوص التجربة الإيرانية يتطلب إعادة قراءة الاحتجاجات والتظاهرات باعتباره صراعاً بين مشروعين، يسعى الخارج إلى استغلاله لمآربه الخاصة.
وهذا الصراع يحتاج إلى تحليل سياسي واجتماعي دقيقين:
عودة إلى تقييم احتجاجات كانون الأول/ديسمبر 2025، وتظاهرات 22 بهمن المؤيدة للنظام؟
1- قادها في البداية تجار البازار في طهران، ثم امتدت إلى مدن أخرى . هذه الفئة تمثل: رأسمالية تجارية تقليدية شعرت بإجراءات أضرت بمصالحها نتيجة قرارات قد تكون متسرعة من البنك المركزي. وشعرت أيضاً أن قوى أخرى، ونقصد بها القوى الحامية للنظام بدأت بالأخذ تدريجياً من حصصها في الأسواق، طبقة متوسطة متعلمة تعاني من البطالة وتآكل الرواتب، وفئات شعبية تضررت بشدة من انهيار العملة والتضخم.
2- التظاهرات المضادة في ذكرى انتصار الثورة (22 بهمن) والتي خرجت في أكثر من 1400 مدينة وبلدة ، تمثل: الفقراء والمحرومين (المستضعفین) الذين استفادوا بالفعل من خدمات الثورة (الصحة، التعليم، البنية التحتية) كما وثقتها الأرقام السابقة، والطبقات الدنيا في الأرياف والمدن الصغيرة التي لا تزال ترى في النظام حامياً لها من التهميش الذي عانت منه في عهد الشاه .
- قواعد الحرس الثوري والباسيج الذين يؤمنون بالمشروع الأيديولوجي للثورة، وعلماء الدين الذين يمثلون المرجعية الأخلاقية والشرعية للنظام والمؤمنون المتشرعون، بغض النظر عن طبقتهم الاجتماعية.
- وبعد العدوان في شباط/فبراير 2024 الغالبية العظمى من الشعب الإيراني بدافع الروح الدينية والوطنية العليا، فأولوية حماية البلاد والوطن أصبحت أهم من أي أولوية معيشية أو اقتصادية أو تنافسية.
وهذا يعكس صراعاً بين مشروعين تنمويين:
1- المشروع الغربي/الليبرالي: يريد الاندماج في السوق العالمي، وتبنّي قيم الشفافية والضرائب والحوكمة (نموذج صندوق النقد الدولي) لمصلحة القلة، ولكشف اقتصادياتنا ومحاصرتنا أساساً، وليس لبناء نظام صالح نظيف. هذا المشروع يمثله جزء من النخبة المتعلمة والتقليدية (البازار القديم) .
2- المشروع الوطني الثوري/المقاومة: يريد الحفاظ على استقلالية القرار الوطني، ويرى في الضغوط الخارجية مؤامرة استعمارية. هذا المشروع يمثله الفقراء والمحرومون والقوى الحامية للنظام الذين يعتبرون النظام ضامناً لكرامتهم وحقوقهم.
تجاوز النموذج الغربي: نحو اقتصاد إنساني وجماعي
1- خطأ اعتبار النموذج الغربي هو المعيار الذهبي؟
2- نقد النموذج الغربي من الداخل.
3- حتى في الغرب، هناك نقد متزايد للرأسمالية المتوحشة.
4- الرأسمالية المالية حولت الاقتصاد من أداة لتلبية الحاجات إلى أداة لتضخيم الثروات عبر المضاربات.
5- الشفافية المطلقة تعني أحياناً إخضاع كل شيء للمراقبة والسيطرة، ما يسهل على القوى المهيمنة التحكم في الاقتصادات التابعة.
6- النموذج الاستهلاكي الغربي غير قابل للتعميم على العالم بأسره، لأنه يستنزف موارد الكوكب، ويقوم على مبدأ استغلال الاخرين، والاستعمار.
7- إحياء "اقتصاد الجماعة" التاريخي، الذي يشجعه الإسلام والتراث الشرقي.
فالنموذج الاقتصادي الإسلامي/المشرقي يجب ألّا يخضع فقط لقوانين السلعة والربح، بل يستند أساساً إلى تحقيق العدالة والحقوق الأساسية.
ومنها:
1- التكافل الاجتماعي:
- أنظمة كالوقف التي حافظت على استمرارية الخدمات الاجتماعية لقرون من دون تدخل الدولة المباشر.
- القروض الحسنة (قرض الحسنة) التي تقدم من دون فائدة، وتنتشر بشكل واسع في إيران بين العوائل والجيران والزملاء.
- نظام "صندوق قرض الحسنة" المحلي الذي يمول المشاريع الصغيرة من دون اللجوء إلى البنوك الربوية.
2- اقتصاد المقاومة كما تطرحه إيران رسمياً: في بيان "الخطوة الثانية" للثورة، يطرح قائد الثورة مفهوم "اقتصاد المقاومة" الذي يقوم على:
التنمية المستدامة لمصلحة الإنسان بعيداً عن قواعد عمل الرأسمالية المتوحشة، والاكتفاء الذاتي في السلع الأساسية (القمح، الدواء، المعدات العسكرية) لتقليل الاعتماد على الخارج. والعدالة الاجتماعية كهدف موازٍ للنمو الاقتصادي، ودعم الإنتاج المحلي وتشجيع الاستهلاك من المنتج الوطني، ومحاربة الترف المزيف والاستهلاك المفرط.
3- الاستفادة من أدوات الحداثة (رقمنة، تكنولوجيا، بنية تحتية) من دون الانجرار إلى فخ الاستهلاك والتبعية.
4- محاربة الفساد داخل "اقتصاد الدولة" و"اقتصاد الظل" وفي المؤسسات الثورية، مع استدامة قدرتها على الصمود في وجه الضغوط الخارجية. وكذلك بإعادة تعريف الفساد وفق المعايير الوطنية والحقيقية والشرعية، وليس مجرد استنساخ معايير الفساد كما يطرحها الغرب، بهدف اختراقنا وإثارة الفتن داخلنا، ومحاصرتنا، وتفكيك بناءاتنا.
النتيجة:
1- هذا النموذج، نظرياً على الأقل، يحاول تجاوز ثنائية "السوق أم الدولة" نحو "اقتصاد إنساني" تلبية الحاجات الأساسية هي غايته الأولى.
2- شرعية الدعوة لإعادة التفكير في علاقتنا بالنماذج الاقتصادية السائدة، وأن الصراع في إيران هو بين مشروعين.
3- تطوير "اقتصاد المقاومة" من شعار إلى نموذج قابل للتطبيق، يحقق العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية وخدمة الإنسان المستدامة معاً.
4- إيران اليوم، تخوض تجربة فريدة: فهي تحاول بناء اقتصاد وطني مقاوم في ظل أشد حصار في التاريخ الحديث. نجاح هذه التجربة أو فشلها سيكون درساً لكل دول العالم الثالث التي تبحث عن طريق ثالث بين الرأسمالية المتوحشة والملكية العامة أو الشمولية البيروقراطية.
الرهان كبير، والصعوبات هائلة، لكن: "فرص نجاح إيران أكثر من فرص فشلها". لأنها تمتلك ما لا تمتلكه دول أخرى: شعباً يرى في صموده كرامته، ونظاماً يضع السيادة الوطنية في قلب مشروعه، وتاريخاً طويلاً من المقاومة لا يزال يلهم الأجيال.