صعود الجنرال آيزنكوت، وتوجهات يمين الوسط بعد فشل سياسات نتنياهو

يمثل صعود آيزنكوت الحالي الصعود الأسرع لشخصية من "جيل الجنرالات" منذ سنوات، لأنه انتقل خلال فترة قصيرة من شريك في معسكر غانتس إلى منافس مباشر لنتنياهو على قيادة "إسرائيل".

  • ظهر صعود آيزنكوت ضمن أصداء فشل سياسات نتنياهو وتعثر حروبه التي لم تحقق جوهر أهدافها.
    ظهر صعود آيزنكوت ضمن أصداء فشل سياسات نتنياهو وتعثر حروبه التي لم تحقق جوهر أهدافها.

يواصل الجنرال غادي آيزنكوت صعوده في استطلاعات الرأي الإسرائيلية مؤخراً، وهو صعود تجاوز فيه تحالف لابيد-بينيت المعارض لسياسات نتنياهو، والمرشح كبديل للفوز في الانتخابات القادمة سواء تمت مبكراً في سبتمبر القادم، أو في وقتها الرسمي في أكتوبر القادم، ولم يكن آيزنكوت قبل هذا التحالف بين بينيت ولابيد، يحظى بهذا الشعبية التي أربكت المشهد الإسرائيلي الداخلي في هذا التوقيت الحرج.

لم يسبق لآيزنكوت أن شغل مناصب سياسية قبل انضمامه إلى مجلس الحرب بزعامة نتنياهو غداة هجوم السابع من أكتوبر 2023، وقد ارتبط اسمه بصعود السلم العسكري، من قائد فرقة في سلاح المشاة ثم قائد لواء غولاني في التسعينيات، إلى سكرتير عسكري لرئيس الحكومة ووزير الدفاع إيهود باراك (1999–2001)، إلى رئيس شعبة العمليات في هيئة الأركان (2003–2005)، إلى قائد المنطقة الشمالية (2006–2011) حيث كان مسؤولاً عن الجبهة مع لبنان وسوريا، إلى نائب رئيس الأركان (2013–2015)، حتى وصل إلى قمة السلم العسكري عندما أصبح رئيساً لهيئة الأركان العامة لـ"الجيش" الإسرائيلي (2015- 2019).

يمكن تعقب صعود شعبية آيزنكوت كقائد سياسي راهن، وهو الجنرال العسكري منذ ثلاثة عقود خلت، ضمن أربع نقلات فتحت له باب القيادة السياسية، وهي نقلات فارقة في تطورات الحرب الإسرائيلية الراهنة، كما يلي:

- النقلة الأولى بعد 7 أكتوبر 2023، وذلك غداة انضمامه إلى حكومة الطوارئ بقيادة نتنياهو ومجلس الحرب مع وزير الدفاع السابق بيني غانتس، ارتفعت مكانته لدى قطاعات من الجمهور الإسرائيلي باعتباره أحد الجنرالات الذين يديرون الأزمة، حيث فقد ابنه في الحرب على غزة كما فقد ابن أخته أيضاً، لكن شعبيته آنذاك كانت مرتبطة أساساً بـحزب غانتس، ولم تكن ظاهرة مستقلة بعد.

- النقلة الثانية في منتصف عام 2024، بعد خروجه مع غانتس من مجلس الحرب، بدأ اسمه يظهر بصورة أوضح في النقاشات السياسية باعتباره شخصية ذات مصداقية أمنية ومستقلة عن نتنياهو، وحتى بخطاب مختلف نسبياً عن غانتس، ومع ذلك ظل غانتس الشخصية الأبرز داخل معسكر الوسط.

- النقلة الثالثة في بداية 2026، حيث بدأت النقلة الحقيقية، مستغلاً تراجع شعبية بعض منافسيه في يمين الوسط، وقد بدأت استطلاعات الرأي تمنح الحزب الذي يقوده أو يرتبط به أرقاماً متصاعدة بصورة متواصلة، وأصبح يُطرح كمرشح محتمل لرئاسة الحكومة لا مجرد شريك في ائتلاف معارض.

- نقلة التحول الكبرى ظهرت في ربيع وصيف 2026، عندما سجل آيزنكوت أكبر قفزة في الاستطلاعات، بل أظهرت بعض الاستطلاعات للمرة الأولى تقدمه على نتنياهو في سؤال "من الأنسب لرئاسة الحكومة؟"، وهو ما عدّته الصحافة الإسرائيلية حدثاً سياسياً لافتاً.

لذلك، يمكن القول إن بذور شعبيته السياسية ظهرت بعد 7 أكتوبر 2023، ثم تحوله إلى لاعب سياسي مهم بدأ خلال 2024، أما تحوله إلى منافس حقيقي على رئاسة الحكومة فبدأ فعلياً في أواخر 2025 وتسارع بقوة خلال النصف الأول من 2026، وكان أول استطلاع حظي باهتمام واسع وأظهره كمرشح جدي لرئاسة الحكومة متقدماً على نتنياهو نُشر في 1 أيار/مايو 2026، وقد أجراه معهد (Lazar Research) الإسرائيلي المتخصص باستطلاعات الرأي، وذلك بالتعاون مع مؤسسة Panel4All ونشرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، حيث حصل على 44% في سؤال "من الأنسب لرئاسة الحكومة؟" مقابل 42% لنتنياهو، ولكن حظي بينيت بالنسبة الأعلى وهي 46% من أصوات المستطلعين.

 كان اللافت في استطلاع الأول من أيار أن يظهر آيزنكوت، والذي لم يكن قبل ذلك يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره منافساً لنتنياهو، بل كان يُنظر إليه غالباً كشريك أو رقم ثانٍ ضمن معسكر الوسط الأمني الذي يقوده غانتس، لذلك اعتبر كثير من المعلقين هذا الاستطلاع نقطة تحول في مسيرته السياسية، وفي المشهد السياسي الإسرائيلي برمته، ليأتي الاستطلاع الذي أجرته القناة 12 الإسرائيلية، والذي حظي بأكبر صدى إعلامي والمنشور في 5 حزيران/يونيو 2026، وقد أظهر للمرة الأولى آيزنكوت كخصم مباشر ووحيد متقدماً على نتنياهو في سؤال الملاءمة لرئاسة الحكومة بنسبة 38% مقابل 35%.

ظهر صعود آيزنكوت ضمن أصداء فشل سياسات نتنياهو وتعثر حروبه التي لم تحقق جوهر أهدافها، وإن حققت نجاحات أمنية وعمليات قتل واسعة داعبت ميول الشارع الإسرائيلي الثأرية بعد هجوم السابع من أكتوبر لفترة من الزمن، خاصة في ظل مراوحة مشهد الحرب في غزة، مع احتفاظ المقاومة بنواتها الأساس، على الرغم من خسائرها الهائلة، ثم استعادة حزب الله لقوته بعكس تفاخر نتنياهو، إلى انقلاب موجة الحرب على إيران والتراجع الأميركي الاستراتيجي، ليظهر خطاب آيزنكوت منذ استقالته من مجلس حرب نتنياهو باعتباره الأكثر تماسكاً وقدرة على إخراج "إسرائيل" من مأزقها وتعثرها التاريخي في رمال غزة المتحركة، وفي التعامل مع التباعد الأميركي عن المصالح الإسرائيلية والذي ظهر بعد فشل الحرب على إيران.

تفسر التحليلات الإسرائيلية الناطقة بالعبرية خلال ربيع وصيف 2026، صعود غادي آيزنكوت نتيجة تلاقي عدة عوامل سياسية ونفسية وانتخابية، وهي كما يلي:

1. صورة "الجنرال المسؤول" بعد سنوات الاستقطاب، حيث يرى كثير من المعلقين الإسرائيليين أن آيزنكوت يستفيد من مكانته العسكرية السابقة ومن صورته كشخص هادئ وغير شعبوي، وفي ظل استمرار الجدل حول إدارة الحرب والأزمة السياسية، يبحث جزء من الجمهور عن شخصية أمنية تبدو أقل استقطاباً من بنيامين نتنياهو وأكثر اتزاناً من بعض قادة المعارضة، خاصة تلك القيادات التي استهلكت في العمل السياسي سابقاً.

2. تراجع جاذبية رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت لدى بعض ناخبي الوسط، حيث تحدثت تقارير إسرائيلية كثيرة في الأسابيع الأخيرة عن أن التحالفات الجديدة في المعارضة أضعفت قدرة نفتالي بينيت على اجتذاب بعض ناخبي يمين الوسط، بينما نجح آيزنكوت في الظهور كمرشح "أكثر قبولاً" لدى جمهور الوسط وبعض اليمين البراغماتي، وقد ربط محللون هذا مباشرة بارتفاع أرقامه في الاستطلاعات.

3. الاستفادة من أزمة الثقة بحكومة نتنياهو الحالية، حيث ينظر في الخطاب العبري السائد، إلى جزء من صعود آيزنكوت باعتباره انعكاساً لتراجع الثقة بالحكومة أكثر من كونه تعبيراً عن قاعدة حزبية راسخة له، بمعنى أن بعض الناخبين يصوتون "ضد نتنياهو" عبر آيزنكوت لأنه يبدو بديلاً أمنياً مقنعاً، لا لأنهم مرتبطون أيديولوجياً بمشروعه السياسي.

4. قدرته على مخاطبة الوسط واليمين معاً، إذ تشير تحليلات عبرية إلى أن آيزنكوت لا يُنظر إليه كشخصية يسارية تقليدية، وهذا يمنحه هامشاً أوسع بين ناخبي الوسط واليمين المعتدل الذين يرفضون العودة إلى معسكر اليسار التقليدي لكنهم يريدون تغيير القيادة الحالية.

5. "الحنين إلى الجنرالات" في واقع الحروب الإسرائيلية الراهنة والمتعثرة، وهذا الحنين يعيدنا إلى نمط قديم في السياسة الإسرائيلية: عندما تتعاظم المخاوف الأمنية يميل قسم من الجمهور إلى تفضيل شخصيات عسكرية سابقة لقيادة الدولة، وقد استفاد آيزنكوت من هذا الميل أكثر من غيره في المرحلة الحالية.

وهناك رأي آخر في الإعلام العبري يعتبر أن صعود آيزنكوت ما زال "صعود استطلاعات" أكثر منه "صعوداً تنظيمياً"، فحزبه ما زال حديثاً نسبياً، وليس لديه البنية الحزبية الواسعة التي يمتلكها الليكود أو حتى بعض أحزاب المعارضة الأخرى، لذلك يرى هؤلاء أن الاختبار الحقيقي سيكون أثناء الحملة الانتخابية الفعلية وليس في الاستطلاعات فقط، وهناك من يصف ذلك بأنه مجرد إعادة تجميع لمعسكر "الوسط الأمني القومي" حول شخصية واحدة بعد سنوات كان هذا المعسكر موزعاً بين غانتس ولابيد وبينيت وليبرمان.

 لكن هناك ما ينقض التحليلات التي تقلل من هذا الصعود لآيزنكوت، لأن هذه الاستطلاعات ترفع حزب آيزنكوت بقدر رفعها لشخصه، حيث حصل حزب آيزنكوت المسمى (يشار) في آخر خمسة استطلاعات على نتائج لافتة، كما يلي:

1- استطلاع "معاريف" (لازار) في نهاية أيار، حصل على 17 مقعداً.

2- استطلاع "القناة 12" في بداية حزيران، حصل على 19 مقعداً. 

3- استطلاع "إسرائيل هيوم" في 11 حزيران، حصل على 21 مقعداً، (ثانياً بعد الليكود بفارق 4 مقاعد).

4-  استطلاع "قناة كان" في 16–17 حزيران، حصل على 21 مقعداً، حيث تصدّر المعارضة لأول مرة.

5-  استطلاع "معاريف" في 19 حزيران، حصل على 21 مقعداً، وتعادل مع الليكود، فيما لم يحصل تحالف بينيت لابيد إلا على 18 مقعداً، فيما حصل حزب ليبرمان والمتوقع أن يتحالف لاحقاً مع آيزنكوت على 9 مقاعد، ومثلها حصل حزب العمل وهو أقرب لآيزنكوت نسبياً، فيما باتت الأحزاب العربية  أقرب نسبياً إلى آيزنكوت بحصولها على 10 مقاعد، خاصة بعد حديث بينيت عن استعداده لاستيعاب سموتريتش في حكومة قادمة، وهما يتشاركان الخلفية الأيديولوجية الاستيطانية ذاتها، وإن أعلن بينيت لاحقاً أنه سيخلي البؤر الاستيطانية غير القانونية.

يمثل صعود آيزنكوت الحالي الصعود الأسرع لشخصية من "جيل الجنرالات" منذ سنوات، لأنه انتقل خلال فترة قصيرة من شريك في معسكر غانتس إلى منافس مباشر لنتنياهو على قيادة "إسرائيل"، والسبب لأنه يجمع ثلاثة عناصر نادرة حالياً هي: رصيد أمني مرتفع، وصورة شخصية وسطية نسبياً، واستفادة مباشرة من تآكل الثقة بنتنياهو وبعض منافسي المعارضة في الوقت نفسه.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.