سيناريوهات مستقبل تركيا بعد الحرب على إيران
انتصار إيران في هذه الحرب ونجاحها في فرض شروطها على الأميركيين والصهاينة، سوف يعدّ انتصاراً من باب آخر للأتراك عبر نجاحهم في إزاحة المشروع الصهيوني للتحوّل إلى دولة عظمى إقليمية منافسة لهم.
-
مستقبل تركيا بعد الحرب على إيران.
مع التهديدات الصهيونية العلنية لتركيا، والتي وصلت مرحلة تراشق الألفاظ، يبدو أن الكيان الصهيوني جاد جداً في مشروعه لاستهداف تركيا في حال توقفت الحرب على إيران من دون نتائج حاسمة، أو بنجاح العدوان الأميركي-الصهيوني في فرض إرادته على إيران.
وبالرغم من أن هذه النتيجة صارت مستبعدة تقريباً، فإن وصول العلاقات بين الكيان الصهيوني وتركيا إلى هذا الحد يدفعنا إلى طرح عدد من التساؤلات حول مستقبل تركيا عقب نهاية الحرب مع إيران، وموقف أميركا من هذا المشروع الصهيوني.
لماذا يستهدف الكيان الصهيوني تركيا؟
منذ فترة قريبة، كان الجميع يتحدث عن العلاقات الخاصة التي تربط الكيان الصهيوني بتركيا، وهي علاقات كانت تبدو غريبة ومستهجنة بالنسبة إلى دولة إسلامية. لكن الأمور تغيرت إلى حد ما عقب أحداث "طوفان الأقصى"، وصارت أسوأ بعد سقوط نظام حزب البعث في سوريا ثم تولي دونالد ترامب الرئاسة وتعبيره أكثر من مرة عن إعجابه بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان.
لقد أدى سقوط حزب البعث في سوريا إلى بروز مشروع تركي للمنطقة المحيطة بالكيان الصهيوني، وقرأ قادة هذا الأخير أن المشروع يشمل غزة كذلك، الأمر الذي هدد المشروعات الصهيونية في المنطقة وعُدّ معادياً لها، ما دفع بنيامين نتنياهو إلى التحذير:"إلى أولئك الذين يتوهمون أن بإمكانهم إعادة تأسيس إمبراطورياتهم وفرض سيطرتهم على أراضينا، أقول: انسوا الأمر، فلن يحدث ذلك، ولا تفكروا فيه حتى". بل ومحاولة صياغة مشروع معاد لتركيا في عبر توقيع معاهدة تحالف مع كل من قبرص واليونان تضمن إنشاء قوة تدخل سريع لمواجهة التهديدات في شرق البحر المتوسط.
لقد اعتمد المشروع التركي على محاولة استعادة نفوذ عثماني سابق على المناطق العربية في شمال العراق وفي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، واعتمد هذا النفوذ على العلاقات الاقتصادية والتجارية مع البلدان المجاورة، خصوصاً ما يتعلق بالطاقة في شرق المتوسط، ومحاولة دعم الأقليات التركمانية سواء في العراق أو سوريا وحتى لبنان، ودعم بعض فصائل المقاومة الفلسطينية في غزة.
الأمر الذي استفز قادة الكيان الصهيوني الذين لا يرغبون في بروز قوة إقليمية في مواجهتهم، وبدورهم كان لديهم مشروعات توسعية في هذه المناطق، لا سيما ما يتعلق بالجنوب السوري والصحراء السورية الممتدة إلى نهر الفرات، على أمل التواصل مع المجموعات الكردية. وبالرغم من النجاحات التي حققها الكيان الصهيوني في الجنوب السوري عبر الاستيلاء على الجولان، والسيطرة على مناطق السويداء ودرعا والقنيطرة.
على الجانب الأميركي، كان من الواضح أن ترامب لديه رؤية مختلفة عن رؤية بنيامين نتنياهو، وقد عبّر سفيره في تركيا توماس براك، في خطابه للإعلاميين الأتراك في شهر أيار/مايو من عام 2025، عن الرؤية الأميركية لهذا المشروع التركي وكيف يستفيدون منه :"أنا أؤمن بأن تركيا يمكنها أن تعود مجدداً لتكون مركزاً جديداً لطريق التوابل، ومركزاً للطاقة، وللإنتاج، ولشبكات النقل "، ويكمل باراك " كطريق توابل جديد، يمكن لتركيا أن تصبح مركزاً لتوريد مزيد من الغاز إلى أوروبا، عبر محطات توزيع الغاز.
وستوفر لأوروبا درعاً إضافياً في مواجهة التدخل الروسي. كما أن تركيا من خلال شراكاتها مع شركات الدفاع والطيران الأميركية، تلعب دور الواجهة الاستراتيجية الدولية، بل ويمكنها أيضاً أن تبعد الصين ومبادرة الحزام والطريق مؤقتاً عن الساحة".
إذاً، وبحسب ما يقوله السفير الأميركي في تركيا، فإن للأخيرة دوراً كبيراً جداً في المشروع الأميركي لمحاولة السيطرة على سرعة التطور والتوسع الصيني عبر مبادرة "الحزام والطريق"، وإيقاف التوسع الروسي في أوروبا، والآن ربما أصبح لها دور أكبر في مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقتين العربية ووسط آسيا، ولعل هذا الواقع من أهم عوامل الاستفزاز الذي لا يحتمله نتنياهو. فبموجب هذا التصور يبدو أن دور ومكانة الكيان الصهيوني بالنسبة إلى السياسة الأميركية سوف تتراجع كثيراً عن تصوراته.
لماذا يتناقض المشروعان التركي والصهيوني؟
إن جوهر الصراع بين المشروعين يتمثل في رغبة كل منهما في التحوّل إلى عقدة لوجيستية في الممرات التجارية التي ستنقل عبرها البضائع والطاقة والمعادن الحيوية من الشرق إلى الغرب. إن الكيان الصهيوني يبحث كذلك عن دور مهم ومسيطر في المنطقة عبر تحوّله إلى عقدة لوجيستية لنقل البضائع ونقل الطاقة كذلك. وبرز ذلك في محاولة وزير الدفاع الصهيوني يسرائيل كاتس الترويج لإعادة إحياء خط سكك حديد الحجاز تحت مسمى "سكك حديدية للسلام الإقليمي" سنة 2017، بهدف ربط الكيان الصهيوني بالدول العربية الخليجية، وتطور لاحقاً إلى ممر IMEC ممر الهند-الشرق العربي-أوروبا، في سنة 2023.
ولتحقيق هذا الهدف، كان على الكيان الصهيوني التأسيس لبعض المشروعات مثل: مشروع قناة بن غوريون من ميناء إيلات إلى عسقلان، مشروع البحث عن مسار بري من الهند إلى الكيان الصهيوني، مشروع محاولة السيطرة على مضيق باب المندب، ومشروع القضاء على المقاومة العربية والإيرانية للوجود الصهيوني في المنطقة.
ولكي يتمكن الكيان الصهيوني من تحقيق أهدافه، كان من الضروري أن يحقق توسعاً على أرض الواقع يسمح له بأن يكون العقل التكنولوجي للمنطقة والعقدة اللوجيستية لها، ما يوفر له العمق الجغرافي ويسمح بالتزايد السكاني والحصول على ثروات موجودة في محيطه. وبالفعل، تمكن من استغلال سقوط النظام السوري وفرض هيمنته على منطقة الجولان كما سعى إلى فرض ممر داوود عبر التعاون مع بعض القيادات الدرزية للهيمنة على الصحراء السورية حتى غرب الفرات، وحاول الضغط للتأسيس لدولة كردية في شمال شرق سوريا، والهجوم على إيران والضغط لتفكيك وحدتها السياسية على أمل استقلال كل من بلوشستان وعربستان وكردستان وأذربيجان في إيران، ما يوفر له طريقين بريين من الهند عبر هذه الأقاليم. واختتم محاولاته بالاعتراف الأحادي بجمهورية أرض الصومال ومحاولة الحصول على قاعدة عسكرية فيها لمراقبة باب المندب والاقتراب من أنصار الله في اليمن.
عند هذه النقطة فهم القادة الأتراك أن مشروعهم بأن تكون تركيا هي ممر الطاقة والسلع من آسيا إلى أوروبا مهدد، وهو ما دفع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القول:"لا ممرات من دون تركيا"، بل أن هذا المشروع هدد وحدتهم السياسية كذلك، في حال تم التأسيس لدولة كردية على حدودهم أو دولة علوية في الساحل، كما أن الاعتراف بجمهورية أرض الصومال والسعي لبناء قاعدة عسكرية في بربرة، يستهدف، من بين أسباب أخرى، محاصرة النفوذ التركي في القرن الأفريقي، فتركيا في الفترة الأخيرة، ومنذ عام 2011، تمكنت من التوغل في الصومال عبر القوة الناعمة في البداية، حيث كان الرئيس التركي إردوغان هو أول زعيم غير أفريقي يتوجه إلى مقديشو خلال المجاعة.
وبعدها، قامت تركيا بإطلاق حملة مساعدات إنسانية واسعة وبناء مستشفيات وبنية تحتية، كما أعادت فتح السفارة التركية في مقديشو وهي الأكبر لتركيا عالميًا، ما يعكس الوعي التركي بأهمية الوجود في القرن الأفريقي. وتطور الأمر لاحقاً للتعاون العسكري، عبر إنشاء قاعدة تركسوم عام 2017 وهي أكبر قاعدة تركية خارجية، كما قامت بتدريب آلاف الجنود الصوماليين (نحو 16 ألفاً). وفي عام 2024 عُقد اتفاق دفاعي وأمني يشمل حماية المياه الإقليمية وبناء قدرات بحرية صومالية.
وبديهي أن هذه المساعدات التركية كان لها مكتسبات اقتصادية حظيت بها تركيا، إذ تحولت إلى أهم الشركاء التجاريين للصومال. فالشركات التركية تتولى مسؤولية إدارة ميناء ومطار مقديشو، ولها استثمارات في البنية التحتية والنقل والخدمات. وهذا التعاون الاقتصادي توّج باتفاقية اقتصادية عقدت في 2024 حصلت بموجبها تركيا على نسبة من موارد الصومال البحرية (نحو 30%). والتعاون في مجالات النفط والغاز والصيد البحري.
لقد أدى الاعتراف الصهيوني بجمهورية أرض الصومال، وتصريح نتنياهو بأنه سيقنع رئيس حكومة الهند ناريندرا مودي بالاعتراف بهذه الجمهورية، إلى استفزاز واضح لكل من تركيا والسعودية ومصر أولاً، خاصة أن هذا الاعتراف تضمن بروز تحالف غير معلن بين الكيان الصهيوني والإمارات وإثيوبيا، ما أدى إلى ظهور تحالف مضاد وغير معلن كذلك، بين الدول الثلاث التي شعرت بأن الإجراء الصهيوني يهدد أمنها القومي ومصالحها.
موقف تركيا من الاعتداءات الأميركية-الصهيونية على إيران
على الرغم من التنافس الواضح بين إيران وتركيا في كل من المنطقة العربية ومنطقة القوقاز وآسيا الوسطى، فإن الواقع الجيوسياسي الذي يعيه قادة البلدين قد ثبت حقيقة لا يمكن تجاوزها، أن استقرار كل من البلدين ضروري لأمن واستقرار الآخر. ولم يكن ثبات الموقف التركي في رفض هذه الاعتداءات مستغرباً أو غير متوقع، من ناحية القلق الأمني. لكن، في المقابل، هناك مكاسب واضحة تمكن الأتراك من تحقيقها نتيجة تقييد الملاحة في مضيق هرمز.
لقد أدى هذا الإجراء الإيراني ثم الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، إلى رفع مكانة تركيا كممر رئيسي للطاقة التي تمر إلى أوروبا والتي بدورها كانت تبحث عن بدائل حتى لو لم تكن بالمستوى ذاته. فكل من مضيقي تركيا البوسفور والدردنيل يعبرهما 3.7 مليون برميل يومياً بنسبة 5% من تجارة النفط العالمية، بالإضافة إلى 1.5 مليار طن من البضائع سنوياً، وبنسبة عامة فإن هذه المضائق يمر منها 2% من التجارة العالمية.
بالإضافة إلى أنها ممر مستقر للغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان، والسيل التركي، وهو خط غاز روسي يمر تحت البحر الأسود إلى تركيا. خط تاناب والذي ينقل الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا عبر تركيا، وخط كركوك-جيهان.
وفي المقابل، فإن العدو الرئيسي لتركيا في أوروبا وهو اليونان، يعد من أكبر المتضررين من هذه الحرب، فالاقتصاد اليوناني يعتمد على عنصرين: النقل البحري والسياحة، وبالتأكيد تضرر قطاع النقل البحري نتيجة تقييد حركة الملاحة وارتفاع أجور التأمين والنقل، وضعف النشاط السياحي، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الطاقة.
إن زيادة قيمة تركيا الجيوسياسية بالنسبة إلى دول أوروبا، وخاصة دول حلف "الناتو"، ربما تجبر اليونان وقبرص على التقليل من اندفاعهما تجاه التحالف مع الكيان الصهيوني في مواجهة تركيا، إذ إن اختيار تركيا لاستضافة قمة قادة "الناتو" في يوليو 2026 (في أنقرة) يعدّ مؤشراً مهماً على تزايد وزنها داخل الحلف وأوروبا، فهذه القمة تمثل أعلى مستوى قرار في حلف شمال الأطلسي، وتُعقد فقط في لحظات استراتيجية حساسة، وتُمنح للدول التي يُراد إبراز دورها داخل الحلف.
لقد التقط المحللون الأتراك هذا الخيط بوضوح، حيث طالب الأدميرال جيهات ياييجي بضرورة الاستفادة من هذه الحرب وتقييد الملاحة في مضيق هرمز، عبر تعزيز طريق التنمية من الفاو بالعراق إلى اسطنبول في تركيا، مشيراً إلى أن تنفيذ الممر سوف يرفع من مكانة تركيا في أوروبا. حيث سيعني هذا التطور في العلاقات بين تركيا و"الناتو" إلى شل يد الكيان الصهيوني وحلفائه في إعاقة المشروع التركي في المنطقة.
سيناريوهات الصراع بين المشروعين
إن نتائج الحرب الأميركية-الصهيونية على إيران سوف يكون لها الدور الأكبر في صياغة هذه السيناريوهات. ويمكننا أن نحتمل سيناريوهين أساسيين:
- السيناريو الأول، عدم قدرة الطرفين على حسم نتائج الحرب أو قدرة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على فرض تنازلات على إيران، بخصوص الصناعات الصاروخية وتخصيب اليورانيوم وإعادة فتح مضيق هرمز، مع بقاء النظام الإسلامي. وفي هذه الحالة، سوف يشتعل الصراع بين المشروعين حول عدة مناطق أولها سوريا ولبنان. حيث يرغب الكيان الصهيوني في تفريغ الجنوب حتى نهر الأولي بجنوب صيدا من سكانه، وبالرغم من أن تصريحات وزراء الحكومة الصهيونية تتحدث عن جنوب الليطاني على الأغلب، فإن فترة ما قبل الاعتداءات الصهيوأمريكية على إيران شهدت بعض التصريحات الصهيونية المتغطرسة عن تطلعات نحو نهر الأولي جنوب صيدا بما يعني الاستيلاء على جنوب لبنان بالكامل.
وفي المقابل، يمتلك الأتراك مشروعاً لتعميق نفوذهم في لبنان، لا سيما في الشمال، ويتحركون لتعميق هذا النفوذ عبر القوة الناعمة حتى الآن و بالطريقة نفسها التي دعموا بها نفوذهم في الصومال، وليس سراً أن لديهم طموحات بالحصول على ميناء طرابلس ومطار القليعات. ولا يبدو أن المملكة العربية السعودية لديها مشكلة في دعم الوجود التركي.
أما في سوريا، فالكيان الصهيوني يرغب في الهيمنة على الجنوب السوري والذي يضم الجولان والسويداء والقنيطرة ودرعا، كما يرغب بنفوذ أكبر في الصحراء السورية وحتى غرب الفرات لإقامة ما يطلق عليه ممر داوود، وهو المشروع الذي سيتم إحياؤه كصدىً لتمكن كل من أميركا والكيان الصهيوني من تحقيق منجزات في حربهما على إيران، وهو ما سيمثل خطورة على الأمن القومي لكل من تركيا والعراق وإيران معاً.
المنطقة الثانية، ترتبط بالقرن الأفريقي والذي أعلن الكيان الصهيوني اعترافه بجمهورية أرض الصومال غير المعترف بها، كما وعد رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بالحصول على اعتراف هندي بهذه الجمهورية. ومؤخراً، برزت تقارير تتحدث عن قيام الكيان الصهيوني ببناء قاعدة عسكرية بميناء بربرة الذي تشرف عليه دولة الإمارات العربية، كما تطمع أثيوبيا المتحالفة مع الكيان الصهيوني في الحصول على منفذ بحري عبر هذا الميناء لمواجهة الحصار المصري لها، الأمر الذي سيؤدي بكل تأكيد إلى صدام مع النفوذ التركي والمصري ومن خلفهما الصيني كذلك.
أما المنطقة الثالثة، فهي شرق البحر المتوسط، والذي شهد سابقاً توقيع اتفاقية بين الكيان الصهيوني وكل من دولتي قبرص واليونان، كانت موجهة بكل صراحة ضد النفوذ التركي، خاصة بعد تحسن علاقات الأخيرة مع مصر والتنسيق بين الطرفين بالإضافة إلى السعودية في كل من ليبيا والسودان والصومال وجنوب اليمن، الأمر الذي اعتبره نتنياهو تهديداً لمصالح كيانه، ما دفعه إلى الإعلان في فبراير الماضي عن مشروع تحالف بين كيانه وكل من الإمارات والهند وقبرص واليونان بالإضافة إلى دول آسيوية وأفريقية أخرى لم يسمها، لمواجهة ما وصفه محوري الشر المتطرفين الشيعي والسني.
- السيناريو الثاني، هو نجاح إيران في فرض شروطها على الأميركيين والإبقاء على برنامجها الصاروخي وهيمنتها على مضيق هرمز، ويبدو أن التوقعات الأميركية الأخيرة وحتى الصهيونية تميل لهذا الاتجاه أو على الأقل تتوقعه، ولذلك بدأت بعض التحليلات وأوراق بحثية نشرتها مؤسسات مثل Defense Priorities تدعو إلى إعادة هيكلة الوجود الأميركي في الشرق العربي، معتبرة أن الوجود الكثيف في الخليج لم يعد يحقق الردع المطلوب بل أصبح عبئاً يعرض القوات للخطر، وترى ضرورة نقلها إلى الكيان الصهيوني ومحيطه، والهدف هنا هو تركيز الحماية على جسم الكيان الصهيوني ذاته، مع فتح المجال أمام قوى إقليمية لتقوم باحتواء محور المقاومة وتقييد حركته.
وفي حال نجاح هذا السيناريو، سوف تمنح تحالف يتكوّن بقيادة تركيا ويضم باكستان والسعودية هذا الدور، وسيكون الكيان الصهيوني مجبراً على الاكتفاء بما حصل عليه في الجولان وقمة جبل الشيخ، وعدم تجاوز الطموحات التوسعية لهذا الحد، وترك كل من سوريا ولبنان والأردن للنفوذين التركي والسعودي. لكن في المقابل، سيبقى الصراع مشتعلاً في منطقتي شرق المتوسط والقرن الأفريقي، كمناطق نفوذ متنازع عليها.
ربما بدأ الأتراك الاستعداد بالفعل لهذه المرحلة بعدما هدد الصومال مؤخراً بحظر مرور السفن الصهيونية إلى باب المندب، وبناء على الاتفاقية البحرية بين تركيا والصومال الموقعة في فبراير 2024 وتنص على إنشاء قوة بحرية مشتركة، وتعهد تركيا بحماية المياه الصومالية لمدة عشر سنوات، فإن هذا التهديد في الحقيقة هو تهديد تركي أكثر منه صومالي.
إن ما يؤكد هذا التصور، هو قيام الأميركيين مؤخراً بإخلاء قواعدهم في سوريا، بعد تدعيمهم للموقف التركي، والذي تمثل في تخليهم الصريح عن دعم حركة "قسد" الكردية في مواجهة الهجمات المشتركة من مجموعات النظام السوري الجديد. وبهذه الإجراءات، فإن الأميركيين يعترفون بصورة غير مباشرة بالهيمنة التركية على سوريا، في مقابل منح الكيان الصهيوني لقمة صغيرة عبر الاعتراف بسيطرتهم على الجولان.
ثم التأسيس لإحياء طريق الحج الذي يربط إسطنبول بمكة المكرمة عبر سوريا والأردن، ويمتد إلى طرق فرعية إلى طرابلس في لبنان، ومناطق من فلسطين، ويأتي في سياق دعم المشروع التركي. وسوف يعزز مكانة تركيا كدولة إقليمية إسلامية كبرى في المنطقة العربية، سواء من الناحية الدينية أو الاقتصادية، فالطريق لن يقتصر على نقل الحجاج، بل يهدف بالأساس إلى إنشاء ممر لوجستي يربط أوروبا بالخليج والبحر الأحمر، ما يوفر بديلاً برياً سريعاً للشحن البحري يتجاوز نقاط الاختناق المائية مثل باب المندب والبحر الأحمر ومضيق هرمز. وقد اتفقت تركيا وسوريا والأردن رسمياً في سبتمبر 2025 على إعادة إحياء هذا الطريق التاريخي. وفي أبريل 2026 أكدت السعودية أن الدراسات الفنية للمشروع ستكتمل في نهاية العام الجاري. ومن الصعب تصور تنفيذ فكرة هذا الطريق من دون موافقة أميركية.
الإشارة الأميركية، تلقاها القادة الأتراك بالفعل وبدأوا في التصرف بناء عليها عبر الترويج الإعلامي لمشروع تحالف يضمهم إلى جانب السعودية وباكستان، وهو ما أشار إليه المحلل التركي سوات أوزدمير إلى أن الممارسات الصهيونية والاعتداءات الأميركية على إيران سوف تؤدي إلى التأسيس لتحالف يضم تركيا والسعودية وباكستان، محتملاً كذلك أن تنضم مصر إلى هذا التحالف. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة ليست جديدة، فقد سبق أن طرحتها ماليزيا، إلا أن تفعيلها في اللحظة الراهنة يشير إلى قبول أميركي، خاصة وأن الدول الثلاث ليست لديها عداء مبدئي مع الكيان الصهيوني ولا تتبنى شعارات إزالته كإيران.
من الضروري هنا الإشارة إلى أن الولاية الثانية لترامب شهدت تحسناً كبيراً في العلاقات بين أميركا وباكستان، بعد مرحلة الفتور التي شهدتها فترة إدارة سلفه جو بايدن المنحاز بدرجة كبيرة للهند، ففي مارس 2025 قدم الباكستانيون عربون صداقة لإدارة ترامب عبر إلقاء القبض على العقل المدبر لتفجير بوابة آبي، محمد شريف الله، والذي أسفر عن مقتل 13 جندياً أميركياً أثناء عملية الانسحاب من أفغانستان. وتم تسليمه للأميركيين، الأمر الذي اقتضى إشادة بباكستان من قبل ترامب في خطابه الأول بالكونغرس. كما وقعت باكستان اتفاقيات لتوريد معادن حيوية مع واشنطن، بل وأبرمت وزارة ماليتها صفقات مع شركات مرتبطة بعائلة ترامب في مجال العملات الرقمية.
لقد أدركت بعض الدول الخليجية حقيقة أن الوجود الأميركي المباشر في الخليج ربما لن يستمر، وبالتالي فإن لجوء كل من السعودية وقطر لوجود عسكري باكستاني وتركي على أراضيهما، واحتمالات لجوء الإمارات إلى الهند، ربما ليس قواعد ثابتة ولكن تمركزات مؤقتة لا تستفز باكستان وإيران، بناء على اتفاقية الشراكة الدفاعية بين الطرفين، يشير إلى السعي لملء الفراغ الأمني والعسكري للأميركيين.
لكن من الواضح هنا، وفي كلتا الحالتين، أن الصراع في منطقة الشرق العربي، بناء على الترتيبات التي تسعى إليها أميركا ونتيجة لعدم وجود مشروع عربي مستقل، سوف يتواصل، وقد يتخذ مظاهر مختلفة في مناطق الاشتعال المتوقعة بين المشروعات المتنافسة.
إن انتصار إيران في هذه الحرب ونجاحها في فرض شروطها على الأميركيين والصهاينة، سوف يعد انتصاراً من باب آخر للأتراك عبر نجاحهم في إزاحة المشروع الصهيوني للتحوّل إلى دولة عظمى إقليمية منافسة لهم، واضطراره إلى الانزواء ولو لفترة مؤقتة، بعد أن تراجعت مكانته لتصبح رأس حربة محطماً، وسيكون عليه أن يقبل بوضع أمنه داخل إطار التحالف القائم بقيادة الأتراك.
ومن ثم لا يمثل التعاطف التركي (على المستوى الرسمي) الحالي مع إيران أي غرابة، كما أن عودة المنافسة بين البلدين الإسلاميين وربما الصدام غير المباشر لاحقاً لن يكون مستغرباً كذلك.