سوريا ومصر: إعادة ترتيب العلاقات بين البلدين
المخاوف المصرية مما جرى في سوريا لا تغير حقيقة الرغبة المصرية في رؤية سوريا واحدة موحدة، ووجود حكومة سورية ممثلة لجميع مكونات الشعب السوري.
-
سقوط النظام في سوريا.. ماذا عن الموقف المصري؟
على مدار التاريخ كانت مصر وسوريا رافعتين عربيتين مهمتين، وقائدتين لـ "العمل العربي المشترك"، الذي بات الحديث عنه شيئاً من الماضي. لا يمكن الحديث عن العلاقات بين البلدين بعيداً عن المشاعر، كيف لا وقد ارتبط أبناء البلدين بعلاقات مصاهرة، ازدادت حينما كانا يعيشان في دولة واحدة هي الجمهورية العربية المتحدة.
لا يمكن نسيان حرب تشرين التحريرية والدماء العربية التي توحدت فيها في مواجهة الكيان الصهيوني، وأن تلك الحرب قامت بتنسيق سوري مصري، ولأول مرة أخذ فيها العرب زمام المبادرة.
القطيعة بين البلدين كانت في نهاية السبعينيات حينما وقعت مصر على اتفاقية كامب ديفيد، وكانت سوريا جزءاً من المقاطعة العربية لمصر.
بعد حرب الخليج الثانية ومشاركة سوريا في التحالف الدولي ضد العراق وانخراط سوريا في عملية السلام مع "إسرائيل" واقترابها أكثر من المحور الأميركي، تحسنت علاقاتها مع كل من القاهرة والرياض، واستمر التنسيق حتى وفاة الرئيس حافظ الأسد.
لم تكن العلاقات بين البلدين في أحسن أحوالها بعد الاحتلال الأميركي للعراق ومقتل رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، واقتراب الموقف المصري من الموقف السعودي المقتنع بتورط النظام السوري السابق بتلك القضية.
مع بدء أحداث الربيع العربي وسقوط نظام الرئيس مبارك، رحبت سوريا بما حدث، لكن ذلك لم يستمر طويلاً، حيث بدأت الأحداث في سوريا في آذار 2011.
استضافت مصر حوالى مليون لاجئ سوري، رافضة تسميتهم باللاجئين، في بادرة تركت أثراً كبيراً في نفوس السوريين.
15 ألفاً من رجال الأعمال السوريين مسجلون في اتحاد الغرف الاقتصادية المصرية، يستثمرون حوالى مليار ونصف مليار دولار في مصر.
بقيت السفارة المصرية في دمشق تمارس أعمالها، ولكن ليس على مستوى السفراء، بل كقائم بالأعمال، بمعنى أن دور السفارة اقتصر على العمل القنصلي لا السياسي.
بعد إسقاط نظام مرسي وهزيمة الإخوان المسلمين في مصر، حدث نوع من التقارب بين البلدين، يجمعهما العداء المشترك للجماعات السلفية.
سقوط النظام في سوريا والموقف المصري...
مع سقوط نظام الأسد ووصول هيئة تحرير الشام إلى الحكم في سوريا، كانت المخاوف المصرية واضحة، نظراً لطبيعة تلك الحركات والخلفية الجهادية لها، ووجود عدد من المقاتلين المصريين فيها والمصنفين كإرهابيين في مصر.
تبنت الحكومة السورية خطاباً براغماتياً هادئاً، عكس رغبتها في الانتقال من فكر الجماعة إلى عقلية الدولة، لكن ذلك لم يبدد مخاوف جميع الدول ومنها مصر.
ظهور بعض التظاهرات في سوريا وإطلاق هتافات معادية للحكومة المصرية زاد من الفجوة بين البلدين، لكنه لم يعكس توجهاً سورياً رسمياً، بقدر ما كان نابعاً من بعض الأفراد ذوي الميول المتشددة.
مشاركة الرئيس الشرع في القمة العربية الاستثنائية التي عُقدت في القاهرة في مارس 2025 ولقائه الرئيس السيسي كسرا بعض الجمود في العلاقات بين البلدين، لكن الموقف المصري بقي متحفظاً على الانقتاح على دمشق.
المخاوف المصرية مما جرى في سوريا لا تغير حقيقة الرغبة المصرية في رؤية سوريا واحدة موحدة، ووجود حكومة سورية ممثلة لجميع مكونات الشعب السوري.
في نهاية ديسمبر الماضي تقدمت مصر بمشروع قرار إلى الأمم المتحدة بشأن إزالة الاحتلال الاسرائيلي لهضبة الجولان ونال القرار موافقة حوالى 121 دولة وتحفظ 41 دولة ومعارضة 7 دول فقط.
العامل التركي في تطور العلاقات بين البلدين...
تشهد المنطقة تحولات جيوسياسية كبيرة، تظهر تحالفات وتختفي أخرى، جميعها تعكس قدرة القيادات على استشراف المستقبل والاستعداد ما أمكن لمواجهة تحدياته.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، العلاقات السورية المصرية التي شهدت تطوراً كبيراَ وصل حد الحديث عن إقامة شراكات اقتصادية بين البلدين، وهو ما يعكس تراجع العامل الأيديولوجي لمصلحة "عقل الدولة"وحساباته المعقدة.
الدور التركي يبدو داعماً لهذا التقارب وخاصة في ظل التفاهمات التركية المصرية حول ملفات عديدة أهمها السودان وليبيا وسوريا وغزة، ومخاوف كلا البلدين من السياسات الإسرائيلية "المنفلتة" والتي تسعى من خلالها تل أبيب لتكرس نفسها قائداَ للشرق الأوسط الجديد الذي لم ترتسم معالمه بعد، لكن خرائطه كانت قد نُشرت منذ سنوات، واليوم يجري العمل على تنفيذها.
الموقف التركي من "قسد" باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، وتشكل تهديداً للأمن القومي التركي، يتماشى مع الموقف المصري الذي يرى فيها تهديداً للأمن القومي العربي، باعتبارها تهدد وحدة دولتين عربيتين هما سوريا والعراق.
الأهمية الاستراتيجية لسوريا كمنطقة عبور لخطوط النفط والغاز، يشكل استقرارها قاسماً مشتركاً لكل من القاهرة وأنقرة. فالقاهرة تسعى لكي تكون مركزاً إقليمياً لبيع الغاز المسال بعد توقيعها لأكبر صفقة غاز مع "إسرائيل" بقيمة 35 مليار دولار، تنص على شرائها الغاز الخام حتى عام 2040 لتقوم بإسالته وبيعه لكل من الأردن وسوريا ولبنان وربما قبرص واليونان مستقبلاً. وأنقرة التي ترى في سوريا ممراً لعبور الغاز القطري إليها ومن ثم إلى القارة الأوروبية.
الصراعات في العالم ليست فقط على مصادر الطاقة بل وعلى نقاط عبورها، وبالتالي لا يمكن استبعاد سوريا من تلك المعادلة.
أمن البحر المتوسط يشكل هاجساً مشتركاً للدول الثلاث، وخاصة أن هذه المنطقة واعدة بالثروات النفطية والغازية، والموقف التركي الداعم لوحدة سوريا والرافض للدعوات الانفصالية في منطقة الساحل، يتقاطع كذلك مع رؤية القاهرة لسوريا واحدة موحدة.
تقارب مصر وتركيا مع السعودية (الداعم الأكبر للحكومة السورية)، يزيد من فرص التعاون بين دول المنطقة، وخاصة في ظل الحديث عن تحالف سعودي باكستاني يضم مصر وتركيا وربما سوريا مستقبلاً.
تركيا ومصر كانتا من أكثر دول المنطقة تأثراً بما حدث في سوريا، حيث استقبل البلدان ملايين اللاجئين السوريين، وهو ما حملهما أعباءً اقتصادية كبيرة.
انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي يضم أصلاَ كلاً من مصر وتركيا، جعل الدول الثلاث قي محور واحد، وتعمل لمواجهة عدو مشترك.
إدراج جماعة الإخوان المسلمين في لوائح الإرهاب الأميركية لقي ارتياحاً مصرياً، وكذلك سورياً، حيث كانت دمشق قد طلبت من هذه الجماعة حل نفسها، ويبدو أن التوظيف السياسي التركي لهذا التنظيم آخذ بالتراجع وبشكل كبير.
في الخامس من يناير قام وفد اقتصادي سوري بزيارة إلى مصر وتوقيع مذكرة تفاهم لتصدير الغاز عبر أنبوب النفط العربي من الأردن إلى سوريا إلى لبنان.
الرئيس الشرع وخلال استقباله وفداَ من اتحاد الغرف التجارية المصرية، تحدث عن التنمية التي شهدتها مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي واعتبرها نموذجاً ملهماً بالنسبة لسوريا.
حديث الرئيس الشرع أخذ أبعاداً إنسانية واقتصادية، وأرسل رسائل سياسية، مفادها رغبة دمشق بتطوير علاقاتها مع القاهرة، لما لذلك من فوائد على البلدين والشعبين الشقيقين.
تنقية الأجواء بين البلدين وتبديد مخاوف القاهرة من خلال تقديم خطاب سوري متقدم من الجماعات المتطرفة يتفهم مخاوف القاهرة وغيرها من الدول العربية.
القاهرة ودمشق اختارتا الانتقال إلى إقامة علاقات عملية تستند إلى المصالح المشتركة بين الجانبين ونبذ الفرقة وفتح باب الحوار، وصولاً إلى بناء شراكة اقتصادية مزدهرة بين الجانبين قائمة على المصلحة، المصلحة أولاً وقبل كل شيء.