سوريا والأمن الاستراتيجي في منطقة غرب آسيا (2-2)
لا يمكن التقليل من الحل السياسي السوري الداخلي ودور بناء الحياة السياسية الديمقراطية، ولكن يبقى السؤال هل يمكن تحقيق ذلك بعد أن تحوّلت سوريا إلى النمط اللبناني والعراقي كُموناً بانتظار تحولها إلى حيز التحقق فعلاً؟
-
عدم فهم السياق الجغرافي لسوريا جعل الجميع في دوامة المشروع الغربي الجديد.
أثبت الزلزال الجيوسياسي السوري المستمر أنه لا يمكن توقفه عند الحدود السورية مهما كان حجم محاولات احتوائه ومنع تمدده، فالمشاريع التفتيتية لن تتوقف في سوريا إذا ما نجحت، بل ستمتد إلى دول الجوار بحكم الهويات الأولية التي برزت بشكل لا يمكن تجاوزه في المرحلة الحالية، وخصوصاً بامتداداتها العابرة للحدود إقليمياً في كل الاتجاهات، وهذه المشاريع لن تتوقف عند حدود سوريا وإنما ستتجاوزها إلى كل الدول المحيطة بها، في إطار الصراع الدولي، وخصوصاً بعد أن تم نشر وثيقة الأمن القومي الاستراتيجي للولايات المتحدة التي حددت وظيفة هذه المنطقة باعتبارها حاجز صد ومانعاً لتمدد كل من الصين وروسيا وإيران.
والتحديات المتشابكة لا تتوقف عند التفتيت وفقاً للمنطق الصهيوني، بل تترافق مع عدد كبير منها تساعد في إنجاح المشروع التفتيتي ابتداءً من الداخل السوري، منها التشظي الاجتماعي والتغييرات الديمغرافية، والتحديات الاقتصادية التي تفاقمت في الأعوام الأخيرة، والتحديات الأمنية فعمليات القتل مستمرة في الشارع بعيداً عن القضاء، بالإضافة إلى تدهور التعليم وسير ثلاثة مناهج تربوية متباينة في صناعة سرديات تاريخيّة للجماعات السكانية، بما يمنع بناء هوية وطنية جامعة للسوريين، بالإضافة إلى عشرات التحديات الأُخرى، بما يعزز من انقسام السوريين في ما بينهم.
كل ذلك يدفع التحديات الخارجية للتفاقم إلى درجة التواتر الفيزيائي لتفتيت بحكم انقسام السوريين ورهاناتهم على الدول الإقليمية في كسب صراعاتهم في ما بينهم دموياً أم سياسياً حول مستقبل كل جماعة ضمن ما يرسم من مخططات لهندسة الجغرافيا السورية، ويمثل الكيان الصهيوني الخطر الأكبر بما لا يقاس مع أي قوة دولية ومعه الأطراف الغربية التي تقف خلفه ولا سيما الولايات المتحدة رغم تباين بعض هوامش المصلح بين الأطراف الغربية، وبذلك يتحول التهديد لجميع منطقة غرب آسيا دولاً وشعوباً ( العرب والكرد والترك والفرس….) ومن دون استثناء.
ما العمل؟
بالطبع لا يمكن التقليل من الحل السياسي السوري الداخلي ودور بناء الحياة السياسية الديمقراطية، ولكن يبقى السؤال هل يمكن تحقيق ذلك بعد أن تحولت سوريا إلى النمط اللبناني والعراقي كُموناً بانتظار تحولها إلى حيز التحقق فعلاً؟
إن تشابك تحديات الداخل والخارج غير القابل للانفصال في سوريا قد لا يتيح ذلك، فعدم فهم السياق الجغرافي التاريخي لسوريا ومنطقة غرب آسيا جعل الجميع في دوامة المشروع الغربي الجديد، والأمر يحتاج إلى مشروع قديم متجدد يعيد المنطقة إلى واقعها الحضاري كمركز للعالم القديم، وربما يمكن اجتراح هندسة جغرافيا جديدة لنظام غرب آسيا ابتداء من سوريا، تنقل المنطقة من دائرة الصراع إلى دائرة التكامل الإقليمي، بما يتيح لشعوب المنطقة مساحة أوسع للقاء والانتقال وإزالة حالة الاحتقان والانقسام داخل كل دولة من جهة وبين الدول في ما بينها من جهة أُخرى.
وهذه الدعوة إلى التكامل ليست وليدة لحظة الحرب السورية، بل هي فكرة قديمة تعود إلى ما قبل عام 1916 ولكنها بدأت من جديد مع نجم الدين أربكان الذي سعى أثناء تسلمه منصب رئيس الوزراء لبناء منظومة الشرق، ثم تلاه طرح عبد الله أوجلان مفهوم الأمة الديمقراطية بعد أن أدرك أن قضية الكرد لا يمكن حلها بإنشاء الدولة القومية، بالإضافة إلى كل من ناهض حتر وأنيس نقاش وشخصيات فكرية وسياسية متعددة، وربما تأخذ بعداً أعمق مع تبني قوى سياسية تركية وكردية وعربية وإيرانية وازنة لدفع دول المنطقة إلى هذا التصور المستقبلي لكل منطقة غرب آسيا.
وهذا مشروع بعيد المدى وليس بالقريب العاجل، يبدأ بخطوات تدريجية، ويحتاج إلى نخب مدركة لواقع الصراع الدولي وواقع الإقليم ووضع كل دولة من دوله، ويحتاج بشكل أهم إلى دول إقليمية وازنة تملك قرارها المستقل في بناء سياساتها الداخلية والخارجية، وهناك دولتان تمتلكان هذه الخصائص إلى حد ما وهما تركيا وإيران، بالإضافة إلى مصر التي تسعى للانفكاك من ربقة "اتفاقيات كامب ديفيد" ما يجعل مسؤولية هذه الدول هي الأكبر في إنقاذ سوريا أولاً كمدخل لإنقاذ الإقليم عامةً، الأمر الذي يتطلب من الدولتين درجات أعلى من التنسيق لمواجهة مخاطر المشروع الصهيوني- الغربي في سوريا أولاً، وقد تكون مسؤولية تركيا كنظام سياسي، وقوى سياسية متعددة سواءً كانت في السلطة أم في المعارضة، أكبر في المسألة السورية بحكم الجغرافيا والتاريخ.
يمكن للتكامل الإقليمي أن ينجح إذا ما تم تجاوز المفهوم القومي الأيديولوجي المرتكز إلى تجربة الغرب التي تعتمد على القرابة تأسيساً والمسألة العنصرية التي لا تتقبل الآخر وتعتبره عدواً، "وهم تجاوزوها إلى حد كبير شكلاً"، بينما المسألة القومية هي بمنزلة هوية طبيعية تشكلت في سياق التفاعل ضمن إطار حضاري غير محدد بحدود جغرافية فاصلة، وإنما بإطار جغرافي متحرك، حدوده العامة هضبة الأناضول والهضبة الإيرانية ووادي النيل، يرتكز بشكل أساسي لتقبل الآخر وليس لنفيه (التجربة العثمانية وعدم حصول ثورات حقيقية للانقضاض عليها أو حتى رفضها، وربما ثورة العشرين في العراق على البريطانيين ووقوفها مع العثمانيين منذ عام 1914 رغم الاختلاف المذهبي بمنزلة أكبر دليل على اعتبار السيطرة العثمانية أمراً طبيعياً وفقاً لشرعية المتغلب )
والأمر الآخر الذي يجب تجاوزه أيضاً هو المفهوم الأيديولوجي للدين الذي لا يمكِّن من الوصول إلى صيغة جامعة واحدة، بل تصورات أيديولوجية متباينة إذا لم تكن نافية لبعضها البعض، وبديل ذلك هو التعاطي مع الدين كهوية ثقافية مشتركة تلتقي على منظومة قيم أخلاقية لا تختلف الجماعات المتنوعة حولها، وتشكل طاقة هائلة لعملية التنمية والنهضة.
بالخلاصة نحن نعيش لحظتين تاريخيتين
الأولى، لحظة ما بعد الحرب العالمية الأولى، وتحمل تهديداً واضحاً بإعادة هندسة المنطقة لمصلحة النظام الغربي في سياق صراعه مع النظام الشرقي الصاعد، ولتأمين أمن وبقاء المنتج الغربي ممثلاً بالكيان الصهيوني.
الثانية، لحظة الحرب العالمية الثانية وما بعدها كفرصة، من جراء انكفاء النظام الغربي الذي يتآكل داخلياً، وما يتشكل من فراغ في منطقة غرب آسيا، من جراء تصاعد الدور العالمي لقوى شرقية مناهضة له، وهو يمثل فرصة لهذه المنطقة كي تستعيد دورها المركزي في القرار العالمي.
نقطة الاختبار الآن بأن نكون أو لا نكون هي في سوريا وفلسطين ولبنان والعراق، فهل من استجابة؟