سوريا في واقع إقليمي ودولي متفجر: أين تقف دمشق من خارطة القوى؟
دمشق ستستمر بقرارها بعدم الشراكة بأي حرب إقليمية، مستندة إلى قوة الجغرافيا ورقتها الوحيدة المتبقية، وهي تدرك أن نتائج الحرب في أوكرانيا والخليج واليمن ستدفع بتغيير خرائط النفوذ والجغرافيا أياً كانت نتائجها.
-
: أين تقف دمشق من خارطة القوى؟
كان للظهور المفاجئ للرئيس السوري أحمد الشرع في الرياض في لقائه مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان دور في إثارة السؤال الأهم: "سوريا إلى أين؟" وما كان لهذا السؤال أن يُطرح بهذه الأهمية لولا وجود واقع إقليمي ودولي قابل للانفجار في منطقة غرب آسيا، بعد انفجار الحرب في اليمن وتداعياتها الإقليمية والدولية، بفعل حساسية الواقع الجغرافي لليمن بإطلالته المتحكمة بممر باب المندب، الذي يعتبر من أهم الممرات البحرية في العالم، بحكم تدفق 12% من التجارة العالمية عبره. وهو سؤال تتفرع عنه مجموعة من الأسئلة، قد يكون الأكثر حضوراً: "هل ستشترك سوريا في حرب اليمن؟"
توزع القوى الإقليمية: ثلاثة تكتلات أساسية
الواقع العام لمنطقة غرب آسيا القابل للانفجار يرسم توزع القوى الإقليمية ضمن ثلاثة تكتلات أساسية، تبعاً لتوزع القوى الدولية.
التكتل الأول: المظلة الغربية الأمريكية
ينضوي هذا التكتل تحت المظلة الغربية الأمريكية عموماً، وتمثله دول الخليج و"إسرائيل" بشكل أساسي، مع تمييز خاص لسلطنة عمان التي حافظت على نوع من التوازن في سياساتها. بالإضافة إلى الأردن، الذي تحول إلى منطلق للعمليات العسكرية الأمريكية في الحرب على إيران، وممراً للتجارة "الإسرائيلية" الواردة والصادرة إلى آسيا عبر دول الخليج، بعد منع استخدامها للبحر الأحمر ومضيق باب المندب. الأمر الذي دفع بهذه الدول للانخراط أكثر في المظلة الغربية بتحالف معلن، بعد انفجار الحرب في اليمن وسيطرة صنعاء على كامل الممر البحري، وما يعني ذلك من ارتباطه بمضيق هرمز، مع عجز أمريكي واضح في حسم الحرب، بما يشير إلى تغيير خرائط النفوذ، إذا لم يذهب إلى تغيير خرائط الجغرافيا في دول التكتل.
التكتل الثاني: محور السيادة
يقوده هذا التكتل إيران، ومعها قوى عسكرية ذات طابع شعبي في العراق ولبنان وفلسطين واليمن. وهو تكتل ذو بعد سيادي متباين الدرجات، لا ينضوي تحت المظلة الأوراسية (الصين وروسيا) حالياََ، ولكنه يتلقى دعماً كبيراً منها في إطار صراعه مع الغرب، وتعتبره جبهة المواجهة العسكرية المباشرة معه، وخط الدفاع شبه الأخير عنها قبل المواجهة المباشرة. وتراهن على هذه الجبهة بكسر الهجوم الغربي، ودفعه للإقرار بالتحول الدولي نحو نظام متعدد الأقطاب والسياسات والثقافات.
التكتل الثالث: القوى الإقليمية الكبرى المترددة
وتمثله كل من باكستان وتركيا ومصر، وهي القوى الكبرى مع إيران في غرب آسيا. وهي تبحث عن نقطة توازن بين الغرب والكتلة الأوراسية، ومحكومة بالعلاقات بين التكتلين الدوليين، ولا تستطيع التورط في الحرب اليمنية إلا بدرجات.
باكستان النووية، ذات القدرة العسكرية الكبيرة والقوة الديمغرافية (240 مليون نسمة)، هي ساحة للنفوذ الصيني والأمريكي. فاقتصادها مرتبط بالصين بشكل أساسي وتعوّل عليها، وعسكرياً متطورة بالسلاح الصيني، لكن القرار المتحكم بباكستان هو أمريكي. ولديها تنوع مذهبي وسياسي يفرض عليها الحذر من الانفجار الداخلي، كما تربطها بإيران علاقات الجوار والثقافة وتهديدات مشتركة في مناطق البلوش المشتركة بين البلدين، عدا عن تهديدات الأفغان البشتون للداخل الباكستاني، الأمر الذي يحد من تفعيل "اتفاقية مكة" بالمستوى الذي تطلبه الرياض.
تركيا في محاولاتها المستمرة لاستثمار موقعها الجيوسياسي بين الشرق والغرب، واستمرار نتائج اتفاقية قصر شيرين بين الصفويين والعثمانيين منذ عام 1639 حتى الآن، وخشيتها من انتصار أمريكا و"إسرائيل" في الحرب على إيران، يدفعها أيضاً لاجراء حساب مخاطر انخراطها في الحرب الإقليمية والدولية في اليمن، محفوفاً بالمخاطر على أمنها القومي وتفككها، مما يجعلها في موقف حرج، ورسم حدود تفعيل "اتفاقية مكة"، وخاصة بعد الثناء الأمريكي على بدء تحرك تفعيل الاتفاقية.
مصر المحاصرة من جهاتها الأربعة تدافع نفسها، ترفض الدخول بأي حرب خارج حدودها تنعكس عليها بالمزيد من التهديدات، وأولوياتها الآن من الشمال حيث "إسرائيل"المندفعة لإنجاز مشروعها التوسعي، وفي القرن الأفريقي جنوباً حيث المشروع الأمريكي "الإسرائيلي" العربي المهدد لاستمرار حياتها عبر سد النهضة، وهي تراهن على إيران في الحرب، وعلى روسيا والصين للانعتاق من قيود "كامب ديڤيد"
أين سوريا من خارطة القوى؟
كان من الواضح أن دمشق، التي حدث بها التغيير منذ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، أنها أمام واقع جديد في منطقة داخلية وإقليمية متفجرة. فهي على الرغم من الغطاء العربي والدولي لنجاح التغيير، فإنها أدركت من البداية أنها في واقع داخلي صعب جداً، بعد حرب دامت أكثر من 13 عاماً، وأن المخاطر لم تتوقف بل زادت.
فهي استلمت بلداً مفككاً اجتماعياً، تتحكم به هويات أولية، ومخاوف ومخاطر تتجذر به النزعات الاستقطابية النابذة. وقدرات عسكرية دُمّرت بشكل شبه كامل، بعد أن دمرت "إسرائيل" معظم الأصول والقدرات العسكرية للجيش السوري ما أفقدها قدرات ردعية تمنحها أوراق قوة في الصراع. بالإضافة إلى اقتصاد يزداد انهياراً، مترافق ذلك بغياب الخبرات الضرورية لإدارة الدولة والمجتمع، ما وضعها أمام خيارات صعبة.
فما هو مطلوب منها في السياسات الإقليمية لن يتيح لها الاستقرار، بل سيدفعها إلى المستوى الثاني من الصراع على مستوى الإقليم، الذي سيجد له صدى بعودة الصراع الداخلي.
إقليمياً، تجد صعوبة في إيجاد حالة توازن بين العلاقة مع تركيا التي احتضنت دمشق الجديدة ودعمتها، وبين المحور الخليجي العربي الذي وجد بفرصة التغيير السوري فرصة كبيرة لبناء نفوذ مواجه للنفوذ التركي بعد انهيار النفوذ الإيراني. وهو لن يدعها مرة ثانية ساحة لنفوذ أنقرة. وفوق كل ذلك، الضغوط "الإسرائيلية" الهائلة بتجاوزها لخط الهدنة 1974 وتمددها بعنوان "إقليم باشان"، عدا عن سياساتها التفكيكية ودورها بمنع النهوض وإبقائها بحالة "لا تموت ولا تحيا". وفوق كل ذلك، الضغوط الأمريكية المستمرة للسير بسياسات إقليمية تدفعها للصدام بالعنوان المذهبي في محيطها الإقليمي (لبنان والعراق).
الموقف السوري: أولوية الاستقرار الداخلي
كان الموقف واضحاً من الناحية الإقليمية منذ البداية: فأي عمليات عسكرية خارج سوريا سيكون ثمنها باهظاً بغياب القدرات العسكرية. كما أن الموقف التركي المدرك لما يُحاك لها في تل أبيب ساعدها في خيار عدم الدخول بهذه الصراعات. وأن الأولوية الآن لتحقيق الاستقرار واستعادة أوراق القوة التي تتيح لها فرصة لعب دور إقليمي يحميها من التهديدات الخارجية.
سوريا بين الانتظار وإعادة القراءة
الأرجح أن دمشق ستستمر بقرارها بعدم الشراكة بأي حرب إقليمية، مستندة إلى قوة الجغرافيا ورقتها الوحيدة المتبقية، وهي تدرك أن نتائج الحرب في أوكرانيا والخليج واليمن ستدفع بتغيير خرائط النفوذ والجغرافيا أياً كانت نتائجها. وأنها قد تكون أمام نظام دولي جديد يوزع الأدوار وفقاً لما يمتلكه كل طرف من أوراق القوة. وهي لن تكتسب هذه الأوراق إلا بتغيير الداخل، بوحدة المجتمع السوري، الذي لن يتحقق إلا بإعادة قراءة المشهد الداخلي بامتداداته الإقليمية والدولية، وشراكة الجميع بمشروع وطني جديد.