سدّ النهضة… لحظة الانقلاب في ميزان وادي النيل (1 من 2)

الدولة التي صاغت الجغرافيا هويتها حول نهر واحد لا تملك ترف التعايش مع قرار يُتخذ على بُعد آلاف الكيلومترات، ولا يمكنها القبول بأن يصبح أمنها المائي رهينةً لإرادة طرف واحد عند المنبع.

  • حين يتحوّل السدّ إلى معمار نفوذ إقليمي.
    حين يتحوّل السدّ إلى معمار نفوذ إقليمي.

لم يكن تشغيل السدّ حدثاً تقنياً عابراً. كان إعلاناً صريحاً عن دخول وادي النيل عصراً جديداً تُعاد فيه كتابة قواعد القوة فوق مجرى النهر نفسه.

فإثيوبيا، وهي تكشف تفاصيل التشغيل، لم تكن تقدّم منجزاً هندسياً بقدر ما كانت تُطلق إشارة انقلاب استراتيجي على توازن طال قرناً ونصف القرن، وتعلن ـــــ من دون مواربة ـــــ انتقالها من موقع "الدولة المتشاركة في نهر دولي" إلى موقع "الفاعل الجيوبوليتيكي" القادر على فرض إرادته ورسم اصطفافاته الخاصة.

بهذه الحركة، انتقل السدّ من كونه منشأة على مجرى مائي إلى كونه معمار نفوذ، لا يقلّ أثراً عن قاعدة عسكرية أو ممرّ بحري أو خطّ طاقة عابر للحدود. وبهذه اللغة وحدها يمكن فهم اللحظة: لحظة قرّرت فيها أديس أبابا أن تكتب دورها الإقليمي بقلم الماء لا بقلم السياسة التقليدية، وأن تدفع القاهرة والخرطوم إلى مواجهة اختبار وجودي لم يعد من الممكن ترحيله أو الالتفاف حوله.

ومن هنا نشرع في القسم الأول من المقال، حيث يبدأ التفكيك الحقيقي للتحوّلات فوق النهر وتحت السطح، ورصدُ الكيفيّة التي تحوّل فيها السدُّ إلى منصةٍ لإعادة تشكيل التحالفات، فاتحاً الباب على مصراعَيه أمام صراع يتجاوز حسابات المياه، ويتقدّم أبعد من هندسة الخرسانة، ويغدو أشدَّ خطورة من النقاشات الفنية التي استنزفت عقداً كاملاً من التفاوض بلا حصاد.

إثيوبيا… عقل الدولة التي قرّرت أن تصعد

تتحرّك إثيوبيا اليوم بعقل دولة ترى نفسها في لحظة صعود تاريخي، لا كبلد نامٍ على ضفاف النيل الأزرق. فما بعد السدّ ليس استمراراً للسياسة الإثيوبية القديمة، بل انتقالٌ إلى فلسفة قوة جديدة: فكرة أنّ الدولة التي تُمسك بمنابع النهر تمسك ـــــ بالضرورة ـــــ بمفاتيح الإقليم.

وليس خطاب السيادة الذي ترفعه أديس أبابا مجرّد شعارات داخلية، بل جزء من مشروع يراد له أن يعيد تعريف قواعد النفوذ في شرق أفريقيا.

اتهام القاهرة بالتمسّك بـ "حقوق استعمارية"، ورفض أيّ اتفاق ملزم، واعتبار النهر ملكيّة أحادية ـــــ كلّ ذلك ليس لغة تفاوض، بل هندسة مقصودة لاختبار قدرة دولتي المصبّ على التكيّف مع واقع تُراد صياغته من أعلى السدّ.

لقد بنت إثيوبيا السدّ لتوليد الكهرباء، لكنها تستخدمه اليوم لتوليد شرعيّة سياسية داخلية وقوة إقليمية خارجية.

وهكذا تكشف اللحظة الراهنة عن جوهر مشروعها:

ليس الاحتفاظ بالمياه… بل الاحتفاظ بالقرار.

مصر… دولة أمام اختبار وجودي لا اختبار تقني

أما مصر، فليست أمام أزمة موارد ولا خلافات هندسية، بل أمام اختبار وجودي يمسّ حدوده الدولة نفسها.

فالدولة التي صاغت الجغرافيا هويتها حول نهر واحد لا تملك ترف التعايش مع قرار يُتخذ على بُعد آلاف الكيلومترات، ولا يمكنها القبول بأن يصبح أمنها المائي ـــــ ومن ثَمّ أمنها الاقتصادي والاجتماعي ـــــ رهينةً لإرادة طرف واحد عند المنبع.

إنّ النيل بالنسبة لمصر ليس مجرّد مصدر مياه، بل البنية التحتية لوجود مجتمعٍ بأكمله:

إذا اختلّ تدفّقه، اختلت الزراعة، وارتبكت الطاقة، وتعرّض الأمن الغذائي للضغط، وتزعزعت قدرة الدولة على حماية أكثر من مئة مليون مواطن.

ومن هنا، يصبح التهديد الذي يحمله السدّ ـــــ إذا أُدير خارج اتفاق ملزم ـــــ تهديداً يتجاوز الاقتصاد والهيدرولوجيا ليطال استقرار الدولة في أعمق مستوياته.

ولذلك جاء الخطاب المصري أكثر صراحة في الأشهر الأخيرة:

الالتزام بمرجعيات القانون الدولي ليس خياراً تجميلياً، بل صيغة الحدّ الأدنى لمنع الضرر الجسيم.

فالأزمة ـــــ كما تراها القاهرة ــــــ ليست خلافاً حول نسب الملء، بل هي صراع حول من يملك سلطة التحكّم في نهرٍ يصنع الحياة نفسها.

إنّ مصر تدرك أنّ السنوات المقبلة ستكون معركة دفاع استراتيجي عن استمرارية الدولة، والرسالة التي ترسلها ـــــ ضمنياً وصراحة ـــــ واضحة:

لن تسمح بأن يتحوّل قرار النهر إلى أداة ضغط تُستخدم ضدّها.

السودان… الحلقة الحسّاسة في معادلة لا ترحم

ويقف السودان في قلب المعادلة لا كشريك ثالث فحسب، بل كدولة تتقاطع فوق ترابه مخاطر السدّ أكثر من أيّ طرف آخر. فهو الأقرب إلى جسم السدّ، والأكثر عرضة لتقلّبات التشغيل، والأشدّ حاجة إلى بيانات دقيقة تُبلّغ في الوقت المناسب.

ومع ذلك، يبقى السودان ـــــ بفعل هشاشته السياسية ـــــ الطرف الذي يتحمّل أكبر المخاطر من دون أن يمتلك القدرة الكاملة على التأثير في القواعد التي تُدار بها الأزمة. فلطالما نظر السودان إلى السدّ باعتباره مشروعاً قد يحمل فرصاً: كهرباء أرخص، ونظام جريان أكثر انتظاماً.

لكنّ التجربة العملية كشفت الوجه الآخر للمعادلة:

الاحتياج الملحّ لاتفاق تشغيل واضح، لأنّ أيّ خطأ صغير في السدّ ـــــ أو أيّ تصريف مفاجئ ـــــ يتحوّل في السودان إلى خطر مباشر على المدن والقرى والحقول.

وقد كشفت مواسم الفيضان في السنوات الأخيرة هشاشة الوضع، بعدما تعطّلت آليات التنسيق وتحوّل النهر إلى معادلة غير قابلة للتوقّع.

وهكذا يجد السودان نفسه في موقعٍ بالغ الحساسية:

فهو الدولة التي قد تغيّر مسار الأزمة إذا وثّقت موقفها مع مصر، لكنه ـــــ في لحظته السياسية الحالية ـــــ يتحرّك بأقلّ من وزنه الحقيقي، ويُدار حوله الصراع كأنه مجرّد مساحة جغرافية واقعة بين قوتين.

وبين ما قد يكسبه نظرياً وما قد يخسره عملياً، أصبح السودان الحلقة التي تُختبر عليها أكبر الأسئلة:

هل يمكن لإقليمٍ مضطربٍ سياسياً أن يمتلك قراراً مائياً مصيرياً؟

وهل يستطيع السودان البقاء متماسكاً بينما يتحوّل النهر الذي يمرّ عبر مدنه ووديانه إلى رافعة قوة تُستخدم من خارج حدوده؟

إنّ موقع السودان في الأزمة يكشف حقيقة جوهرية:

لا استقرار لدولتي المصبّ من دون دور سوداني صلب، ولا اتفاق نهائياً يمكن أن يُكتب من دون أن تُعاد للسودان مكانته ووزنه في معادلة النهر.

حين يتحوّل السدّ إلى معمار نفوذ إقليمي

لقد تجاوز سدّ النهضة حدود الهندسة والسياسة المحلية، ليصبح جزءاً من شبكة نفوذ تمتدّ من القرن الأفريقي إلى البحر الأحمر، ومن العلاقات مع القوى الإقليمية إلى حسابات اللاعبين الدوليين.

فإثيوبيا ـــــ وهي تُعلن تشغيل السدّ ـــــ لم تكن تتحرّك وحدها، بل داخل منظومة علاقات أعيد تشكيلها في السنوات الأخيرة، حيث صار النيل الأزرق أحد مفاتيح إعادة توزيع القوة في الإقليم.

فالتواصل الإثيوبي ــــــ الصهيوني، الذي تزامن مع موجة التصعيد الأخيرة، ليس معزولاً عن سياقٍ أوسع:

سياق تسعى فيه "تل أبيب" إلى تثبيت حضور أمني وسياسي في القرن الأفريقي، وإلى بناء علاقات وثيقة مع دول المنابع لاعتبارات تتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا الاستراتيجية.

ولا يقلّ عن هذا السياق أهميةَ ما تقوم به قوى خليجية وشرق آسيوية في تمويل مشاريع البنية التحتية الإثيوبية، وما يرافقه من رغبة في خلق مراكز نفوذ داخل دولة تتصاعد مكانتها الإقليمية.

لكنّ التحالفات المحيطة بالسدّ ليست كلها خارجية. فإثيوبيا نفسها تستخدم السدّ كرافعة لإعادة ترتيب علاقاتها مع السودان، ومع دول شرق أفريقيا، ومع الاتحاد الأفريقي، ومع الشركاء الدوليين.

ولعلّ أخطر ما في هذه التحالفات أنها تُحوّل السدّ من مشروع محلي إلى أداة جيوبوليتيكية يمكن عبرها ممارسة ضغوط سياسية، أو بناء أوراق تفاوضية، أو خلق اصطفافات جديدة حول مستقبل النهر.

وفي مقابل هذا الزخم من التحالفات، تجد مصر نفسها مطالبة بإعادة تعريف أدواتها الإقليمية:

فلا يكفي الاعتماد على الوزن التاريخي، بل يتطلّب الأمر صياغة تحالفات مضادّة، وتفعيل أدوات تأثير في حوض النيل، وتعزيز شراكات مع القوى الدولية التي ترى في استقرار وادي النيل شرطاً لاستقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

إنّ أخطر ما في لحظة السدّ هو أنه لم يعد ملفاً ثنائياً، بل أصبح مسرحاً مفتوحاً لتفاعل قوى متعدّدة، تتقاطع فيه مصالح أمنية واقتصادية وطاقة وممرات استراتيجية.

وبهذا المعنى، فإنّ إدارة الأزمة لا تتعلّق بالمياه وحدها، بل بإعادة بناء موقع مصر والسودان في خريطة إقليم يتغيّر من حولهما بسرعة، ويتحوّل فيه النهر إلى أداة نفوذ لا تقلّ قيمة عن النفط أو الممرات البحرية.

عبورٌ إلى الضفة التالية من الأزمة

وهكذا نختتم القسمَ الأول من هذا المقال؛ القسم الذي كشف أنّ الأزمة لم تعد تقنية ولا حتى سياسية فحسب، بل تحوّلت إلى صراعٍ على النفوذ والشرعيّة، وعلى موقع الدولة في خريطة إقليمٍ يشتعل بالتنافس ويتغيّر بسرعة تفوق قدرة المفاوضات التقليدية على اللحاق بها.

وهنا تبدأ المرحلة الأكثر تعقيداً: مرحلة القانون الدولي، ومفهوم الضرر الجسيم، ومبادئ الاستخدام المنصف والعادل، وحقّ الدول في صون أمنها الوجودي أمام مشروعٍ يراد له أن يفرض وقائع جديدة بقوة الزمن والأمر الواقع.