زيارة عون لواشنطن... هل تغيّر دور الوسيط الأميركي؟

السلطة السياسية اللبنانية تراهن على إحداث تغيير في طبيعة الدور الأميركي نفسه: من وسيط يُنظر إليه، على نطاق واسع، بأنه متحيّز لـ"إسرائيل"، إلى وسيط أكثر فعالية وقدرة على التأثير في سلوكها.

0:00
  • زيارة عون لواشنطن... هل تغيّر دور الوسيط الأميركي؟
    زيارة عون لواشنطن... هل تغيّر دور الوسيط الأميركي؟

يتوجّه رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، إلى واشنطن للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في زيارة يعلّق عليها رئيس الجمهورية، ومعه عدد من اللبنانيين، آمالاً بتغيير مسار تطبيق "اتفاق الإطار" الذي يستغله الطرف الإسرائيلي لتكريس احتلاله للبنان، وتجريف القرى ومحو معالمها.

ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية، وتواصل الاعتداءات والانتهاكات الجسيمة التي يقوم بها، يبدو أن رهان السلطة السياسية اللبنانية على الحصول على دعم سياسي أميركي لفرض انسحاب إسرائيلي من الجنوب يتصل بإمكان إحداث تغيير في طبيعة الدور الأميركي نفسه: من وسيط يُنظر إليه، على نطاق واسع، بأنه متحيّز لـ"إسرائيل"، إلى وسيط أكثر فعالية وقدرة على التأثير في سلوكها ودفعها نحو تنفيذ التزاماتها، حتى لو كان منحازاً لمصلحة الاحتلال.

ولا شك في أن أحداً، لا في لبنان ولا في العالم العربي، يتوقع أن يكون الأميركي وسيطاً محايداً في قضية تخص "إسرائيل".

الوسيط المحايد

في الأدبيات الخاصة بإدارة النزاعات، يُعرَّف الوسيط المحايد بأنه الطرف الذي لا يمتلك مصلحة مباشرة في نتيجة النزاع، ولا يرتبط بعلاقات تفضيلية مع أي من أطرافه. وتتمثل وظيفته الأساسية في إدارة الحوار، وتسهيل التواصل، وبناء الثقة بين المتفاوضين.

مثال على هذا الدور هو الذي قامت به النرويج في اتفاقات أوسلو عام 1993، حيث وفّرت منصة حوار آمنة وسرية بين الطرفين، مستفيدةً من صورتها كدولة لا تملك مصالح استراتيجية مباشرة في النزاع.

كذلك، تبرز باكستان أيضاً كوسيط محايد يقوم بتسهيل التواصل بين الأميركيين والإيرانيين لإنهاء الحرب الأخيرة التي شنّها الأميركيون والإسرائيليون على إيران.

غير أن نقطة الضعف الأساسية لدى الوسيط المحايد تكمن في محدودية أدوات الضغط التي يمتلكها. فهو يستطيع تسهيل التوصل إلى الاتفاق، لكنه غالباً ما يفتقر إلى الوسائل الكفيلة بفرض تنفيذه عندما تتعارض الالتزامات مع مصالح أحد الأطراف.

الوسيط المنحاز

في المقابل، تميّز أدبيات التفاوض بين الحياد والانحياز. فالوسيط المنحاز هو الوسيط الذي تربطه علاقات سياسية أو استراتيجية بأحد الأطراف، لكنه يستخدم هذا النفوذ من أجل دفع عملية التسوية إلى الأمام.

أثبتت تجارب تاريخية عديدة أن الوسيط المنحاز قد يكون أكثر قدرة على تحقيق نتائج عملية من الوسيط المحايد. فالولايات المتحدة، في اتفاق كامب ديفيد عام 1978، لم تكن وسيطاً محايداً بالمعنى التقليدي، لكنها امتلكت نفوذاً كبيراً على الأطراف، وقدرة على تقديم الضمانات والحوافز اللازمة لإنجاز الاتفاق.

والأمر نفسه ينطبق على اتفاق دايتون، الذي أنهى الحرب في البوسنة عام 1995، حيث لعبت الولايات المتحدة دوراً تفاوضياً حاسماً، مستفيدةً من نفوذها السياسي والعسكري والدبلوماسي، وليس من حيادها.

لذلك، ترى مدرسة واسعة في دراسات النزاعات أن معيار نجاح الوسيط ليس حياده المطلق، بقدر ما هو قدرته على التأثير في الأطراف، وامتلاكه أدوات كافية لتحويل التفاهمات السياسية إلى نتائج ملموسة.

مع العلم أن الأدبيات المتخصصة تميّز بوضوح بين الانحياز والتحيّز، وهما مفهومان كثيراً ما يجري الخلط بينهما في النقاشات السياسية والإعلامية.

الوسيط المتحيّز

قد يمتلك الوسيط المنحاز علاقات وثيقة بأحد الأطراف، لكنه يظل ملتزماً بالبحث عن تسوية قابلة للحياة. أما الوسيط المتحيّز، فهو الذي تتحول وساطته إلى أداة لخدمة طرف واحد على حساب الطرف الآخر، سواء عبر تجاهل مطالبه، أو ممارسة الضغوط بصورة غير متكافئة، أو توفير الغطاء السياسي لمواقفه.

وفي هذه الحالة، تكون العملية التفاوضية وسيلة لإضفاء الشرعية على موازين القوى القائمة، وهو ما يلمسه ويؤكده مسار التفاوض اللبناني - الإسرائيلي المباشر في واشنطن.

فإذا نظرنا إلى البيانات التي صدرت عن الخارجية الأميركية عقب كل اجتماع، كان واضحاً أن النصوص تضمنت تأكيداً متكرراً على التزامات لبنان الأمنية، والتي تُعتبر بعض بنودها تعجيزية، في مقابل غياب أي التزامات إسرائيلية بالانسحاب، أو وقف إطلاق النار، أو وقف الانتهاكات وتجريف القرى.

من هذا المنظور، قد لا يكون السؤال الأساسي بالنسبة إلى لبنان هو ما إذا كانت الولايات المتحدة متحيّزة لـ"إسرائيل"، فذلك واقع ثابت ومعروف في مقاربة الولايات المتحدة للصراع العربي - الإسرائيلي.

بل إن السؤال الأهم هو ما إذا كانت واشنطن مستعدة لاستخدام نفوذها الكبير على "إسرائيل" لتحقيق نتائج ملموسة تتصل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الانتهاكات المتكررة، أي: هل يمكن إقناع الأميركيين بالتخلي عن التحيّز، ولو استمروا في الانحياز؟

قياساً على التجارب، وعلى وسائل الضغط الإسرائيلية على الإدارة الأميركية، وعلى الرئيس دونالد ترامب الذي ضحّى بالعديد من تعهداته الانتخابية لإرضاء "إسرائيل"، من الصعب توقع أن تدفع زيارة الرئيس جوزاف عون لواشنطن ولقاؤه الرئيس ترامب، الإدارة الأميركية إلى الانتقال من موقع الوسيط المتهم بالتحيّز، إلى موقع الوسيط الفعّال القادر على توظيف نفوذه لإنتاج نتائج سياسية وأمنية ملموسة، حتى لو كان منحازاً.