رسالة مواطن يمني لحكام الأمة العربية والإسلامية: تصالحوا قبل فوات الأوان
أمام هذا المشروع الصهيوني الخطير والكارثي على أمتنا العربية والإسلامية، يجب تفادي الضربة القاضية، وقبل أن يقع الفأس في الرأس علينا كعرب ومسلمين تفويت هذه الفرصة على أعداء الأمة كل الأمة، وفتح صفحات المصالحة على المستويات الوطنية.
-
هل اليمن وإيران هما "الخطر" أم "إسرائيل"؟
لا تزال أصداء ما يعرف بـ "اتفاق مكة" الذي تم توقيعه بين السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس/آب الماضي يثير موجة عارمة من التساؤلات والرفض الشعبي والبرلماني في الدول المعنية. وبينما انتقلت السجالات إلى أروقة البرلمانات التركية والباكستانية والمصرية، واتسعت حالة الرفض الواسع من قبل كتل وازنة ونواب معارضين في تلك البرلمانات، عمدت الغالبية الحاكمة إلى تمرير "المصادقة" في إطار ما وصف بـ "تمهيد الطريق لتقديم دعم عسكري للرياض"، ونحن نجزم أن "المصادقة البرلمانية" على "اتفاق مكة" جاءت نتيجة قرار سياسي - كما كان قرار الانضمام ابتداء - وليس نتيجة تفويض برلماني أو شعبي، وقد التحقت "سوريا الجولاني" المكشوفة والمستباحة سيادياً وجغرافياً أمام العدو الإسرائيلي بتوقيع "اتفاقية تعاون مع السعودية"، فهل هذه التحالفات والاتفاقيات من مواجهة الخطر الإسرائيلي أم أنه ضد اليمن، وهل النفط والمال السعودي أغلى من الدم اليمني؟ وهل توقيع الجولاني بن سلمان لحماية الجنوب السوري المستباح إسرائيلياً أم لتصدير التكفيريين وسكاكينهم إلى اليمن؟!
في مقابل هذه الاصطفافات العمياء وما تتركه من أسئلة ملحة ومفتوحة، برزت خلال الأيام الماضية في المقابل حالة مميزة تستحق الإشادة، بأن تعالت أصوات برلمانية تركية كثيرة ترفض بشكل قاطع "اتفاق مكة" وتعتبره امتداداً لـ "اتفاقيات حرب تجر المنطقة إلى صراعات جديدة لخدمة الأهداف والأجندة الأميركية والصهيونية". وفيما حذرت تلك الأصوات البرلمانية من مختلف الكتل التركية من "زج الجيش التركي في التزامات عسكرية ومغامرات خارجية مجهولة النتائج" تمليها أولويات إقليمية سعودية – إسرائيلية، أشادت في الموازاة بموقف اليمن ودوره المتقدم في إسناد غزة وقصف العدو الإسرائيلي في العمق وسفنه في البحر، مذكرين حكومتهم بأن "السعودية تعمل منذ العام 2015 بالتعاون مع إسرائيل وأميركا في هجماتها على اليمن"، بل إن البعض ذكر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بمواقفه في مساندة العدوان السعودي على اليمن في العام 2015، ومهاجمته للعدوان السعودي على اليمن في العام 2019، فلماذا تتبدل المواقف الرسمية التركية وفقاً لحساب المصلحة أم تبعاً لإملاءات ما أم ماذا؟
هذه المواقف سبقتها مواقف مشابهة في البرلمانين الباكستاني والمصري، ما يفتح تساؤلات استراتيجية كبرى حول الدوافع الكامنة وراء هذه الاصطفافات الرسمية رغم الرفض الشعبي والبرلماني: فهل تسعى تلك الدول الإقليمية وراء مكاسب اقتصادية ومالية مؤقتة من السعودية، ولو على حساب مصالحها الاستراتيجية العليا واستقرار المنطقة؟ أم أن الأنظمة الحاكمة في تلك الدول مجرد واجهات إسلامية وعربية لمشاريع صهيونية وباتت تؤدي أدواراً تكاملية ضمن هندسة إقليمية جديدة لما يعرف بـ "الشرق الأوسط الجديد" و"إسرائيل الكبرى"؟ السؤال كبير وتصعب الإجابة عليه، لكننا سنتركه لضمير تاريخ لا يرحم، ونكتفي بالتنبيه إلى خطورة المرحلة الراهنة وما تحمله من تحديات وتهديدات تلقي بظلالها على مستقبل شعوب المنطقة كل المنطقة دون استثناء.
هل اليمن وإيران هما "الخطر" أم "إسرائيل"؟
كثيراً ما يتردد مشروع "تغيير الشرق الأوسط" على ألسن قادة الصهيونية، وتحديداً في كيان العدو الإسرائيلي وأميركا، وبات مكشوفاً بشكل أكثر من أي مرحلة سابقة منذ أواخر العام 2023 بعد اندلاع طوفان الأقصى، وما تلاه من عدوان إسرائيلي غير مسبوق على قطاع غزة، واستباحة للضفة والجنوب اللبناني والجنوب السوري، وكذا العدوان على إيران واليمن والعراق وانتهاك السيادة القطرية، هذا العدوان في أكثر من دولة عربية أو إسلامية يرسم ملامح "الشرق الأوسط الجديد" من منظور أميركي إسرائيلي، بمعنى أن يتحرك كيان العدو كما يحلو له لفعل ما يريد، واستباحة أي بلد يريد من دون رد، وهو يذهب إلى تكريس هذه المعادلة مدججاً بالسلاح والدعم الأميركي اللامحدود مع حرص واشنطن (ديمقراطيون وجمهوريون) على بقاء التفوق العسكري لـ "إسرائيل" في المنطقة، ولهذا وجدنا كيف منح العدو طائرات إف 35 ومكنه من أحدث وأفتك أنواع السلاح، كما صرح ترامب علانية ومن دون تحفظ من داخل "الكنيست" العام الماضي، فيما حرمت منها تركيا (عضو الناتو) والإمارات والسعودية وغيرها رغم أن علاقة هذه الدول العربية والإسلامية "سمن على عسل" - كما يقال - مع أميركا على الأقل من طرف واحد، لكن الفيتو الإسرائيلي والرغبة الأميركية لا تريد أن تكون هناك قوة منافسة أو موازية لكيان العدو، وإن تم تسليح دولة عربية أو إسلامية ممن هي على علاقة بالمحور الأميركي؛ ففي إطار الاستفادة من أموالها وأدوارها، بما يصب في نهاية المطاف في مصلحة أميركا و"إسرائيل" ومشروع "إسرائيل الكبرى" بما في ذلك ما يسمى بـ "اتفاقيات أبراهام".
ما بعد "اتفاقات أبراهام" ليس كما قبله
الحرص الأميركي الإسرائيلي المشترك على توسيع دائرة التطبيع كان ولا يزال حلقة من حلقات تغيير الشرق الأوسط، وبالتالي "أسرلة المنطقة"؛ لأن حالة العزلة المفروضة على العدو تمنع تسلله إلى الدول العربية واستغلالها دبلوماسياً واقتصادياً وأمنياً لمصلحة المشروع الأكبر، هذا التغلغل والتوسع يمكن "كيان العدو" من حرية الحركة في منطقتنا بشكل مباشر أو عبر وكلاء أو عملاء، وأميركا في المحصلة تدعم هذا الاتجاه، بل بات التطبيع شرطاً ترامبياً لمنح السعودية "برنامج نووي سلمي" تحت الإشراف والإدارة والرقابة الأميركية، كما طرح خلال الأشهر الماضية.
أميركا وبريطانيا تعملان تاريخياً منذ غرس كيان العدو الإسرائيلي على تطبيع "وجود الغدة السرطانية" في جسد الأمة، وباتت بعض دول المنطقة كمريض يتعايش بشكل طبيعي مع سرطان خطير يجري في دمه أو يستشري في جسمه من دون أن يستثني خلية دون أخرى، فهو في المحصلة ينهك الجسد، ويستنزف المال والجهد والصحة والتعافي، ويجعل الأمة في حالة الرجل المريض بشكل مزمن.
ضمن هذا السياق وجدنا كيف أن أميركا وبريطانيا تسوق مخاوف كيان العدو كمهددات لدول عربية وإسلامية بعينها، لدفعها إلى خوض حرب ما، والأغرب من ذلك أن هذه الدول التي تتصدر واجهة الحروب في المنطقة، وأبرزها السعودية، هي من تدفع كل تكاليف الحرب العدوانية لخدمة كيان العدو، وما نتحدث عنه ليس مجرد تنظير أو دعاية، بل هو واقع ملموس، فبعد أن عبر نتنياهو عن مخاوفه ومخاوف كيانه الطارئ من "صعود الثورة الشعبية في اليمن" و"سيطرة الحوثيين على باب المندب" عام 2014 وتعميم سردية "أذرع إيران" وتسويق فكرة أن الشعب اليمني منزوع الإرادة ومجرد "أداة" تتحرك لخدمة "المشروع الإيراني" في المنطقة، أعلن العدوان السعودي على اليمن من واشنطن عام 2015م، ومؤخراً بعد تصريح نتنياهو بخصوص مضيق باب المندب في 4 أكتوبر/تشرين أول، كان الإعلان السعودي في اليوم التالي 5 أكتوبر/ تشرين الأول عن إرسال 100 مقاتلة لقصف اليمن، واستعادة "تحرير باب المندب" والسؤال ممن؟ ولمصلحة من؟
في العام 2015 دفعت الولايات المتحدة بالسعودية إلى شن حرب عدوانية ظالمة وحصار جائر على اليمن استمرت لقرابة 8 سنوات من دون توقف، والحسابة تحسب، والأموال تتدفق إلى الخزينة الأميركية، والمحصلة هي "خدمة كيان العدو" و"احتواء مخاوفه"، وإن عمدت السعودية حينها إلى تسويق سردية "حماية الأمن القومي العربي" و"إعادة اليمن إلى الحضن العربي"، فقد توقف العدوان في العام 2022م مع أن اليمن لم يغير ولم يبدل مواقفه. وحين استأنفت السعودية عدوانها على اليمن في العام 2026م، هل كان ذلك من أجل "إعادة اليمن إلى الحضن العربي" أم من أجل إعادة الوصاية إلى اليمن، ووضعه في "الحضن الإسرائيلي"؟ ولماذا يتم جرجرة باكستان وتركيا ومصر إلى هذا المربع الخطير؟ ومن المستفيد في المحصلة؟
التفتيت وتعميق الانقسام.. من المستفيد؟
في محصلة العدوان السعودي على اليمن، مصلحة أميركية إسرائيلية مشتركة في تعميق الفجوة بين البلدين الجارين (اليمن والسعودية) واستنزاف وإنهاك البلدين وخلق بؤرة توتر دائمة في شبه الجزيرة العربية، وزاد من تعميق الفجوة استجابة السعودية للرغبة الأميركية الإسرائيلية البريطانية في تشديد الحصار على اليمن خلال مرحلة خفض التصعيد التي بدأت في أبريل 2022، والهدف فرض عقاب جماعي على شعب لا ذنب له إلا مناصرة غزة في عالم اكتفى بالتفرج والخذلان للدم الفلسطيني وهو يسفك بأيد إسرائيلية وبسلاح أميركي وبصمت عربي وإسلامي في الأعم الأغلب.
قبل طوفان الأقصى، كانت غزة - التي جرى ويجري إبادتها عمرانياً وديمغرافياً - مجرد نقطة مشطوبة في الخريطة التي استعرضها نتنياهو في إحدى المحافل الدولية وقدم كيان الاحتلال كنقطة ارتكاز بين الشرق والغرب على خط نيودلهي – حيفا – أوروبا. ضمن هذا السياق، يمكن تفسير استمرار جرائم الإبادة البشرية والعمرانية والتهجير والتدمير وتوسيع الاحتلال في غزة والاستيطان في الضفة واستباحة جنوب لبنان، وقبلها إسقاط الدولة السورية واستباحة الجنوب السوري، وتالياً العدوان على إيران بهدف إضعافها وإسقاطها في أكثر من جولة، وتحويل منطقة الخليج ودولها إلى خندق متقدم ومترس ضد إيران.
ما يجري في المنطقة لا يمكن أن يقرأ كأمر عادي أو أنه "محض صدفة" ونتيجة تدحرج للأحداث، بل حلقات متوالية ومرتب لها ضمن مخطط واسع يستهدف الأمة كل الأمة، ويضعفها وينهكها في دوامة من الحروب والصراعات اللامتناهية في منطقتنا ربطاً بغزو العراق وأفغانستان وتدمير ليبيا وتفتيت السودان. ولأن العدو الإسرائيلي لا يملكون قوى بشرية وعتاداً يساوي ما لدى العرب والمسلمين ويحقق طموحاته الجيوسياسية والجيوستراتيجية فقد عمد ثلاثي الشر (الأميركي والبريطاني والإسرائيلي) إلى تعميق الفجوات وإدامة العداوات والبغضاء في أوساط أمتنا على المستوى الوطني داخل الدول، كما هو الحال في لبنان، وسوريا، واليمن، والعراق، والسودان وليبيا وحتى فلسطين... أو على مستوى الدول كدول، كما هو حاصل اليوم على ضفتي الخليج، إيران، والسعودية والإمارات والبحرين والكويت... لماذا؟
أميركا و"إسرائيل" لا تكترث لدول منطقتنا، وإن تمايزت علاقاتها مع دولة دون أخرى، فإنما بحساب المصلحة، فهم لا ينظرون لدولنا وشعوبنا إلا كـ "غنيمة" و"مصلحة" و"متعة مؤقتة"، تحلب إلى أن يجف ضرعها، وتركب إلى أن تنهك وتشيخ وتهرم وتصل إلى مرحلة العجز والضعف ثم يجري ذبحها، ولهذا وجدنا كيف عمدت الولايات المتحدة مع وكيان العدو الإسرائيلي منذ ابتداء العدوان على إيران إلى جر الحرب إلى دول الخليج، وجر دول الخليج إلى دوامة الحرب وتمويلها في مسعى مستمر لتحويل الحرب إلى حرب إيرانية خليجية، ولا تزال المساعي تبذل في هذا السياق.
وقد صرح بذلك السيناتور الصهيوني الأميركي ليندسي غراهام قبل وفاته، والهدف في المحصلة ليس "النووي الإيراني" ولا "إسقاط نظام الثورة الإسلامية"، بل الهدف أكبر وأوسع من الجغرافيا الإيرانية، وهو: القضاء على الأمة وإضعافها وإضعاف النموذج العربي والإسلامي؛ بمعنى أن الأميركي والإسرائيلي يسعيان إلى القضاء على نموذج الدولة الإسلامية الحضارية الصناعية والنووية المتقدمة، وهي إيران البلد الإسلامي المستقل والمناهض لمشاريعهم في المنطقة، كما تريد القضاء على النموذج التنموي في الخليج، إذ لا ترى في الخليج اليوم سوى أنهم "زبائن جيدون" ولديهم "البترول والمال"، وتالياً إضعاف تركيا وباكستان ومصر، وكل ذلك في سياق تهيئة الساحة لـ "إسرائيل" لتستلمها جائزة قيادة المنطقة وتحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى" بعد أن يكون الكل منهكاً، ضعيفاً، مستنزفاً، وستبدأ بعد ذلك بالسيطرة والتوسع على حساب الجميع من دون أي استثناء، وقد أعلنها القادة الصهاينة صراحة بأن "الإسلام الراديكالي" بجناحيه الشيعي والسني خطر لا بد من احتوائه أو التغلب عليه وإنهائه، وآخرها تصريحات نتنياهو قبل أيام عقب فشله في "انتخابات الكنيست".
أمام هذا المشروع الصهيوني الخطير والكارثي على أمتنا العربية والإسلامية، يجب تفادي الضربة القاضية، وقبل أن يقع الفأس في الرأس علينا كعرب ومسلمين تفويت هذه الفرصة على أعداء الأمة كل الأمة، وفتح صفحات المصالحة على المستويات الوطنية، وعلى المستوى القومي العربي، وعلى المستوى الإسلامي بين الدول كدول، شريطة أن تكون المصالحات مبنية على أسس عادلة ومنصفة تحقق مصلحة الأمة لا مصلحة أعدائها، فما يجمع أمتنا من مشتركات أكثر بكثير مما يفرقها، ولن تنتصر الأمة ولن تخرج من وضع اللااستقرار واللاسلام إلا بـ "مظلة أمنية إقليمية مستقلة" تحميها وتحمي مصالحها بعيداً عن التدخل الخارجي"، وأيضاً بـ "الاعتصام والوحدة" كمبدأ ديني، وبالتالي خلق حالة صحية تنقل الأمة من الصراع والتفكك إلى التعاون والتكامل، وبما يؤهل الأمة لمواجهة خطر وجودي يتهدد الجميع ولا يستثني أحداً أبداً.