خلفيات وآفاق التوجهات التسليحية العسكرية اليابانية بعيدة المدى

التحرّكات اليابانية السريعة نحو امتلاك قدرات صاروخية متوسطة وبعيدة المدى، تعتبر في حدّ ذاتها ردّ فعل على تزايد ترسانات الصواريخ في منطقة الأندوباسيفيك بشكل عامّ.

  • خلفيات وآفاق التوجهات التسليحية العسكرية اليابانية بعيدة المدى.
    خلفيّات وآفاق التوجّهات التسليحية العسكرية اليابانية بعيدة المدى.

في خلفيّة الموقف العسكري والميداني المتفاعل في الشرق الأوسط، لم تتوقّف التفاعلات المماثلة في منطقة الأندوباسيفيك ومحيط تايوان، عن التطوّر بوتيرة مستمرة، ما يؤشّر على أنّ الحرب الأميركية ضدّ إيران، ستتجاوز في تأثيراتها المحيط العربي، لتشمل نطاقات آسيوية وربما أفريقية أيضاً.

لا ترتبط هذه التفاعلات فقط بتعديل اليابان مؤخّراً لضوابط التصدير الدفاعي – وهو ما تمّ تناوله في مقال سابق – بل ترتبط أيضاً بخطوة هامة ومحورية اتخذتها طوكيو أواخر الشهر الماضي، نحو تعزيز قدراتها الدفاعية بعيدة المدى، حين أعلنت قوات الدفاع الذاتي اليابانية في 31 آذار/مارس، عن إتمام أول عمليتَي انتشار لمنظومات قتالية بعيدة المدى مطوّرة محلياً، عبر نشر صاروخ أرض – بحر مضادّ للسفن من طراز "تايب-12"، ضمن تشكيلات كتيبة الصواريخ البحرية الخامسة في معسكر "كينغون" بمحافظة كوماموتو المطلة على بحر الصين الشرقي جنوب غرب اليابان، وكذلك نشر قذيفة انزلاقية عالية السرعة، في معسكر "فوجي" بمحافظة شيزوكا جنوب شرق البلاد.

تعديلات أسمية وجوهرية في الأنظمة اليابانية بعيدة المدى

أهمية هذه الخطوة تتجاوز مجرّد النشر العملياتي الأول لأنظمة صاروخية يابانية بعيدة المدى، فقد تمّت إعادة تسمية كلا المنظومتين اللتين تمّ نشرهما، ليصبح الاسم الرسمي لهما هو "تايب-25"، وذلك طبقاً للأنظمة اليابانية المتبعة في تسمية الأنظمة العسكرية الجديدة، حيث يشير هذا الرقم إلى السنة المالية السابقة "25" التي انتهت في 31 آذار/مارس. بذلك باتت الفئة "تايب-25" بمثابة مظلة أساسية تضمّ الصواريخ الموجّهة ضدّ السفن والقذائف الانزلاقية الفرط صوتية، وربما لاحقاً صواريخ باليستية، تعمل حالياً شركة "كاواساكي" للصناعات الثقيلة، على إنتاجها وتطويرها.

تغيير التسمية يرتبط أيضاً بتطوير تمّ على الصاروخ البحري السابق "تايب-12"، حيث تمّ تمديد مداه الأقصى إلى 1000 كيلومتر على الأقل، ما يُتيح للوحدات البرية ضرب أهداف برية وبحرية، تقع على مسافات بعيدة عن السواحل اليابانية. في الوقت نفسه، أدخلت طوكيو ضمن هذه المظلة، فئة جديدة من الأسلحة الفرط صوتية، وهي "القذائف الانزلاقية"، كوسيلة فعّالة لتوفير الحماية للجزر اليابانية النائية، بمدى طويل يقدّر بعدة مئات من الكيلومترات، مع وجود نسخ ذات مدى أطول قيد التطوير.

جدير بالذكر هنا، أنّ تسجيلاً مصوّراً ظهر اوائل العام الجاري، أظهر عملية اختبار للنسخة الجوّالة من هذه المنظومة، وظهر خلالها الصاروخ وهو يُنفّذ سلسلة من المناورات الحلزونية، بهدف تفادي عمليات الاعتراض خصوصاً خلال المراحل الأخيرة للتحليق.

بشكل عامّ يمكن النظر لعمليات النشر هذه، كمقدّمة لعمليات مماثلة خلال المدى القريب، حيث تخطط وزارة الدفاع اليابانية، لنشر نسخة القذائف الانزلاقية من منظومة "تايب-25"، في معسكرات أساسية بمناطق مختلفة من اليابان، مثل معسكر "كاميفورانو" في محافظة هوكايدو شمال البلاد، ومعسكر "إبينو" في محافظة ميازاكي جنوب البلاد.

كذلك أعلنت وزارة الدفاع اليابانية أنها تعتزم إدخال نسخ تطلق من على متن السفن والطائرات من منظومة "تايب-25"، خلال عام 2027، بدلاً من الموعد الذي كان مقرّراً مسبقاً عام 2028، حيث سيتمّ تزويد مقاتلات"إف-2" في قاعدة "هياكوري" الجوية، بمحافظة إيباراكي، بالنسخة الجوية من هذه المنظومة. أما النسخة البحرية، فستُنشر على متن المدمّرة "تيروزوكي"، المتمركزة في قاعدة "يوكوسوكا" البحرية بمحافظة كاناغاوا.

تحديثات بحرية لإكمال التوجّهات الهجومية

في الشهر نفسه، أعلنت وزارة الدفاع اليابانية، أنّ المدمّرة "تشوكاي" من الفئة "كونغو"، والمجهّزة بصواريخ موجّهة، قد اكتسبت رسمياً القدرة على إطلاق صواريخ "توماهوك" الجوّالة. يُعدّ هذا الإعلان الأكثر تفصيلاً حتى الآن حول التقدّم الذي أحرزته اليابان في نشر قدراتها الهجومية بعيدة المدى من البحر. وقد أكملت المدمّرة "توشكاي"، كلّ عمليات التحديث اللازمة للحصول على هذه القدرة، في الولايات المتحدة الأميركية، لمواكبة اعتزام وزارة الدفاع اليابانية، شراء أعداد كبيرة من صواريخ "توماهوك" خلال العامين المقبلين، لدمجها بشكل أكبر ضمن قدرات الردع اليابانية. 

هذا التوجّه على المستوى البحري، يستهدف إيجاد مسار موازٍ للتوجّهات اليابانية لامتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى، يرتبط بامتلاك قدرات جوّالة تتكامل مع امتلاك قدرات باليستية بعيدة المدى، فمن الناحية العملياتية، تمنح صواريخ "توماهوك" اليابان، القدرة على توجيه ضربات دقيقة بعيدة المدى من على متن القطع البحرية، بمدى يصل إلى نحو 1600 كيلومتر، لاستهداف مواقع برية ثابتة، مثل مواقع الإطلاق ومراكز القيادة ومحطات الرادار والبنية التحتية اللوجستية، وذلك من خارج نطاق اشتباك الخصم.

كما يتسم صاروخ "توماهوك" بعدة مزايا استراتيجية بالنسبة لليابان، حيث يستخدم توجيهاً يجمع بين الملاحة بالقصور الذاتي ومطابقة تضاريس الأرض، والتوجيه عبر الأقمار الاصطناعية للوصول إلى هدفه. كما أنّ قدرته على التحليق على ارتفاعات منخفضة تُقلّل من احتمالات رصده بواسطة أنظمة الرادار، ما يزيد من فرص بقائه في البيئات المتنازع عليها. ويعتمد دمجه على السفن اليابانية على نظام الإطلاق العمودي "Mk-41"، وهو نظام إطلاق معياري موجود بالفعل على مدمّرات هذه الفئة، المزوّدة أيضاً بمنظومة الدفاع الجوي "إيجيس".

النقطة الأهمّ في ما يتعلّق بهذا التوجّه على الجانب البحري، ارتباطها بخطوة هامة في الإطار نفسه، تمّ الإعلان عنها في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بتوقيع عقد جديد لتطوير القدرات الصاروخية لأسطول الغوّاصات العامل في البحرية اليابانية، ينصّ على تطوير صاروخ جوّال لم يُكشف عن اسمه، يُطلق من أنابيب الطوربيد الخاصة بالغوّاصات، وقد مُنح هذا العقد لشركة "ميتسوبيشي" للصناعات الثقيلة.

موقف استراتيجي متفاعل في سلسلة "الجزر الأولى"

التطوّرات السالف ذكرها، لا يمكن فصلها عن الأوضاع المرتبطة بتايوان. ففي أواخر العام الماضي، استنفرت المقاتلات اليابانية في مناسبتين متتاليتين، لاعتراض طائرة مسيّرة صينية، كانت تحلّق بالقرب من جزيرة "يوناجوني"، في ظلال التوسّع المتزايد في الوجود العسكري الياباني والأميركي بهذه الجزيرة التي تقع على بُعد 113 كيلومتراً شرق تايوان، وتُعدّ جزءاً بالغ الأهمية من منظومة الدفاع اليابانية عن ما يسمّى "سلسلة الجزر الأولى"، ويبلغ طولها نحو 11 كيلومتراً وعرضها نحو 9 كيلومترات عند أوسع نقطة، وتضمّ ميناءين صغيرين ومطاراً.

ولعلّ من أهمّ أسباب اهتمام بكين باستطلاع هذه المنطقة بشكل دائم، تصريحات سابقة لوزيرة الدفاع الياباني آنذاك، جين ناكاتاني، بشأن رغبة طوكيو في نشر نظام الدفاع الجوي "تشو-سام" داخل هذه الجزيرة، ناهيك عن تأسيس البحرية الأميركية مؤخّراً، نقطة تسليح وتزويد بالوقود في هذه الجزيرة، تعدّ الأقرب من نوعها لأراضي تايوان، وهي جميعها تطوّرات تجعل من المنطقي اهتمام بكين بهذا النطاق، خاصة لو وضعنا في الاعتبار أنّ أية منظومة دفاع جوي يتمّ وضعها في هذه الجزيرة، ستتمكّن من اعتراض أية أهداف جوية تحلّق في منتصف المسافة بين الجزيرة والساحل الشرقي لتايوان، وهي منطقة يُرجّح أن تحلّق فيها الطائرات الصينية بشكل كثيف، في حالة بدء هجوم صيني واسع على تايوان.

في الخلاصة، من الواضح أنّ توسيع القدرات الصاروخية متوسّطة وبعيدة المدى، سواء لمهام الهجوم البري أو مهام مكافحة السفن، بات يُمثّل أولوية قصوى لليابان في الوقت الراهن، خاصة بعد نشر وزارة الدفاع اليابانية أواخر العام الماضي، كتابها الأبيض الخاصّ بالاستراتيجية الدفاعية، والذي حمل تركيزها واضحاً على القدرات الدفاعية بعيدة المدى، كإحدى الركائز الأساسية لبرنامج التحديث العسكري الياباني. 

في جانب آخر، يمكن القول إنّ التحرّكات اليابانية السريعة نحو امتلاك قدرات صاروخية متوسطة وبعيدة المدى، تعتبر في حدّ ذاتها ردّ فعل على تزايد ترسانات الصواريخ في منطقة الأندوباسيفيك بشكل عامّ، كما يشير نشر طوكيو عدة خيارات صاروخية للضربات بعيدة المدى، إلى إعادة تقييمها لديناميكيات الردع الإقليمي الحالية في هذه المنطقة، عبر القدرة على شنّ ضربات مضادة ضدّ قواعد العدو، وهي قدرة ظلّت غائبة عن المنظومة اليابانية العسكرية، منذ تأسيس قوات الدفاع الذاتي عام 1954، لكن تمّت العودة إليها خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً عبر استراتيجية الأمن القومي اليابانية الصادرة في كانون الأول/ديسمبر 2022.

وقد أوضح وزير الدفاع الياباني السابق، جين ناكاتاني، في آب/أغسطس الماضي، الرؤية اليابانية في ما يتعلّق بتطوير وامتلاك صواريخ بعيد المدى، وقال حينها إنّ الهدف الياباني هو تأمين منطقة محيطة باليابان، تمتد على مسافة 3000 كيلومتر في الاتجاهات كافة، وهو الأمر الذي خطت طوكيو خطوات كبيرة نحوه، عبر بدء نشر صواريخ "تايب-25"، سواء المطلقة من الأرض أو الجو أو البحر، حيث يبلغ المدى النظري "الحالي" لهذا النوع من الصواريخ، 1000 كيلومتر، وبالتالي تصبح أجزاء من الأراضي الصينية ضمن مدى الاستهداف الصاروخي الياباني.

يضاف إلى ذلك أنّ استخدام آلية توجيه مزدوجة لصواريخ هذه الفئة، يجمع بين نظام التوجيه بالقصور الذاتي المعزّز بالأقمار الاصطناعية – للتوجيه في مراحل الاقتراب الأولى من الهدف ونظام ثنائي الوضع، مزوّد بنظامي التصوير بالأشعة تحت الحمراء والتوجيه بترددات الراديو، للتوجيه في المرحلة النهائية من التحليق، يرفع بشكل كبير من احتمالية إصابة الهدف، مع تقليل احتماليات الاعتراض أو التشويش، ما يعزّز فعّالية هذا النوع من الصواريخ، الذي إن اضفنا إليها، دمج قدرات صواريخ "توماهوك" الجوّالة على القطع البحرية اليابانية، فإنّ هذا سيمثّل تحوّلاً حاسماً نحو تعزيز قدرات الردع الصاروخي اليابانية الكليّة، سيساهم تدريجياً في توسيع نطاق قدرة اليابان على استهداف مصادر التهديد البعيدة في جميع أنحاء شمال شرق آسيا.