حكام برلين.. صهاينة أكثر من نتنياهو!
موقف برلين الرسمي هذا والمنحاز بشكل مطلق لـ"تل أبيب" في عدوانها على غزة وضد لبنان وإيران ليس جديداً بالنسبة للحكومة الائتلافية التي تضم المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي برئاسة ميرتس.
-
موقف برلين الرسمي منحاز بشكل مطلق لـ"تل أبيب".
بعد شهر من الفوز الذي حقّقه حزب اليسار في انتخابات ولاية العاصمة برلين والتي جرت في 20 أيلول/سبتمبر الماضي، حذّر المستشار الألماني ميرتس حزب الخضر والحزب الاشتراكي الديمقراطي من مغبة المساهمة في أيّ إتلاف حكومي جديد. وقال ميرتس "نحن نعيش في زمن يقوم فيه حزب اليسار المتطرّف في برلين بالتحريض علناً وبلا خجل للعداء ضدّ اليهود وضدّ الشرطة وضدّ حقّ إسرائيل في الوجود. ويبدو أنّ الحزب الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر في طريقهما لمساعدة حزب اليسار للوصول إلى سدّة الحكم في برلين. وفي الوقت ذاته يعمل حزب البديل من أجل ألمانيا المتطرّف يوماً بعد يوم على زعزعة استقرار ألمانيا والتخلّي عن أوكرانيا ونشر الرواية الروسية وعزل ألمانيا".
وبعد أسبوعين من كلام المستشار ميرتس هذا خرج الرئيس الألماني شتاينماير (أدّى دوراً في تدمير سوريا عندما كان وزيراً للخارجية فكوفئ وأصبح رئيساً للجمهورية)، وهو يضع على رأسه القبعة اليهودية ليتبنّى ما تحدّث عنه ميرتس وهذا المرة بدفاع مستميت عن اليهود واليهودية. وقال "هناك كراهية لليهود تتنكّر على شكل نقد أو احتجاج، أو كموقف سياسي من الصراع في الشرق الأوسط. وأيّ شخص يستخدم النقد كوسيلة لإنكار حقّ المجتمع اليهودي في إسرائيل، أو حتى حقّ دولة إسرائيل، في الوجود، أو يدعو إلى العنف، فقد عبر الخط الفاصل نحو كراهية اليهود. فقد تمّ قتل ستة ملايين يهودي على يد الألمان، وبأوامر من الألمان، أمام أعين الألمان. فمن هو وطني، ومن يريد أن يدافع عن الحرية والمساواة والكرامة الإنسانية، يجب أن يقف إلى جانب اليهود في الحياة اليومية. ومن يهتف “الموت لليهود” في الشوارع أو يطالب بإبادة الدولة اليهودية يجب ألّا يجد أيّ تفهّم أو تصفيق في أيّ حزب سياسي. وحيثما تُجرى مفاوضات الائتلافات وتُشكَّل الحكومات، يجب أن يكون هذا الموقف شرطاً أساسياً ويجب عدم السماح للعنصرية ومعاداة السامية بأن تؤثّر على سياسة الحكومة في أيّ مكان في ألمانيا".
مساعي ميرتس وشتانماير تهدف لمنع حزبي الخضر والاشتراكي الديمقراطي من المساهمة في ائتلاف حكومي مع حزب اليسار الذي تتزعّمه التركية /الألمانية أليف أر آلب وحصل على 24.5% من أصوات الناخبين في ولاية العاصمة برلين متقدّماً بذلك على الاتحاد الديمقراطي المسيحي (20%) وحزب البديل من أجل ألمانيا (16%) وحزب الخضر (15%) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (12%) .
وسبقت هذه المساعي حملة إعلامية شرسة تبنّتها وسائل الإعلام التي تسيطر عليها اللوبيات اليهودية والتي تتهم حزب اليسار وقياداته "بالعداء لليهود ودولة إسرائيل والتضامن مع حماس وحزب الله وإيران" وبحجة أنّ هذه القيادات "تبنّت العديد من الشعارات والخطابات المتضامنة مع الشعب الفلسطيني واللبناني والإيراني والتصدّي لسياسات العدوان الهمجية التي تنتهجها إسرائيل وأميركا ضدّ إيران وفلسطين ولبنان واليمن" .
وترى قيادات أحزاب اليمين التقليدية بل وحتى الدستور والقوانين الألمانية في هذه المواقف أسلوباً خطيراً في معاداة السامية. ودعت هذه الحملة قيادات حزب الخضر والاشتراكي الديمقراطي للتهرّب من أيّ تحالف مع حزب اليسار وإلى أن يعلن رسمياً "أنه يحترم حقّ إسرائيل في الوجود كدولة ويرفض أشكال العداء للسامية كافة". وهو ما رفضته زعيمة الحزب أر آلب وقالت "إنّ التصدّي للعدوان الإسرائيلي والأميركي على الشعب الفلسطيني أو لبنان وإيران لا علاقة له بالعداء للسامية بل هو موقف واضح ضدّ سياسات إسرائيل المتهمة في محكمة الجنايات الدولية بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية في غزة".
معاداة حكّام برلين التقليديين لليسار المعادي للإمبريالية والصهيونية العالمية وولائهم لحكّام "تل أبيب" من مختلف الأحزاب الدينية والصهيونية والعنصرية، كان واضحاً أيضاً عندما عبّروا عن قلقهم من فوز حزب البديل من أجل ألمانيا (مقالي في 9 أيلول/سبتمبر بعنوان: فوز اليمين في ألمانيا.. هل تنتهي أكاذيب المحرقة؟) في انتخابات ولاية ساكسونيا (5 أيلول/سبتمبر) بنسبة 44.5% مقابل 18.5% لحزب ميرتس المسيحي الديمقراطي الحاكم في برلين وفي ولاية ميكلينبورغ بنسبة 38% مقابل 35% للاشتراكي الديمقراطي.
حيث اتهم آنذاك قيادات البديل من أجل ألمانيا بإحياء الشعور العدائي لليهود من خلال الحديث عن ضرورة كتابة تاريخ ألمانيا وحقبة هتلر بالذات من جديد. موقف برلين الرسمي هذا والمنحاز بشكل مطلق لـ "تل أبيب" في عدوانها على غزة وضدّ لبنان وإيران ليس جديداً بالنسبة للحكومة الائتلافية التي تضمّ المسيحي الديمقراطي والاشتراكي الديمقراطي برئاسة ميرتس.
إذاً سبق للحكومة الائتلافية التي كانت تضمّ العام الماضي الاشتراكي الديمقراطي وحزب الخضر أن اتخذت موقفاً تضامنياً مع "تل أبيب" بالقول والعمل ومن خلال إرسال كلّ أنواع الأسلحة إلى الكيان الصهيوني واستخدمها في حرب الإبادة ضدّ الشعب الفلسطيني في غزة ولبنان.
وكان كلّ ذلك في إطار مساعي هذه الحكومات الألمانية لتأكيد التضامن العاطفي التقليدي مع اليهود بحجّة ما عانوا منه في عهد هتلر، وهو ما كان واضحاً في خطاب شتاينماير الأخير الذي كرّر أكذوبة الصهاينة في إبادة ستة مليون يهودي من قبل هتلر.
وهو ما كذّبه الكثير من العلماء والمؤرّخين الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين والألمان والكنديين ومعظمهم من اليهود الذين تحدّثوا عن تفاصيل العلاقة بين هتلر ورجال الأعمال اليهود في ألمانيا وأميركا وأوروبا والذين دعموا هتلر طيلة سنوات الحرب العالمية الثانية.
ومن دون أن يخطر على بال الرئيس شتاينماير أنّ عدد اليهود الذين تحدّث عنهم أقلّ بكثير من عدد ضحايا العدوان الهتلري على الاتحاد السوفياتي والذين زاد عددهم عن عشرين مليوناً. وهو ما لم يبالِ به شتاينماير وأمثاله من حكّام أوروبا الذين استنفروا كلّ إمكانياتهم لمعاداة روسيا وكأنّ حكّام برلين وباريس يريدون أن ينتقموا منها بعد أن هزمت زعماءهم من أمثال هتلر ونابليون. كما هم استنفروا كلّ إمكانياتهم ومعهم الغرب الإمبريالي برمّته لتدمير الجغرافيا العربية خلال ما يسمّى بـ "الربيع العربي" الذي لم يخدم سوى الحسابات والمشاريع والمخططات الإسرائيلية وبالتواطؤ مع العديد من حكّام المنطقة. ويفسّر كلّ ذلك الاهتمام الألماني والفرنسي بحكّام دمشق الجدد إذ كانت وزيرة الخارجية الألمانية السابقة بربوك وهي زعيمة حزب الخضر أول من زارت سوريا والتقت مع الشرع، وكان ماكرون أول من استقبله في قصر الإليزيه وبعد أن احتضنه الرئيس ترامب في الرياض وبناءً على طلب محمد بن سلمان والرئيس إردوغان،على حدّ قوله!.