تونس من التدابير الاستثنائية إلى الاحتجاجات الشعبية

التدابير الاستثنائية في تونس تفشل ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات وتصاعد الاحتجاجات الشعبية المطالِبة بإسقاط النظام.

0:00

      

  • تونس من التدابير الاستثنائية إلى الاحتجاجات الشعبية
    تونس من التدابير الاستثنائية إلى الاحتجاجات الشعبية

تدحرجت الأزمة في تونس من الانغلاق السياسي والتردي الاقتصادي إلى الاحتجاجات والنزول إلى الشارع، وارتفع سقف المطالب من تحسين الظروف المعيشية والاقتصادية إلى المطالبة بإسقاط النظام. كان بالإمكان الذهاب إلى إجراءات وخطوات تحول دون ذلك، لكنه الإنكار والعناد. وكنت قد كتبت مقالاً في "الميادين نت" بعنوان: "تونس: المشهد على حافة المواجهة"، وكان ذلك في 23 تشرين الثاني 2025. كان الاحتقان آنذاك يتعلق بالانسداد السياسي وإغلاق أبواب الحوار بين السلطة والمعارضة وقضية الاعتقالات السياسية، وكان التقدير بأن عناد السلطة سيُفضي بتونس إلى الوقوف على الحافة، لكن المشهد تدحرج إلى الاحتجاجات. والسؤال: لماذا لم تستشعر السلطة مخاطر الوقوف على الحافة وتحُل دون التدحرج إلى المواجهة والنزول إلى الشارع؟ ولماذا أفضت التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد قبل خمس سنوات إلى احتجاجات شعبية؟

نجح الشعب التونسي في تقديم نموذج ثوري مُلهم، بكل تفاصيله، وسمعت كل العواصم العربية والعالمية هتافات: "بن علي هرب" و"لقد هرمنا". كانت تلك الهتافات أيقونة الثورة التونسية، وكان الشعب وقودها ورصيدها. ولكن، من شأن الأنظمة السياسية أنها لا تفهم الشعوب إلا متأخراً. ولا يقتصر سوء التقدير هذا على أنظمة سقطت، بل امتد إلى أنظمة قائمة كانت قد اتخذت كل ما يلزمها من إجراءات وخطوات لضمان الترويض وتأميم المشهد بكل مكوناته، وهذا عين ما فعله الرئيس قيس سعيّد من تدابير استثنائية في 25 تموز/يوليو 2021.

تأخر الرد الشعبي على التدابير الاستثنائية، لكنه لم ينزوِ، لأن الوعي السياسي للشارع التونسي أراد إعطاء النظام كل ما يلزمه من وقت ليستنهض الحالة الاقتصادية والاجتماعية. وعندما مرت خمس سنوات عجاف، قرر الشعب التونسي اختيار التوقيت المناسب والذكرى الرمزية لينزل إلى الشارع معلناً موقفه. وفي 25 تموز/يوليو 2026، في الذكرى الـ69 لإعلان الجمهورية التونسية، والذكرى الخامسة للانقلاب على الدستور، وبعد سبع سنوات من حكم الرئيس قيس سعيّد، نزل الناس إلى الشارع غضباً واحتجاجاً على السلطة، ونتيجة لتردي الأوضاع الاقتصادية وتراجع الحقوق والحريات وانقطاع المياه والكهرباء. واللافت رفْعُ المحتجين شعارات: "شغل حرية كرامة وطنية"، و"لا خوف لا رعب الشارع ملك الشعب"، و"حصيلة 7 سنوات من الحكم: فقر وظلم ومديونية وخطابات شعبوية"، و"حرية حرية"، وأيضاً "الشعب يريد إسقاط النظام". وتلك شعارات لها مدلول يتجاوز الوقوف على الحافة، ولا يقبل الوقوف في المنطقة الوسطى.

في مشهد يُعيد الذاكرة إلى الثورة، تظاهر آلاف التونسيين في شارع الحبيب بورقيبة وسط العاصمة احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في البلاد، وما وصفوه بسوء الإدارة، وهو نتيجة حتمية وطبيعية بدأت تتشكل منذ ذهاب الرئيس قيس سعيّد إلى التدابير الاستثنائية التي شملت تجميد عمل البرلمان ثم حلّه لاحقاً، وإدارة البلاد بالمراسيم الرئاسية وصوغ دستور جديد وضع كل الصلاحيات في يد رئيس الجمهورية، وتأميم السلطة القضائية، وتزايد الاعتقالات السياسية. انقسم التونسيون منذ ذلك الحين بين من يُناصر الرئيس ويدعم إجراءاته، وبين من يرى فيها انقلاباً على الديمقراطية، ولكن الاحتجاجات، على ما يبدو، أنهت الانقسام، واتفق الطرفان على أن الأوضاع التي وصلت إليها تونس لا تقبل الصمت والسكوت. والمفارقة أنه بدلاً من الذهاب إلى المعالجة والحلول والحوار، انزوى الرئيس قيس سعيّد وغاب تماماً، حتى بات الشارع التونسي يتساءل: أين الرئيس؟! بالمقابل، لم تكتفِ الرئاسة التونسية بالتجاهل وإنكار الأزمة، بل قررت، عندما ظهرت الاحتجاجات، شيطنة المطالب والاحتجاجات، وتوعّد الخصوم وإلقاء اللوم على الطرف الثالث.

في توصيف الرئيس قيس سعيّد، فإن "ما يحصل من قطع للماء والكهرباء، فضلاً عن الحرائق، يمثل ظواهر غير عادية، والدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام كل من يسعى إلى التنكيل بالمواطنين وتأجيج الأوضاع". وبدلاً من تقديم الحلول الفورية للقضايا الحياتية اليومية، يراهن الرئيس "على الوعي العميق للشعب التونسي الذي ستتحطم على أسواره كل محاولات التنكيل مهما كان مصدرها ومهما اشتدت ضراوتها". وهذا يعني أن المسافة تتسع بين الرئاسة والشارع، وأن فهم الاحتجاجات وأسبابها لم يأتِ بعد، وقد يأتي متأخراً، وقد لا يأتي إلا عقب ثورة جديدة.

لم تفلح التدابير الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد، ولم تنجح في تغيير مسارات البلاد السياسية والاقتصادية، ولم يشعر المواطن التونسي بجدواها. لذلك، قرر النزول إلى الشارع، وهو ليس نزولاً طارئاً وليد اللحظة، بل ولادة طبيعية لسنوات من تراكم الأزمات اليومية المعيشية، والانهيار الاقتصادي المتفاقم، والتراجع الديمقراطي، وقمع المعارضة، والاستبداد السياسي، والتضييق على الحريات. بالتالي، فإن هذه الأسباب كلها أفضت إلى نهاية طبيعية ونتيجة حتمية، هي النزول إلى الشارع والاحتكام إليه.

وما بين فقدان الشارع التونسي الثقة في الرئاسة، وإنكار الرئاسة للواقع الحاصل، وتآكل الرهان على خيار الرجل الواحد، وبعد أكثر من خمس سنوات من التدابير الاستثنائية التي كرست الحكم الفردي، وصل المشهد التونسي إلى نهايته، وخرج الناس للاحتجاج الذي تدحرج باكراً، وتحوّلت مطالبه من تحسين الظروف المعيشية إلى إنهاء منظومة الحكم الحالية وإسقاط النظام ورحيل قيس سعيّد، وهو ما يعني أن المشهد في تونس ذاهب إلى مزيد من الاحتجاجات، ولن يقبل العودة إلا بتغييرات كبيرة ومركزية ومفصلية تأخذ المشهد إلى أحد الاحتمالات التالية:

الاحتمال الأول: العسكرة الأمنية وشيطنة الاحتجاجات (القمع)؛ وهذا وارد جداً في ظل الظروف الحاصلة في تونس منذ التدابير الاستثنائية، وستذهب الرئاسة إلى إحكام قبضتها وإطلاق اليد للأجهزة الأمنية والقضائية لإجهاض الاحتجاجات، وقد تنجح، لا سيما في ظل تفكك المعارضة وعجزها عن جذب الشارع. هذا الاحتمال قد يجمد الاحتجاجات، لكنه لن يوقفها، وحدوث مواجهة سيعجل بانفجار الشارع، وهو احتمال يتجاهل أن الشعب التونسي قدم ثورة ونجح فيها، ولا مانع لديه من تكرارها.

الاحتمال الثاني: الذهاب إلى التسوية (الاحتواء)؛ تتحايل الرئاسة على الشارع، فتقرر، نتيجة اتساع الاحتجاجات وتدهور الأوضاع المعيشية، احتواء الاحتجاجات من خلال تقديم تنازلات وتسوية تعيد قنوات الاتصال والحوار بين السلطة والمعارضة، لتحميل الأخيرة جزءاً من الفشل والعجز، ولتأميم قدرتها على تحريك الشارع، وقد تفرج السلطة عن بعض المعتقلين. ولكن هذا الاحتمال متأخر جداً، وكان ممكناً قبل نزول الناس إلى الشارع. ثم إن هذا الاحتمال يرى أن المعارضة هي التي تقود الاحتجاجات، وهذا غير صحيح، لأن الاحتجاجات تجاوزت المعارضة ولا يمكن احتواؤها.

الاحتمال الثالث: أن يبقى المشهد يدور في دائرة مفرغة (الاستنزاف)؛ احتجاجات دورية تواجهها السلطة بالتضييق، بمعنى ألا تنجح هذه الاحتجاجات في التغيير، وتبقى مجرد احتجاجات ضيقة تستطيع السلطة التعايش معها واستيعابها، ما يؤدي إلى استنزاف الطرفين من دون حسم لأي طرف. هذا الاحتمال يعني استمرار الاستقطاب بين السلطة والشارع، ويعني استمرار الأزمة حتى الوصول إلى لحظة الانفجار.

ومن الواضح، وفق الاحتمالات السالفة، بأن المشهد في تونس ذاهب إلى المواجهة، وسقف الشارع رحيل الرئيس قيس سعيّد، والرجل باقٍ في موقعه متمسكاً به، متكئاً على الدستور ومراهناً على التدابير الاستثنائية، وهذا يُعقد المشهد ويضع الدولة على حافة التفكك. ويعني أن مستقبل الاحتجاجات متوقف على طبيعتها وحجم المشاركة فيها، وقدرتها على تجاوز التحديات، والأهم قدرتها على التوافق وتوحيد الصفوف وتقديم بدائل وحلول. إن إسقاط نظام الحكم أسهل بكثير من بناء نظام بديل، فهل تنتهي احتجاجات تونس بإسقاط النظام وتتوقف، أم ستتعلم الدرس وتكون قادرة على بناء نظام بديل قادر على تقديم إجابات للمواطن العادي؟