تهديد مصر باسم الرب: الوجه العاري للصهيونية الدينية

الأمم لا تُفاجأ فقط بالصواريخ التي تسقط عليها، بل أيضًا بالأفكار التي تسبق الصواريخ، وتمنحها اسمًا مقدسًا، وتكسوها بشرعية زائفة، ثم تدفعها إلى العالم كأنها قدر مكتوب لا جريمة موصوفة.

  • مصر في مرمى الاستدعاء العقائدي.
    مصر في مرمى الاستدعاء العقائدي.

ليست المسألة هذه المرة مقالًا عابرًا، ولا رأيًا منفلتًا يمكن المرور عليه ببرود. نحن أمام نص تهديدي صريح، منشور في صحيفة إسرائيلية واسعة الانتشار، يخاطب المصريين مباشرة، ويقول لهم بوضوح فجّ: "رأيتم ما حدث لفارس الحديثة في عيد البوريم؛ فلا تعبثوا معنا في عيد الفصح".

هذه العبارة وردت في ختام مقال للحاخام ستيوارت فايس، نُشر في قسم الرأي بصحيفة "جيروزاليم بوست" يوم 14 مارس/آذار 2026.

هذا ليس مجرد كلام مستفز. إنه إشهار نيات.

وليس خطابًا سياسيًا بالمعنى المألوف، بل هو خطاب ديني مسلّح، يخلع على التهديد هيئة عقيدة، ويصبغ العدوان بصبغة طقسية، ويحوّل الحرب من قرار بشري آثم إلى ما يشبه "الفعل المقدس" في وعي أصحابه.

تهديد يخرج من عباءة النص

الأخطر في عبارة فايس أنها لا تنطلق من منطق الدول، ولا من لغة الردع المعروفة، ولا حتى من حسابات الصراع الإقليمي كما تفهمها الدبلوماسية أو الاستراتيجيا.

الرجل لا يرى مصر كما هي: دولة حديثة، ذات سيادة، وتاريخ، وجيش، وموقع، وثقل. بل يستدعيها من خزان رمزي قديم، ويعيد تركيبها داخل المخيال التوراتي بوصفها "مصر" التي يجب أن تبقى في موقع العدو التاريخي المستحق للعقاب. هنا تقع الفضيحة الفكرية والأخلاقية كاملة.

فحين تُسحب المنطقة من خرائطها السياسية والقانونية، وتُلقى داخل خرائط الأسطورة، لا يعود الجار جارًا، ولا الدولة دولة، ولا الشعب شعبًا. يتحول الجميع إلى شخوص داخل قصة دينية يتوهم أصحابها أنهم مخوّلون بإعادة تمثيلها على أرض الواقع كلما امتلكوا فائض قوة، أو غطاءً أميركيًا، أو نشوة انتصار. والكاتب لا يكتفي باستدعاء "فارس" و"البوريم" و"الفصح"، بل يربط ذلك صراحة بما جرى لإيران الحديثة، ثم يوجّه رسالته إلى المصريين بصيغة إنذار مباشر.

حين يتكلم الحاخام بلسان الصاروخ

مقال فايس لا يكتفي بالتهديد الرمزي. هو يحتفي أيضًا باستخدام القوة الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، ويمدح دونالد ترامب لأنه منح "إسرائيل" ضوءًا أخضر أوسع في الحرب، ويصفه بأنه يقوم بـ"عمل الله". هذا ليس تحليلًا سياسيًا، بل لاهوت حرب كامل البنية، تدخل فيه السماء إلى غرفة العمليات، ويُقدَّم فيه القرار العسكري كأنه تنفيذ لوظيفة عليا، لا لاعتبارات القوة والمصلحة وحدها.

وهنا، يصبح الخطر أشد فتكًا. لأن القنبلة، حين تُحمّل بعقيدة، تصير أكثر توحشًا. ولأن الحرب، حين تُمنح معنى خلاصيًا، تتجاوز حدود الحساب العقلاني إلى منطقة الهوس. ولأن الذي يرى نفسه منفذًا لوعد مقدس، لا ينظر إلى الدم بالطريقة التي ينظر بها البشر الأسوياء.

ليس هامشًا معزولًا

قد يقال: هذا مجرد مقال رأي، وليس بيانًا رسميًا من الحكومة الإسرائيلية. وهذا صحيح شكليًا، ولا يجوز تجاهله. لكن التمسك بهذا الجانب وحده نوع من التذاكي البارد.

فالمقال لم يُنشر في نشرة مجهولة أو منصة هامشية، بل في "جيروزاليم بوست"، إحدى أبرز الصحف الإسرائيلية الناطقة بالإنكليزية. والكاتب ليس اسمًا طارئًا، بل يُقدَّم بصفته مدير مركز يهودي دعوي في رعنانا. معنى ذلك أننا لسنا أمام هذيان فردي في زاوية معتمة، بل أمام خطاب يجد منصة، وشرعية نشر، وجمهورًا، وسياقًا ثقافيًا يسمح له بأن يخرج إلى العلن من دون حرج.

وهذه هي النقطة التي يجب الإمساك بها بقوة: الخطر ليس فقط في المقال، بل في المناخ الذي يسمح لهذا المقال أن يُكتب، ويُنشر، ويُتداول، كأنه أمر طبيعي.

حدود النص لا حدود الدول

هذا التيار لا يرى الحدود كما تراها القوانين الدولية، ولا كما تعرفها خرائط الأمم المتحدة، ولا كما يفهمها العالم الحديث.

إنه يرى حدود النص؛ أي الحدود التي ترسمها ذاكرة دينية متطرفة لنفسها، ثم تتعامل مع الجغرافيا الراهنة باعتبارها تفصيلًا مؤقتًا أو عائقًا يجب كسره. لذلك فإن مصر، وإيران، وغيرهما، لا تظهر في هذا الوعي بوصفها دولًا ذات سيادة، بل بوصفها أسماء داخل سردية أقدم، يمكن استدعاؤها كلما قررت العقيدة أن تخلط التاريخ بالحرب، والأسطورة بالدم.

في مثل هذا المخيال، لا تكون الأعياد مناسبات روحية، بل محطات تعبئة. ولا تكون القوة وسيلة دفاع، بل أداة تأديب. ولا يكون الخصم طرفًا سياسيًا، بل مادة لعقاب رمزي يطلب أصحابه أن يلبس ثوب المشيئة العليا.

ما بعد نتنياهو

إن أخطر ما يكشفه نص فايس أنه ينسف الوهم القائل إن مأساة المنطقة كلها تختصر في شخص بنيامين نتنياهو. صحيح أن نتنياهو هو التعبير الأشد وقاحة عن هذه البنية، لكنه ليس كل البنية.

فالمقال يكشف، بلا مواربة، أن هناك تيارًا أعمق من الأشخاص والحكومات، يرى في القوة العسكرية أداة لكتابة التاريخ، وفي الدين خزانًا للشرعية، وفي الحرب وسيلة لإتمام سردية خلاصية. والكاتب يستدعي أيضًا حربي 1956 و1973 في سياق تمجيد القوة الإسرائيلية ودعم ترامب، بما يؤكد أن الماضي، في هذا الوعي، ليس خبرة تاريخية للتعلم، بل ذخيرة للاستدعاء والتحريض والتعبئة.

من هنا، فإن التعويل الساذج على أن رحيل نتنياهو وحده سيطفئ هذا الحريق ليس إلا تعويلًا على الوهم.

المشكلة أعمق: بنية فكرية مؤسسية، لا مجرد زعيم مأزوم.

وعقل عقائدي يرى في الهيمنة قدرًا، وفي العدوان رسالة، وفي الدم وسيلة لتأكيد الذات.

مصر في مرمى الاستدعاء العقائدي

حين تُذكر مصر بهذه الصيغة، وفي هذا السياق، فلا يجوز التعامل مع الأمر كأنه انزلاق إنشائي. المسألة أخطر من ذلك.

إنها تكشف أن مصر حاضرة في وعي بعض الدوائر الصهيونية المتطرفة باعتبارها ليست فقط دولة كبرى في الإقليم، بل أيضًا اسمًا ثقيلًا في بنك الرموز العدائية القديمة. وهذا معناه أن المواجهة ليست عسكرية أو سياسية فقط، بل أيضًا مواجهة مع بنية ذهنية تحاول أن تسحب مصر من حاضرها إلى صورة أسطورية مصنوعة مسبقًا، لتعيد إدخالها في مشهد تهديدي قائم على الاستدعاء الديني.

وهنا يجب أن نكون واضحين: هذا المقال لا يعلن حربًا رسمية على مصر، لكنه يكشف ما قد يكون أخطر من إعلان الحرب نفسه:

يكشف العقل الذي يهيئ للتهديد، واللغة التي تشرعن العدوان، والمخيال الذي يحوّل تدمير الآخر إلى طقس رمزي مستساغ.

الأقنعة سقطت

ما كتبه ستيوارت فايس ليس رأيًا يمكن شطبه بعبارة: "متطرف آخر قال كلامًا متطرفًا". هذا تبسيط كسول لا يليق بلحظة الخطر. الأدق أن نقول: هذا النص يكشف طبقة عميقة في الوعي الصهيوني الديني-السياسي، حيث يلتقي الحاخام بالمدفع، وتتقاطع النبوءة مع غرفة العمليات، ويُقدَّم السلاح بوصفه أداة تنفيذ لما يعتقد أصحابه أنه تكليف أعلى.

وعندما تصل اللغة إلى هذه الدرجة من التوحش العقائدي، يصبح واجبنا ألا ننشغل فقط بما قيل، بل بما هو أعمق:

كيف صار هذا الكلام ممكنًا؟ كيف أصبح منشورًا، ومتداولًا، ومتاحًا في المجال العام الإسرائيلي، من دون أن يبدو شاذًا أو فاضحًا أو خارجًا على المألوف؟

أي بيئة هذه التي لم تعد ترى في تهديد مصر بلغة دينية وقحة فضيحة، بل رأيًا صالحًا للنشر والنقاش؟

ذلك هو السؤال الحقيقي.

لأن الأمم لا تُفاجأ فقط بالصواريخ التي تسقط عليها، بل أيضًا بالأفكار التي تسبق الصواريخ، وتمنحها اسمًا مقدسًا، وتكسوها بشرعية زائفة، ثم تدفعها إلى العالم كأنها قدر مكتوب لا جريمة موصوفة.

ولهذا تحديدًا، فإن المطلوب ليس ذعرًا أجوف، ولا تهويلًا مجانيًا، بل يقظة على مستوى الخطر: يقظة سياسية، وإعلامية، وثقافية، وأمنية، تدرك أن ما جرى ليس مجرد انفعال على ورق، بل هو عرض كاشف لبنية ترى في تدميرنا احتمالًا مشروعًا، وفي إذلالنا لغة ردع، وفي العدوان علينا مادة تصلح لأن تُغلّف بالدين وتُقدَّم للجمهور كأنها ضرب من ضروب العبادة.

لقد سقطت الأقنعة.

ولم يعد من حق أحد أن يتذرع بسوء الفهم.

فنحن لا نواجه فقط عدوًا يقتل، بل عدوًا يريد أن يجعل من القتل عقيدة، ومن التهديد نصًا، ومن الحرب طقسًا.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.