تهديد ترامب بضرب مراكز الطاقة في إيران.. بعيونٍ إسرائيلية!

ماذا بالنسبة إلى"إسرائيل"، وأين هي من هذا التصعيد الجديد من طرف الرئيس ترامب، وهل من مصلحتها أن يُنفّذ الرئيس الأميركي تهديده؟

0:00
  • الحرب من وجهة نظر واشنطن لم تعد تقتصر على تقويض القدرات العسكرية والنووية الإيرانية.
    الحرب من وجهة نظر واشنطن لم تعد تقتصر على تقويض القدرات العسكرية والنووية الإيرانية.

يمثل التهديد الذي أطلقه الرئيس ترامب الليلة الماضية تصعيداً جديداً وخطيراً في الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة و "إسرائيل" ضد إيران منذ أكثر من ثلاثة أسابيع.

فالإنذار الذي وجّهه ترامب إلى طهران، بفتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة، وإلا التهديد بضرب البنية التحتية الكهربائية الرئيسية في إيران في حال عدم الاستجابة؛ يُظهر أن الحرب، من وجهة نظر واشنطن، لم تعد تقتصر على تقويض القدرات العسكرية والنووية الإيرانية فحسب، بل باتت في هذه المرحلة تتعلق أيضاً بمسألة الردع ومصداقية الرئيس ترامب.

ويبدو، في خلفية الإنذار، أن الرئيس ترامب يواجه مأزقاً استراتيجياً مع تضاؤل فرص تحقيق "نصر ناجز" في الحرب الحالية ضد إيران، رغم القوة العسكرية الغاشمة التي لدى الولايات المتحدة، يُمكّنُه من إعلان نهاية الحرب والانتصار.

وبات من الواضح كذلك، أن البيت الأبيض لا يتصرف وفقاً لمنطق التصعيد فحسب، بل تحت ضغطٍ داخلي وعالمي لكبح جماح ارتفاع أسعار الطاقة وما يترتب عليه من تداعيات سياسية داخلية. 

يشكّل التهديد بهذا النوع من الأسلحة الاقتصادية والطاقية من البيت الأبيض تصعيداً كبيراً في التدخل الأميركي المباشر في الصراع. ومع ذلك، لا يُشير الإنذار بالضرورة إلى أن ترامب قد اختار مسار التصعيد الكامل، بل من المحتمل أنه يسعى أولاً وقبل كل شيء إلى تعظيم التهديد نفسه عبر ممارسة الضغط على إيران، وإظهار العزم تجاه شركائه وخصومه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية المناورة بين فرض القوة العسكرية، أو الاحتواء الجزئي، أو الضبط المحدود. 

على المقلب الآخر، يبدو أن النظام الإيراني، الذي لم ينهر حتى اللحظة، لا يزال، حتى بعد الضربات القوية لقدراته، قادراً على العمل والرد والتصعيد، ولا يبدو أنه الآخر يتبنى نهج الاحتواء، بل يلجأ إلى التصعيد المضاد.

لذلك، لم يطل رد إيران على الإنذار الأميركي، وتضمن تهديداً صريحاً بإلحاق الضرر بالبنية التحتية الأميركية وبنية حلفائها الإقليميين، إذ أبدت طهران، التي ترى أن ترامب يُطلق هذه التهديدات في محاولة للخروج من المأزق الاستراتيجي الذي وضع نفسه فيه، إصرارها كما استعدادها لتوسيع نطاق هجماتها عبر استهداف منشآت الطاقة في الخليج، واستمرار إطلاق الصواريخ تجاه البنية التحتية للطاقة في "إسرائيل". 

وبهذا المعنى، تتخذ الحرب طابعاً متزايداً من التصعيد المتبادل؛ فكل تصعيد من جانب واشنطن أو "تل أبيب" يُقابل بمحاولة إيرانية لإثبات قُدرة طهران على إلحاق الضرر وتعطيل الحياة وفرض أثمان باهظة على الطرفين، الأميركي والإسرائيلي، ما يعني أن الحرب الحالية لم تعد مقتصرة على الأسلحة النووية أو حرية الملاحة أو أسعار النفط، بل أصبحت أيضاً اختباراً للمصداقية والقدرة على الصمود والردع. 

لكن، ماذا بالنسبة إلى ـ"إسرائيل"، وأين هي من هذا التصعيد الجديد من طرف الرئيس ترامب، وهل من مصلحتها أن يُنفّذ الرئيس الأميركي تهديده؟

ربما من المناسب، لفهم الموقف الإسرائيلي، أن نعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء حين هاجمت "إسرائيل" مرتين مرافق النفط والطاقة في إيران، وجرى تحذيرها ومنعها مرتين كذلك من قِبل الولايات المتحدة؛ الأولى حين حذرها السناتور الجمهوري ليندسي غراهام بضرورة توخي الحذر حين تهاجم أهدافاً في إيران بعد أن قصفت مستودعات للنفط، والثانية، حين أعلن ترامب صراحةً أنه طلب من نتنياهو أن يمتنع عن قصف منصات الغاز بعد أن شنت "إسرائيل" هجوماً على حقل غاز "بارس" الجنوبي وردّت طهران بقصف حقل غاز في قطر.    

اعتبر المراقبون حينها، أن السلوك الإسرائيلي يؤشر بشكل واضح إلى رغبة إسرائيلية محمومة في استدراج الولايات المتحدة للانتقال خطوة إلى الأمام في التصعيد، عبر استهداف مرافق للبنية التحية المدنية للطاقة ذات التأثير المباشر على حياة الإيرانيين وليس النظام فحسب، في محاولة لدفعهم، تحت وطأة الحاجة، إلى الخروج على النظام، خاصةً بعد أن عجزت الضربات المتلاحقة على البنية الأمنية والعسكرية للدولة أن تقود إلى ذلك.

هذه الخطوة التي ظل ترامب يتجنبها على اعتبار أن مرافق الطاقة والكهرباء والماء تخدم الشعب الإيراني ولم يشأ في هذه المرحلة "إيذاءه"، خاصةً أن الولايات المتحدة شنت حرباً كانت إحدى ذرائعها "الانتصار للشعب الإيراني المقهور وتحريره من الطغاة".

الأمر الآخر الأهم، هو أن الولايات المتحدة ترى أن بقاء مرافق الطاقة الحيوية هذه، يُمكن الاستفادة منه في إطار العمليات الاقتصادية والتجارية المزمعة مع النظام الجديد في إيران، حال سقوط النظام الحالي.

ومع اقتراب انتهاء مهلة الإنذار التي حدّدها ترامب، تُبدي "إسرائيل" رغبة بتنفيذ هجوم واسع على منشآت الطاقة في إيران، وتُظهر دعماً كبيراً لهذه الخطوة رغم العواقب المتوقعة عليها في ظل التهديد الإيراني بالرد على مراكز الطاقة الحيوية الإسرائيلية، خاصة في ظل عجز "إسرائيل" المتزايد عن التصدي للصواريخ الإيرانية التي تستهدفها.

لكن هذه المخاوف لم تقلل من حماسة "إسرائيل" لخطوة ترامب التي ترى أنها، إن نُفّذت، فإن لدى "إسرائيل" المقدرة على التعامل مع التحديات والتداعيات التي تترتب عليها.

يستند "الشغف" الإسرائيلي بخطوة الرئيس ترامب، إلى القناعة بأن منظومات الاعتراض الإسرائيلية ستكون قادرة على التعامل مع غالبية الصواريخ الإيرانية التي قد تستهدف بُنى الطاقة لديها، كما سبق أن فعلت، حتى اللحظة، منذ بداية الحرب، وإن ليس بصورة مُطلقة.

وفي أسوأ الأحوال، وفيما لو أصيب بعض هذه البُنى بفعل الصواريخ الإيرانية، فإن الثمن المترتب على هذه الاستهدافات، لا يقارن بقيمة الإنجازات التي قد تحصدها "إسرائيل" في حال توسعت الحرب بما يسرع تحقيق الهدف الإسرائيلي "الأسمى" بإسقاط النظام الإيراني.

أما الشق الآخر من المقاربة الإسرائيلية، فيقوم على فكرة أن إيران، وتوازياً مع ضرب بعض الأهداف الطاقوية الإسرائيلية، ستصب جام غضبها على مصادر الطاقة لدى حلفاء واشنطن في الخليج، ما يعني الزجّ بهذه الدول في أتون المواجهة وربما يدفعها إلى الاصطفاف العلني مع "إسرائيل" والولايات المتحدة في هذه المواجهة، بما يوسع الائتلاف المناوئ لإيران ويضمن نصراً سريعاً عليها!.     

‏لكن السؤال المطروح إسرائيلياً، هل هذا إنذار حقيقي أم محاولة من طرف ترامب لتصعيد المواقف تمهيداً لمفاوضات محتملة؟

ويبدو للإسرائيليين أنه إنذار غريب نوعاً ما، فإذا كان ترامب قد اتخذ قراراً فعلياً باستهداف ما يُسمى أصول الشعب الإيراني، أي البُنى التي يُفترض أن تبقى بعد سقوط النظام، فإن ضرب محطات توليد الكهرباء التي تُغذي المستشفيات والمنازل ليس منطقياً، خاصة في مجتمع مؤدلج.

ثم، لو كان الهدف التصعيد فعلاً، ألم يكن الأولى استهداف جزيرة خرج، مركز صناعة النفط، أو السماح لـ"إسرائيل" بضرب منشآت الغاز!.

لذلك، قد يكون ما يجري، وفق الفهم الإسرائيلي، محاولة غير مباشرة للدفع نحو مفاوضات ثم التراجع مقابل مكاسب معينة. لكن مشكلة هذا الاستنتاج أن الطرف الآخر، الإيراني، لا يبدو مستعداً للتفاوض، ولا توجد مؤشرات، حتى الآن، على أن هذا المسار قد يؤدي إلى اختراق حقيقي أو أنه يؤثر بشكل ملموس على الإيرانيين.

زد على ذلك، أن أكثر القضايا إثارة للقلق الإسرائيلي هي هذا التناقض في تصريحات الرئيس الأميركي، فقبل يوم واحد فقط من الإنذار، تحدث ترامب عن إمكانية تهدئة الوضع، ثم غرّد بعدها أنه "أزال إيران عن الخارطة وقضى على قادتها"!. ثم فجأة، ومن دون أي توضيح علني، أطلق تهديداً أشد خطورة، وأوقف العالم مشدوداً على حافة لحظة قد تتحول فيها حرب إقليمية إلى أزمة عالمية، إذ لم يعد السؤال ما إذا كان التصعيد سيحدث، بل إلى أي مدى سيصل.

يعلم ترامب جيداً أن إيران لن تفتح مضيق هرمز، تحت التهديد، لكنه يدرك كذلك أن قصف منشآت الطاقة الإيرانية لن يضر إيران فقط، بل سيرتد على حلفائه في الخليج وفق معادلة "الطاقة مقابل الطاقة" ومع ذلك، ربما يختار تنفيذ التهديد والتصعيد بدلاً من إنهاء الحرب، ويستمر في الهروب والصعود إلى أعلى الشجرة. فترامب ونتنياهو لا يمانعان حرق المنطقة بأكملها إرضاء لغرورهما وتحقيقاً لأهداف شخصية وسياسية وليذهب الجميع إلى الجحيم.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.