تهدئة تكتيكية أم تحوّلات استراتيجية؟ قراءة في هدنة الأسبوعين!
محور المقاومة قد حقّق إنجازا قلّ نظيره، وهو برغم ما قدّمه من تضحيات جِسام في مختلف الساحات، فإنه تمكّن من إنزال هزيمة ساحقة بكل أطراف محور الشر.
-
محور المقاومة قد حقّق إنجازا قلّ نظيره.
لم يكن مفاجئا أن يتراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب كما العادة عن تهديداته الصاخبة بتدمير البنى التحتية والخدمية في إيران، ولم يكن مُستغرباً أن يعلن عن وقف لإطلاق النار لمدة أسبوعين لإفساح المجال لبدء مفاوضات لإنهاء الحرب في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، حيث تشير التجربة مع هذا الرئيس على وجه الخصوص أنه شديد التقلّب، وفي كثير من الأحيان يأتي بغير ما يقول، بل إنه ينقلب على العديد من مواقفه السابقة لا سيّما تلك التي تحمل سقوفا عالية، كما كان الحال مع تهديده الأخير للجمهورية الإسلامية في إيران.
في المشهد الإيراني الذي لا يمكن البت بمآلاته حتى مع هذا الإعلان الأميركي المرتبك، تبقى الكثير من التفاصيل مجهولة وبحاجة إلى تسليط الضوء عليها اكثر، وما زالت المنطقة والعالم يقفان على قدم واحدة، وإن كان هناك انخفاض واضح في مستوى التوتّر الذي كان سائدا خلال الأيام والساعات الأخيرة ،ففي ظل التقلّبات التي اعتدنا عليها من ترامب وإدارته المتطرفة تبقى كل الاحتمالات مفتوحة،خصوصاً في ظل عدم رضا إسرائيلي عن هذا الاتفاق، وهو ما يتبدّى من تصريحات مجرم الحرب الفار من وجه العدالة بنيامين نتنياهو، والذي يحاول التقليل من آثار الانتكاسة التاريخية التي مُنيَ بها رفقة حليفه الأميركي، وفشله في تحقيق معظم أهداف الحرب العدوانية على إيران وباقي اطراف محور المقاومة في المنطقة.
يمكن لنا وبناء على ما أفرزته الحرب حتى وقتنا الحالي توقّع شكل المرحلة القادمة من الصراع بين محور المقاومة المقتدر والعنيد، وبين قوى الشر العالمية وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأميركية و "إسرائيل"، وهو توقّع يستند في الأساس على ما جرى خلال التسعة والثلاثين يوما الماضية، والتي تركت انطباعاً لا يمكن نفيه أو إنكاره عن حقيقة توازنات القوى في المنطقة، وعن حجم الإمكانيات التي يملكها كلا طرفي المواجهة، وكذلك مدى انعكاس وتأثير الجغرافيا على مجمل ما جرى من أحداث.
في هذا الإطار يمكن أن نشير إلى ثلاث احتمالات مُتوقّعة وممكنة، وإن كان كلاً منها بحاجة لبعض العوامل المساعدة لينضج ويصبح حقيقة على الأرض، يأتي في مقدمتها التوصّل لاتفاق كامل وشامل ومُستدام يشمل كل الجبهات التي كانت مشتعلة في الإقليم، خصوصا الجبهة الرئيسية في إيران، وجبهة لبنان، والتي نرى أن تأثيرها كان حاسما لناحية التوصّل إلى هذا الاتفاق المؤقت، وكذا الحال بما يتعلّق بجبهتي العراق واليمن.
المؤشرات على إمكانية حصول هذا الامر كثيرة وعديدة، منها الرغبة الأميركية الواضحة في وقف الحرب، بعد ما مٌنيت أقوى دولة في العالم به من خسائر فادحة سواء في الميدان رفقة حليفها الإسرائيلي، والذي فشلت فيه في تحقيق معظم أهدافها المتعلّقة بإسقاط النظام الإسلامي، والاستحواذ على النفط الإيراني، إلى جانب فتح مضيق هرمز، والذي تحوّل إلى أداة ضغط هائلة في يد الجانب الإيراني، إلى جانب الإخفاق السياسي الذي تبدّى في امتناع معظم حلفائها الغربيين عن المشاركة في العدوان، بل وفي منع القوات الأميركية من استخدام اجوائها او قواعدها العسكرية لشن ضربات ضد الأراضي الإيرانية.
إضافة إلى الرغبة الأميركية تأتي مواقف دول المنطقة المتخوّفة من توسّع نطاق الحرب إلى مديات اخطر لتعطي مزيدا من الطاقة الإيجابية للوصول إلى اتفاق كامل وشامل، لا سيّما بعد أن شعرت هذه الدول وفي المقدمة منها الدول الخليجية بعدم قدرة "الحليف" الأميركي على حمايتها، أو الدفاع عنها، وبعد أن توصّلت إلى قناعة راسخة بأن مصيرها ومصير شعوبها مرتبط بشكل أساسي بوقف الحرب ،وعدم السماح لها بأن تحرق الأخضر واليابس في عموم المنطقة ، خصوصا وأن هذه الدول لا تملك عمق استراتيجي ،ويمكن ان تنهار بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية في فترة وجيزة.
هذه المؤشّرات، إضافة إلى مواقف عالمية رافضة لاستمرار أو توسّع دائرة الحرب، والتخوّف من تداعياتها الخطيرة على الاقتصاد العالمي الذي بدأ يتأثّر بشدّة نتيجة لها، ويمكن أن يدخل في حالة من الركود والانكماش حتى بعد توقفها، ربما تجعل من إمكانية التوصّل إلى اتفاق نهائي أمرا واقعيّا وقابلا للحدوث، على الرغم من وجود تعقيدات كثيرة قد تقف في وجه الوصول إلى مثل هذا الاتفاق.
الاحتمال الثاني هو التوصّل إلى اتفاق ناقص أو جزئي، بمعنى أن يتم التوافق على بعض البنود التي تؤدي إلى خفض منسوب التوتّر إلى مستوياته الدنيا ،وتمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مدمّرة ،فيما تُؤجّل بعض المسائل إلى وقت آخر، وهذا الاحتمال وارد وممكن خصوصا في ظل الكثير من القضايا المُختلف عليها، مثل حق إيران في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، ومطالبها بخصوص إدارة مضيق هرمز الاستراتيجي، بالإضافة إلى مسألة رفع العقوبات الاقتصادية بصورة كاملة، إلى جانب حجم وشكل التعويضات التي تطالب بها لإعمار ما دمّره العدوان الصهيو-امريكي، مٌضافا إلى كل ذلك ضرورة أن يشمل وقف العمليات القتالية كل الجبهات في المنطقة وخصوصا الجبهة اللبنانية ،والتي ستحاول إسرائيل إبقائها مشتعلة للتعويض عن جزء من الفشل الذريع الذي مٌنيت به أثناء المواجهة التي جرت مع حزب الله ،والذي فاجأ العدو والصديق بمدى جهوزيته القتالية ،وعنفوان وبأس جنوده سواء على الحافة الأمامية من الحدود، أو في العمق الصهيوني الذي عاني الأمرّين جراء ضربات الحزب الواسعة.
هذا الأمر في حال حصوله وإن كان سينزع فتيل الانفجار الكبير الذي يهدّد كل المنطقة، وربما تصل تداعياته إلى باقي أرجاء العالم، إلا أنه سيُبقي الباب مفتوحا لاشتعال المواجهة مجدّدا حتى بعد أسابيع أو شهور، إذ ان القضايا التي ستبقى عالقة يمكن أن تشعل فتيل الحرب من جديد، لا سيّما في ظل تواجد رئيس أمريكي متقلّب ومضطرب نفسيا كما تصفه الصحافة الامريكية، ورئيس وزراء إسرائيلي مُلاحق محليا بتهم الفساد، ودوليا بتهم ارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق المدنيين الفلسطينيين.
ثالث الاحتمالات هو أن يعود رحى الحرب للدوران من جديد بعد انتهاء هدنة الأسبوعين ،سواء لفشل التوصّل إلى اتفاق يرضي الطرفين ،او كون هذه الهدنة من الأساس جاءت لخدمة أهداف تكتيكية تصب في مصلحة العدوّين الإسرائيلي والأمريكي ،واللذين كما يبدو بحاجة ماسّة لالتقاط انفاسهما بعد ما تعرّضا له من ضربات إيرانية ولبنانية وعراقية ويمنية قاتلة ،وبعد الضرر الهائل الذي تعرضّت له القواعد الامريكية في المنطقة ،وهو الامر الذي انسحب أيضا على حاملات الطائرات الضخمة ،والتي اضطرّت للهرب من مواقع تمركزها في المحيط الهندي بعد ما تعرّضت له من أضرار جسيمة بفل الضربات الإيرانية القاسية.
في حال تحقق هذا الاحتمال لا سمح الله فإن المنطقة والعالم سيعانيان من تداعيات غير مسبوقة ،خصوصاً في حال أقدمت قوى الشر على مهاجمة محطات الطاقة والجسور وسكك الحديد في إيران، وهو الأمر الذي سترد عليه إيران بالمثل كما فعلت خلال الأسابيع الماضية، والذي أثبتت فيه القوات المسلّحة الإيرانية بأنها قادرة على الوصول إلى كل الأهداف التي تريدها ،وأن نظام الحماية الإسرائيلي-الأميركي من الصواريخ البالستية والطائرات المسيّرة الإيرانية قد واجه فشلاً ذريعاً، وسقط أمام نظر وسمع العالم بصورة مُخزية، وهو الذي كان يُنظر إليه بأنه نظام حماية متكامل وقادر على التصدي لكل الهجمات على مختلف أنواعها.
على كل حال، وبغض النظر عمّا ستؤول إليه مجريات الأمور في قادم الأيام، وبعيدا عما ستسفر عنه المفاوضات في باكستان، فإن الأمر الذي لا يمكن إنكاره او تجاوزه هو أن محور المقاومة قد حقّق إنجازا قلّ نظيره، وهو برغم ما قدّمه من تضحيات جِسام في مختلف الساحات، فإنه تمكّن من إنزال هزيمة ساحقة بكل أطراف محور الشر، سواء تلك الأطراف المعلومة مثل أميركا و "إسرائيل"، أو الدول والأنظمة التي كانت تدعم لوجستياً واقتصادياً وإعلاميا، والتي أُصيب بخيبة أمل كبيرة بعد الإعلان عن وقف الحرب فجر يوم أمس.
لقد أثبت محور المقاومة بجبهاته المتلاحمة والمنسجمة أنه جدير بالفخر والثقة، وأن بإمكانه تغيير الكثير من المعادلات التي تسعى قوي الشر لفرضها على شعوب ودول المنطقة، وأن قوّة الحديد والنار التي يستخدمها محور الشر لفرض سطوته على الآخرين يمكن التصدّي لها وإبطال مفعولها بغض النظر عن الفارق في الإمكانيات ،والاختلال على صعيد القدرات.
في قادم الأيام سنكون بمشيئة الله أمام انتصار تاريخي حاسم، عبّد الطريق إليه الإمام الشهيد على الخامنئي رضوان الله عليه وإخوانه من قادة ومجاهدي القوات المسلّحة الإيرانية، وكتب فصله الختامي بطولات المقاتلين في حرس الثورة البواسل، ومعهم كل إخوانهم في حزب الله وأنصار الله والمقاومة الإسلامية الشريفة في العراق.