تفكيك النفوذ الإيراني في العراق.. لمصلحة من؟

تتأرجح فرص نجاح الولايات المتحدة في تحقيق استراتيجيتها الرامية إلى تقويض أذرع إيران استناداً إلى تحوّل أدوات الصراع من "العسكري المباشر" إلى "السياسي والاقتصادي".

0:00
  • ما موقف الداخل العراقي والفصائل؟
    ما موقف الداخل العراقي والفصائل؟

يُمثلُ تعيينُ توم باراك مبعوثاً خاصاً للعراق وسوريا بالفعل خطوةً استراتيجيةً مدروسةً من إدارة الرئيس دونالد ترامب؛ لتفكيك نفوذ إيران وتقويض الفصائل العراقية.

يتزامنُ التحركُ مع رغبة واشنطن في إرساء معادلة "الاستقرار عبر بوابة الاقتصاد وتجريد السلاح"؛ لإدماج العراق في منظومةٍ إقليميةٍ جديدةٍ بعيدةٍ عن العلاقة مع طهران، تقومُ على فكرة "الازدهار البديل"، إذ تسعى واشنطن إلى تقديم مكاسبَ تجارية واقتصادية تربطُ العراق بتركيا والخليج عبر الموانئ، والسكك الحديدية، والتبادل التجاري المفتوح.

للأميركي دوافعُ وأبعادٌ استراتيجيةٌ تبدأ بسحب الأوراق الإيرانية بالتزامن مع مفاوضاتٍ أميركيةٍ-إيرانيةٍ معقدةٍ؛ بهدف تجريد طهران من أهم أوراق الضغط الإقليمية التي تساوم بها.

يريد ترامب دمجَ ملفي العراق وسوريا تحت قيادة مبعوثٍ واحدٍ؛ لخلق محورٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ متصلٍ ضد إيران. ويتمتع باراك بصلاتٍ قويةٍ مع قوىً إقليميةٍ بارزةٍ كتركيا ودول الخليج، ما يمنحه مرونةً عاليةً لفرض الشروط الأميركية.

فرضَ باراك محدداتٍ صارمةً لشكل العلاقة الجديدة، وربطت واشنطن تقديمَ أي دعمٍ ماليٍّ أو فتحَ الباب أمام الشركات الاستثمارية الأميركية الكبرى بالتزام بغداد نزعَ سلاح الفصائل والتفكيك الكامل لها، وركزت الاستراتيجية على حظر مشاركة قادة الفصائل في الوزارة، ومنع وصولهم إلى عوائد الخزينة العامة.

ما ردود الأفعال وما موقف الداخل العراقي والفصائل؟

أظهرت القوى المقربة من إيران مرونةً وتماهياً مع مخرجات زيارة باراك؛ لتجنب الاصطدام المباشر مع واشنطن في مرحلة ما بعد الحرب الإقليمية، خوفاً من خسارة نفوذها السياسي. وتبنى رئيسُ الوزراء علي الزيدي رؤيةً لتفكيك شبكات الفساد وحصر السلاح، تمهيداً لزيارته المرتقبة إلى البيت الأبيض؛ للاتفاق على الأطر النهائية للشراكة الاستراتيجية.

انقسمت ردودُ الأفعال والمواقفُ السياسية في بغداد على كيفية التعامل مع شروط واشنطن، وأحدثت الضغوطُ التي حملها باراك انقساماً عملياً واضحاً في آليات استجابة الفصائل المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي، إذ تلعب طهران أوراقها بذكاءٍ مستفيدةً من التناقضات.

اتخذت حركاتٌ مثل "عصائب أهل الحق" (بقيادة قيس الخزعلي) و"كتائب الإمام علي" خطواتٍ لـ "فك الارتباط السياسي والحزبي" بتشكيلاتها المسلحة، بينما رفضت فصائلُ عقائديةٌ مثل "كتائب حزب الله العراق"، و"حركة النجباء"، و"كتائب سيد الشهداء" الأطروحات الأميركية.

واشترطت هذه الفصائل انسحاباً كاملاً وغير مشروطٍ للتحالف الدولي من شمال العراق بحلول سبتمبر/أيلول المقبل قبل التفكير في أي تفاهماتٍ تخص السلاح. وقادت شخصياتٌ تقليديةٌ مسار التماهي والقبول الواقعي بالشروط الأميركية؛ لتجنب الصدام المباشر وحماية امتيازاتها السياسية داخل الائتلاف الشيعي الحاكم "الإطار التنسيقي".

من أبرز القادة الذين تماهوا مع الرسائل الأميركية عبر إطلاق تصريحاتٍ داعمةٍ بقوةٍ لملف "حصر السلاح بيد الدولة" هو نوري المالكي، وتفسر أوساطٌ سياسيةٌ موقفه بأنه محاولةٌ لحماية موقعه وموازنة الضغوط الخارجية.

بينما يبدي رئيسُ الوزراء علي الزيدي تماهياً تنظيمياً كاملاً مع خريطة طريق باراك؛ حيث وافق الإطار التنسيقي على تفويضه؛ لاتخاذ الإجراءات الكفيلة بحلِّ وتفكيك التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة.

يتناغم موقفُ زعيم التيار الوطني الشيعي، مقتدى الصدر، وجماعته بشكلٍ كبيرٍ مع الخطوط العريضة لطروحات المبعوث الأميركي توم باراك، لاسيما في ملف تفكيك الفصائل المسلحة وحظر مشاركتها السياسية.

ويرى الصدر أن نزع سلاح الفصائل وحصر السلاح بيد الأجهزة الأمنية الرسمية هو مشروعٌ صدريٌّ قديمٌ لطالما نادى به. وكسر الصدر عزلته السياسية ليبادر بالاتصال الهاتفي وتهنئة رئيس الوزراء الزيدي فور تشكيل حكومته؛ حيث حثه على صون "السيادة" وإثبات الهمة في تحسين الواقع. هذا الموقف منح الزيدي غطاءً وغلبةً سياسيةً في مواجهة الإطار التنسيقي؛ لتنفيذ خطة نزع السلاح.

ويتقاطع الصدر مع الفيتو الأميركي الصارم الذي حمله باراك برفض إشراك أي شخصياتٍ تنتمي لفصائل مسلحةٍ (مثل عصائب أهل الحق) في الكابينة الوزارية للحكومة الجديدة. يمثل الحراك الصدري في الشارع والمنابر السياسية أداة ضغطٍ قصوى تحرم قوى الإطار التنسيقي من المناورة.

وبادر التيار الصدري بخطواتٍ استباقيةٍ أبدى فيها الاستعداد التام لدمج وتفكيك لواء "سرايا السلام" (الجناح المسلح للتيار) ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية.

هل يمكن للولايات المتحدة أن تنجح في تحقيق أهدافها؟

تتأرجح فرصُ نجاح الولايات المتحدة في تحقيق استراتيجيتها الرامية إلى تقويض أذرع إيران استناداً إلى تحوّل أدوات الصراع من "العسكري المباشر" إلى "السياسي والاقتصادي"، لكن هناك عوائق ومؤشرات، أهمها أن إيران لم تعد بحاجةٍ إلى قواعد عسكريةٍ، فنفوذها يرتكز على فصائل تمت مأسستها قانونياً ومالياً داخل أجهزة الدولة العراقية والحشد الشعبي، ما يجعل تفكيكها عبر الضغط الخارجي معقداً وعالي المخاطر.

ويبقى أن استمرار النظرة الشعبية والعقائدية لقسمٍ كبيرٍ من الشارع والفصائل تجاه الوجود الأميركي بصفته "قوة احتلالٍ" يغذي باستمرارٍ بيئة المقاومة المسلحة والاستنزاف، ويفقد واشنطن الحاضنة السياسية اللازمة لفرض شروطها، مع أنها تستعمل سلاح المال والاقتصاد وحاجة العراق الملحّة إلى الاستثمارات، واستقرار القطاع المصرفي، والمنظومات الدفاعية المتقدمة (كالرادارات وحماية الأجواء). هذا الربط ("الاستثمار مقابل حصر السلاح") يضع النخب العراقية الحاكمة أمام خيارٍ حتميٍّ لحماية مصالحها الاقتصادية من الانهيار.

تستثمر واشنطن في وجود رغبةٍ وتوافقٍ عراقيٍّ واسعٍ يقوده التيار الصدري وتدعمه أطرافٌ حكوميةٌ وسنيةٌ وكرديةٌ بضرورة إنهاء السلاح المنفلت واستعادة سيادة الدولة، ما يرفع الحرج عن الأجندة الأميركية ويجعلها تبدو مطلباً عراقياً خالصاً.

مكاسب استراتيجية: القوى الإقليمية الحليفة لواشنطن، دول الخليج وتركيا

تُعد تركيا من أبرز المستفيدين من إضعاف طهران؛ إذ يتيح لها ذلك ملء الفراغ الجيوسياسي والاقتصادي في المشرق العربي عبر عدة مستوياتٍ، أهمها إنجاح "طريق التنمية" الحيوي؛ إذ يمثل مشروع طريق التنمية (الذي يربط ميناء الفاو الكبير في البصرة بالحدود التركية وصولاً إلى أوروبا) درة التاج في مصالح أنقرة.

كانت إيران وحلفاؤها يعرقلون هذا المشروع لكونه يمثل منافساً جاداً لطرق التجارة الإيرانية. وتراجع النفوذ الإيراني يعني تسريع البناء ومباشرة التنفيذ للشركات التركية والعراقية. وكان الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قد بحث مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي سبل تفعيل وإعادة تشغيل خط أنابيب النفط (كركوك - جيهان)؛ لرفد الأسواق الأوروبية، ويليه أن إزاحة الهيمنة الإيرانية على القرار النفطي في بغداد تمنح أنقرة دور "العقدة اللوجستية الأساسية" لتصدير الطاقة.

تتضارب المصالح التركية والإيرانية بوضوحٍ في شمال العراق وسوريا (مثل سنجار وتلعفر ومحيط حلب)؛ فإضعاف الفصائل العراقية يتيح لتركيا تقويض ملاذات حزب العمال الكردستاني (PKK) وتأمين حدودها الجنوبية من دون فيتو أو مضايقاتٍ من الفصائل الموالية لطهران.

أما دول الخليج، لا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فهي تنظر إلى تحجيم الدور الإيراني في العراق وسوريا كضرورةٍ استراتيجيةٍ قصوى؛ حيث تعاني دول الخليج من التهديدات المستمرة للملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر عبر الحوثيين والفصائل العراقية، وتفكيكها يضمن بالنسبة لها استقرار سلاسل التوريد وصادرات النفط الخليجية.

وتسعى دول الخليج لاستثمار مليارات الدولارات في قطاعات الغاز، والكهرباء، والبنية التحتية العراقية لربط بغداد بالمنظومة الخليجية (مثل الربط الكهربائي الخليجي وبناء المدن السكنية)، وهو ما كان يصطدم سابقاً برفض الفصائل الموالية لإيران التي تفضل إبقاء العراق معتمداً على الغاز والطاقة الإيرانية.